ثلجة جديدة يا رب... أمنية الحجر والبشر

\
\"ثلجة جديدة يا رب..\"


إنتظرت القمم اللبنانية رداﺀها الأبيض لفترة طويلة فتعطشت لرؤيته يزين يباسها ولونها الداكن، إنه الثلج ذلك الساحر الملفت الذي يتلهف لمشاهدته جميع اللبنانيين، لكنه "تكبّر" هذه السنة، وشاﺀ ان يبخل عليهم ويحرمهم من التمتع بجماله.

رضي الجميع بمشيئة الخالق فصبرت القلوب وباتت الصلوات ترفع من أجل "طلته البهية"، الا انه قرر وبعد طول إنتظار ان يكشف عن وجهه المختبئ، فهللت الشعوب لفصل الشتاﺀ الثلجي المتأخر جداً هذا العام.

تأخر موسم الثلج كثيراً هذا العام، البعض رجح ذلك لعوامل الإحتباس الحراري إذ ان عناصر المناخ تتغير مطلقة انـــذارات مخيفة. الا ان هذا الإحترار العالمي لم يؤثر على مناطق أمــيــركــا الشمالية وأوروبــــا والــشــرق الآسيوي التي عرفت أكثر طقس بارد منذ عقود، وغمرها الثلج وفاض. ولكن لبنان كان الأقل حظاً فللمرة الأولى في تاريخه يعيش ما يشهده اليوم من حرارة عالية، وغياب الأمطار، وقلّة ثلوج في عزّ كانون وشباط.

رغــم ذلــك تعرض لبنان لموجة صقيع وثلج في كانون الثاني أنقذت المرتفعات، واستبشر اللبناني خيراً وقال "الموسم قد بدأ" إلا ان موجة أخــرى "صيفية" أحــرقــت المناطق اللبنانية بلهيب شباطي، وأذابــت الثلج بأسرع مما كان متوقعا. فما هو المشهد في اكثر البقع تأثراً من هذا "الجفاف"، الــذي اطــل بأنيابه على التلال ليحرمها مما يرويها.

رحلة من الساحل الى الجبل تجعلك في قلب "ازمة ثلجية" تشتاق لرؤيتها على مدار طريقك، لا معالم للثلج على امتداد الطريق المؤدية من عشقوت الى فيطرون، وصــولاً الى كفردبيان وفاريا وميروبا، وعيون السيمان، مشهد واحد ومتكرر تراه على طول الطريق...

"الــجــفــاف". أشجار يابسة، اغصان تُلِفت، وكأنك في أوج شهر آب، وحتى لو كنت في تلك الفترة فمن الممكن ان تــرى وردة او نبتة تزين وحشة الطريق. لا تشم رائحة المداخن ولا تشاهد دخانها المتصاعد، ولا تتجمد من شدّة البرد القارس فالحرارة تلامس 01 الـ في حين انها كانت دائما تلامس اقلّه الصفر نهارا. تنظر الى الجبال "المرقعة" بالثلج، فتظهر تربتها اكثر من الأبيض ويوحي لك هذا المشهد بأوائل فصل الصيف، موعد ذوبــان الثلج، إذ لم يعتد اللبناني على رؤيته قبل تلك الفترة، اما السنة فكل شيﺀ معكوس. ان تصعد الى تلك المنطقة بلباس خفيف شيﺀ غير إعتيادي ولا يدخل عقل سكانها لا من قريب ولا من بعيد، فالى الساعة هم ينتظرون "موجة" ثلج جديدة تعوض وتبلسم الجراح، فالأبيض هو المبتغى وهو حبيب القلب.

على الطريق ايضاً مياه، مياه ذوبان الثلج، تتواجد بكمية هائلة معلنة عن إختفائه تدريجياً وذلك لتأثر لبنان بحرارة عالية عن المعدلات المعتادة في مثل هذا الوقت من كل عام. تلاحظ ظهورا واضحا للباصات المدرسية والسياحية المتجهة الى المنطقة، فرغم قلّة الثلج الا ان رواده ومحبيه يفضلون رؤيته حتى لو كان خجولاً.

وعندما تقترب من الحلبات المخصصة للتزلج يظهر لــك جلياً عــدد محبي رياضة التزلج رغــم الشائعات التي تتناقل الى الساحل عن عدم وجود احدفي تلك البقعة، الا ان الواقع مغاير، فالعدد لا بأس به لكن تبدو المقارنة مع السنوات الماضية خاسرة لا محالة.

على الحلبات عدد لا بأس به من الأشخاص محملين بعتادهم الثلجي، مــن كــل الأعــمــار وكـــل الــفــئــات، من جنسيات مختلفة وخصوصاً عربية.

يتوجه السواح الى لبنان لإشتياقهم لرؤية شيﺀ لا يستطيعون مشاهدته في بلادهم، فلا يهمهم إن كان كثيرا ام، قليلا كل ما يهمهم هو تواجده.

حتى أن الثلج "القليل" لا يتميز بالنوعية اللبنانية التقليدية بل أمسى "ركيكا"، اي ليس صلبا، والملفت هو رؤية بقع خالية منه في وسط البياض فكأن اللوحة الشتائية الأزلية في لبنان، نقصت قطعة هذا العام.

الحماس والرغبة يسيطران على الــرواد، فرغم شيوع الأخبار عن عدم تــواجــدهــم، الا انهم اتــوا مــن بعيد لممارسة رياضتهم المفضلة، فهبة وعائلتها جاؤوا من سورية الى لبنان فقط للتزلج، وهذه هي اول مرة لهم، وتــقــول هبة "نحن لا نعرف كيف كان الموسم السنة الماضية، ولكن اصدقاﺀنا نصحونا بعدم المجيﺀ لأن الثلج هذا العام ليس جيداً، الا اننا اصرينا على قيامنا بالرحلة لأننا نثق ان الأجواﺀ اللبنانية المرحة ستدخل فرحاً الى قلوبنا، وجيد اننا قمنا بها لأننا اليوم نتمتع بالثلج وهوهكذايكفينا".

اماسالم النعيمي من السعودية يزور ايضاً لبنان لأول مرّة فيرى ان المغامرة حلوة وشيقة، وكل شيﺀ جيد "وعلى العكس فإن الطقس جميل، ورغم قول البعض انه ليس هناك ثلج في لبنان، إلا انني فضلت المجيﺀ فقلّته افضل من عدمه".

ام محمد من الكويت التي اعتادت زيارة لبنان في هذا الموسم خصيصاً من كل عام، ترددت هذه السنة لتأخر الثلج، ولكن مع اول قطرة "توجهت والعائلة الى لبنان"، وتؤكد ان هذه السنة هي اقل سنة من حيث الثلج "لم نعتدعلى رؤية بقع خالية منه، ونوعيته ليستبجيدة لأنالحرارة العاليةتتسبب بذوبانه". ومع هذا تفضل ام محمد المجيﺀ لأن في بلادهاليس هناك من ثلج متمنية ان يكون الموسم القادم ثلجياً أكثر.

قال أنطوان من زحلة، أنه "تفاجأ بانخفاض نسبة الثلج فــي لبنان"، مضيفاً "كنا نعتقد بأن الحديث عن الاحتباس الحراري لا يتعدّى كونه مجرّد أخبار اعلامية، لكن الواقع صحيح، ففي كل عام آتي مع عائلتي الى هنا، وكان الثلج يعوّق طريقنا قبل الوصول الى حلبة التزلج. أما اليوم فصرنا في قلب الحلبة بسبب غياب الثلج". ويختم "أظن جازمابأن الأمور كانت أفضل بكثير في الأعــوام الماضية، لا أود التنبؤ لكنني أعتقد بأننا ذاهبون الى الأســوأ". اما حسين من النبطية فقد اشار الى انه كان يفتخر أمام الجميع من عرب وأجانب بأن ثلج لبنان لا يُضاهى، "لكن في هذا العام بدا الأمر مخجلا. أعرف أن الأمر ليس بيدنا، لكن لناأن نتخيل كيف كان الثلج في المواسم السالفة أشبه بزحف أبيض هائل يغطي الجبال والقرى، أما اليوم فبتنانبحث بالحيلة والفتيلة عن الثلج. مؤسف ما يحصل، وأتمنى الا تتطور الأمور سلبابغية استعادة رونقنا كلبنانيين".

اشار المدرب جو ضو الى ان هناك إقبالا من الخليجيين غير ان الموسم خفيف جــداً وهو لم يصل الى اليوم الى نصف ماوصل اليه الموسم الفائت في مثل هذا التاريخ. وأكد ان العوامل هي عوامل مناخية "حيث لا يسعنا فعل شيﺀ بديل، فالثلج قد تأخر في التساقط، ومن ثم اتت موجة حر مخيفة أذابته". وعن الأسبوع العالمي للتزلج قال ضو "إذابقي الطقس هيك أكيدما بيصير"، متطرقاً الى ضرورة مضاعفة راتب المدرب كحل للخروج من الأزمة.

لفت مــديــر شــركــة الــمــزار للتزلج كريستيان رزق الى ان الموسم عاطل جداً وهناك "شح" في الثلج، إضافة الى ان الموسم تأخر جداً هذاالعام ولم يدم طويلاً. وأشــار ان عدد المتزلجين لا يشكل 10% مما كانت تشهده السنوات السابقة، فضلا ان هناك العديدمنهم ينتظرون "ثلجة" جديدة ليعاودوانشاطهم. واكدرزق انهاولأول مرّة يشهد لبنان موجة ساخنة تدوم اسبوعين في شهر شباط، وعمن يعوض قال "شو نحن بأوروبا، خلص يلي راح راح". امــا اذا تكرر هــذا في السنوات المقبلة فأوضح رزق ان عليناإستدراكه واللجوﺀ الى "ثلج إصطناعي"، "وهذا المشروع مكلف كثيراً لأنــه يستلزم إستيرادآلات خاصة من اوروبا، وبرادات، وفلاتر، وغيرهامن المعدات الضرورية، ولكنه طبعاً لايحل مكان الثلج الطبيعي، فروادنايتوجهون من كل اقطار الأرض لرؤية الثلج الطبيعي والجميل والتمتع بالطبيعة اللبنانية". وتطرق الى احتمال عدم حصول الأسبوع السنوي للتزلج.

تعليقات: