حـال صالونـات تزييـن السـيدات.. في الساعات التي تسبق سهرة رأس السنة

خلية نحل في فردان: الحادية عشرة ظهراً (حسن عبد الله)
خلية نحل في فردان: الحادية عشرة ظهراً (حسن عبد الله)


يمسك شاب بين يديه كمية من الشعر المستعار، بألوانها وأشكالها المختلفة، في أحد صالونات تزيين السيدات. يتوجه نحو زميله، ويطلب منه أن يتذكر جيداً الى من تعود كل مجموعة من الشعر المستعار: «هاي لمدام كارمن، وهاي للست ليلى، وهيديك السودا لمارلين، ما تفوّتنا بالحيط!». يضحك زميله بينما يصفف شعر إحدى السيدات، قبل أن يهمس في أذنه: «مطوّل ليخلص هيدا النهار دخلك؟».

إنه يوم الحشر بالنسبة إلى أصحاب الصالونات والعاملين فيها. كما أنه يوم مميز بالنسبة إلى السيدات، يستلزم منهن تزيين شكلهن لليلة تحتفل بولادة سنة جديدة. الهدف يوحدهن، إلا أن المشهد يختلف بين صالون وآخر، ومن امرأة إلى أخرى. فنفذت «السفير» جولتها على بعض صالونات بيروت والضاحية الجنوبية.

لا وقت لحكّ الرأس

إنها العاشرة صباحاً. تبدأ الجولة في الضاحية الجنوبية. هنا، حيث ما زالت شريحة كبيرة من المواطنين تتشح بالسواد، احتراماً لذكرى عاشوراء. ومع ذلك، لا تغيب حفلة الاستعداد لإحياء رأس السنة، وخصوصاً بين بعض السيدات اللواتي فضّلن أن يحتفلن بها مع العائلة في المنزل. في أحد صالونات المنطقة، يستنفر فريق عمل المحل بانتظار دخول الزبائن. تشير إحدى الموظفات الى أن أكثرية السيدات حضرن أمس (أي أمس الأول) ليصبغن شعرهن، ويزيّن أظافرهن. وتلفت إلى أن الزبونات لسن من سكان الضاحية فقط، بل هناك من يقصدن الصالون من مناطق بيروت كافة، وحتى الجبل. تدخل الزبونة الأولى، وتحتفل بدخولها. تعرب عن فرحتها كونها الأولى التي ستجلس على الكرسي لتصفيف شعرها. حضرت باكراً كي تكسب المزيد من الوقت، وتعود إلى بيتها لتحضير المائدة التي سيجلس إليها ضيوفها. ولأن اليوم مميز بالنسبة إليها، تطلب من صاحب الصالون شخصياً أن يملّس شعرها. ينزل الأخير عند رغبتها، خصوصاً أن الوقت ما زال باكراً على زحمة الزبائن.

ويلفت صاحب الصالون عصام بشير إلى أن «اليوم، يريد الجميع أن يظهروا بحلة جديدة، للعام الجديد.. كمن يلقي خلفه هيئة العام الماضي». يشرح أن زحمة الزبائن تبدأ من الساعة التاسعة والنصف صباحا، وتحضر أولاً من لا تملك وقتا لصبغ شعرها، «بس من الرابعة حتى العاشرة، ما بيطلع لنا وقت نحك راسنا!». وبالمقارنة مع العام الماضي، يؤكد بشير أن السنة أفضل بنسبة 60 في المئة على الصالون. ويعزو السبب في ذلك إلى أن رأس السنة في العام الماضي التصق بذكرى عاشوراء، بالإضافة إلى وطأة حرب غزة والمجازر اليومية.

دخلت.. والصبغة على رأسها

تدخل سوسن الى صالون في الطريق الجديدة، وعلى شعرها الصبغة. تبادر سريعاً إلى شرح منظرها: «ما حدا يضحك علي، بس بدي خلّص، ما عندي وقت!». تقول سوسن إنه، نظرا للأوضاع الاقتصادية، «لم يعد باستطاعة المرأة توفير المال لصبغ شعرها وتصفيفه في الصالون. لذلك، فضلت أن أتولى تغيير لونه في المنزل، والتوجه الى هذا الصالون القريب من بيتي لتمليسه».

في الداخل، تضع صاحبة الصالون، منال، طفلتها في كرسي مخصّص للأطفال بالقرب منها. نسألها عن سبب تواجد طفلتها هنا، تشرح انه لم يتوفر لها مكان لتترك طفلتها فيه، «كون الجميع منهمكين بالتحضيرات»، فقررت إحضارها معها كي لا يبقى بالها مشغولا عليها. يدور حديث حول السهرة، فتقول شابة في العشرين من عمرها: «أنا بالبيت، بس أكيد بتمنى روح اسهر مع حبيبي!». ولماذا تملّس شعرها طالما لن تقابل حبيب القلب الليلة؟ «مين قلّك ما ح شوفوا؟ ح إلهي أهلي وانزل عايدو تحت البيت الساعة 12». تطلب صاحبة المحل من مساعدتها أن تأتيها بمنقوشة جبنة، «لأن بعد شوي ما ح فينا ناكل».

«ياس يا بايبي.. وينك؟»

الساعة الآن الثانية عشرة ظهراً. نحن في منطقة فردان. تزدحم السيارات أمام مجمع تجاري يقع فيه صالون شهير جداً للسيدات. شباب «الفاليه باركينغ» يتولون استلام سيارات السيدات. يترجلن من سياراتهن الفخمة، ويتجهن صعوداً الى الصالون. تدخلان الى المكان وتسلمان على صديقة. يأتيهما شاب بالقهوة. تتوجه الأولى إلى موقع غسيل الشعر. تسرع موظفة إليها وتسألها عما إذا كانت تحب أن تبدأ بتزيين أظافرها. تنتقل الى موقع تمليس الشعر. تقترب منها الفتاة، وتبدأ بالأظافر. تستدعي الضرورة هنا إتمام مهمتين في الوقت ذاته. وفي المشهد، تنتظر سيدات دورهن، جلوساً إلى كنبة الصالون. تتبادل بعضهن الأحاديث حول أماكن سهر الليلة. فنسمع أسماء المطربين، كهيفاء وهبي وعاصي الحلاني ونانسي عجرم وراغب علامة... فتتباهى كل منهن بروعة المكان الذي ستقصده الليلة.

تحاول عاملة فيليبينية إسكات طفل يبكي. تسأل سيدةٌ والدة الطفل عن سبب إحضاره معها. تشرح لها الأخيرة أنها تريد أن تأتيه بثياب جديدة لمناسبة رأس السنة: «ما إلي قلب اشتري لإلي، وإلو ما اشتري شي.. حياتي».

«ياس يا بايبي وينك»: تحاول سيدة بصعوبة التحدث مع زوجها عبر الهاتف، تحت وطأة ضجيج «السشوارات». تطلب من الشاب الذي يصفف شعرها أن يسرع لأن زوجها عاد الى المنزل، وعليهما الانطلاق الى منطقة فقرا. تتذمر بعد الاتصال، بطريقة متصنعة، لتعلّم محيطها بأنها متجهة إلى مكان مميز في فقرا: «أوف، زوجي آخدني لآخر الدنيا اليوم».

مع مرور الوقت، يكتظ المكان بالسيدات ويعلو الضجيج أكثر فأكثر. تبدو علامات الفرح على وجوه الجميع، وكلٌّ سيستقبل سنة جديدة على طريقته الخاصة. وحدها عاملة من الجنسية الأثيوبية تحضر بلا بسمة على وجهها، في أثناء تنظيفها المكان. سيغادرون كلهم إلى أهم فنادق العاصمة للاحتفال، بحلة جديدة وبسنة جديدة. أما السيدة الأثيوبية فإلى أين ستتوجه يا ترى؟

تعليقات: