السلطة والسلطة البديلة

سعد اللّه مزرعاني
سعد اللّه مزرعاني


الانفراج والارتياح اللذان أشاعهما تأليف الحكومة ومن ثمّ الاتفاق شبه الكامل على بيانها الوزاري، وبعيد ذلك نيلها الثقة بنسبة عالية وغير مسبوقة، لا تعني أنّ هذه الحكومة قادرة على العمل أو على الإنجاز، عموماً. الانقسام الذي سبق تأليفها هو أحد الأسباب الأساسية. وهذا الانقسام ذو صلة وثيقة ومتفاعلة مع انقسام كبير طبع الوضع العربي، وخصوصًا منذ الغزو الأميركي للعراق في نيسان عام 2003.

هذا الواقع هو ما ينبغي أن يوجّه أو يحفّز نوعين من الجهود. أوّلهما من داخل تجمّع السلطة الجديد. وهو تجمّع متنافر كما ذكرنا. لكنّه مع ذلك، وبسبب توازنات محلية وخارجية، محكوم بنوع من الشراكة في الحكومة الجديدة. وتقتضي المصلحة الوطنية مطالبة هذا التجمّع وحكومته، بأن يوليا المسائل الأساسية ما أمكن من المتابعة، ومن ثمّ من المعالجة وإيجاد الحلول. تنطلق هذه المطالبة من هواجس متعدّدة. أوّلها أنّه مهما تباعدت المواقف وتناقضت المصالح والعلاقات، فإنّ ذلك ينبغي ألا يؤدّي إلى الأسوأ. والأسوأ هو القطيعة والاحتراب والإمعان في الارتهان للخارج والجنوح نحو الانقسام أو التقسيم. إنّ التوصّل، أو بداية التوصّل، إلى بعض التفاهمات على مسائل داخلية في مجال إصلاح قانون الانتخابات بتطبيق النصوص الدستورية وباعتماد النسبية، هو أحد المداخل إلى تحقيق جزء أساسي من مرتكزات تنظيم الصراع، وبالتالي من أن يكون سلميًا. كذلك فإنّ من شأن هذا الأمر أن يعزّز الدور اللبناني في عملية التقرير بشأن القضايا اللبنانية أو بشأن الشق المحلي منها على وجه الخصوص.

ويصبح مطلوبًا في امتداد هذا الأمر وانطلاقًا من هاجس تقليص التباينات الداخلية، حجز مكان أساسي لمؤتمر الحوار الوطني. ثمّة من يقول، استنادًا إلى معطيات مهمّة، إنّ تأليف حكومة موسّعة سيؤدّي تلقائيًا إلى جعل مؤتمر الحوار الوطني غير ذي جدوى وحتى غير ذي مشروعية. هذه وجهة نظر تهمل مستوى التعقيد الذي بلغه الوضع اللبناني، وخصوصًا تعدّد المسائل موضوع الخلاف وأهمية هذه المسائل ومصيريّتها.

بكلام آخر، يمكن بناء خطة يجري من خلالها، في الوقت عينه، توزيع مسائل البحث والحوار والتفاهم، على الحكومة والمجلس النيابي ومؤتمر الحوار الوطني. ويعتمد هذا التوزيع تصنيفًا ينطلق من مستوى الإلحاحية أو التعقيد أو حجم المشاركة. فقانون الانتخابات الذي تعهّد البيان الوزاري بإنجازه خلال سنة ونصف سنة، يمكن أن يناقش ويقرّ في مجلسي الوزراء والنواب، وفي المهلة التي حدّدها البيان الوزاري بالضبط. لا ينطبق هذا الأمر على مسألة «الاستراتيجية الدفاعية» التي يُستحسن أن تناقش في أطر أكثر سرية (رغم تعذّر السرية في لبنان!)، وفي وقت مفتوح على ضرورة استكمال النقاش حتى بلوغ نهاياته المطلوبة دون أن يكون الوقت عامل ضغط من أجل فرض أو فشل أو تأجيل. أما موضوع إلغاء الطائفية السياسية انسجامًا مع النصوص الدستورية الملزمة التي تمّ تجاهلها طيلة سبعة عشر عامًا (!)، فيمكن أن يُبحث، في الوقت عينه، على طاولتي مجلس الوزراء (والنواب أساسًا) وكذلك على طاولة مؤتمر الحوار.

إحالة الهواجس الطائفية والمذهبية إلى مجلس شيوخ معزول عن الإدارة العامة للدولة

يمكن الاستدراك هنا، أنّ ما نطرحه إنّما هو تعبير عن رغبة، أو عن تصوّر نظري لما ينبغي أن تكون عليه الأمور. ويجب أن نضيف أيضًا، أنّ الصراع مستمرّ وموازين القوى، تبعًا لذلك، في حركة دائمة، وأنّ التحوّلات الناجمة عن هذا الصراع وتلك الموازين، قد تتولّى هي، ترجيح أو حتى حسم التوجّه بشأن هذا الموضوع أو ذاك، وخصوصًا ما يتصل بعناوين المقاومة وسلاحها والاستراتيجية الدفاعية.

كلّ ذلك صحيح، لكنّ الصحيح أيضًا، أنّ الأمور يجب ألا تُترك دون السعي لبلورة توجّه هادف يستوحي ما ذكرنا سابقًا من مصالح وحاجات وطنية. ولهذا يجب استكمال اللوحة من خلال مطالبة القوى التي لم تشارك في السلطة: تلك التي تضرّرت من السياق السابق للانقسام والمحاصصة، وتلك التي تعتمد برامج جذرية للتغيير ولبناء موقع سياسي ــــ شعبي معارض وجديد. وهنا ندخل في النوع الثاني من الجهود التي أشرنا إليها في البداية.

ما يجب أن يميّز هذا الموقع هو امتلاكه رؤيةً شاملةً لبناء الدولة ولعناصر هذا البناء وأساسياته. ومن ذلك إصلاح النظام السياسي على أساس المساواة الكاملة بين اللبنانيين. إحالة الهواجس الطائفية والمذهبية إلى مجلس شيوخ معزول عن الإدارة العامة للدولة ولمؤسساتها. بناء سلطة قضائية مستقلة. إنجاز قانون دفاع (استراتيجية دفاعية تجمع الجهدين الرسمي والشعبي في جهد موحّد للتصدّي للعدوانية والاحتلال الإسرائيليين). تحديد الأسس التي تحكم علاقات لبنان الخارجية. محاربة الفساد والهدر وتقاسم الموازنة.

ستكون هذه وسواها عناوين التجمّع المعارض الجديد. وستكون ميزته أنّه يمتلك رؤية ومشروعًا. ويجب أن يمتلك أيضًا أدوات الضغط الضرورية السلمية والديموقراطية. وهذه الأدوات ستؤدّي وظيفتين: الأولى ممارسة الرقابة والضغط على الحكومة. والثانية تكوين حالة استقطاب مستمرّ من شأنها أن تصبح تدريجيًا، فاعلة ومؤثّرة في توازنات الوضع اللبناني، وحتى في القرار بشأن قضاياه الأساسية. إنّ صياغة مشروع معالجة الأزمات اللبنانية الأكثر إلحاحًا، أصبحت ذات أولوية تنفيذية مباشرة. ويجب، طبعًا، أن تكون هذه الصياغة ثمرة جهد مشترك يباشره المهتمّون. إنّه أمر يحتاج إلى المبادرة العملية. ثمّة محاولات في هذا الاتجاه تُبذل الآن. التدقيق في هذا الأمر ضروري: ما هي الحاجات (الأولويات السياسية والاقتصادية والأمنية...) التي سيكون الانطلاق منها ضروريًّا لتحديد الأطر المناسبة والقوى المتضرّرة أو صاحبة المصلحة في المشاركة في مشروع التغيير، أي مشروع المعارضة الجديدة هذا! أما الوسائل فمن نافل القول التأكيد أنّها سلمية وديموقراطية ودستورية...

يجب أن نقول بالإضافة إلى ما تقدّم، إنّنا بصدد بناء مشروع سلطة بديلة! هذا القول قد يكون ضروريًا وأساسيًا لتحديد وظيفة العمل المنشود. إذ ليس الهمّ فقط ممارسة بعض الضغط والتحريض (وهما ضروريان). المقصود أن يقوم ويتبلور مشروع يدعو إلى بناء بديل للوضع القائم في عناوين أساسية يبلور مجموعها خطة لإنقاذ لبنان واللبنانيين من الشرذمة والضياع والاستتباع والحروب الأهلية والوضع الاقتصادي المرهق بالديون وبمشاريع الجشع والاحتكار والاستئثار...

سيمثّل قيام هذا المشروع حلقة جديدة في مبادرات ريادية نشأت في مراحل متلاحقة من التاريخ اللبناني. نذكر على سبيل المثال: الجهود الوطنية التي ساهمت في تحقيق الاستقلال. مقاومة الشعب اللبناني للعدوان الصهيوني وإنزال هزائم متلاحقة بقواته كما لم يحصل في أيّ جبهة عربية استهدفها العدو. انتفاضات اللبنانيين من أجل الحرية والديموقراطية والانفتاح. مساهماتهم المشهودة في الدفاع عن العروبة وجهوزيتهم المشهودة في التضامن مع كلّ المكافحين من أجل حريتهم وحقوقهم على المستويين العربي والدولي.

* كاتب وسياسي لبناني

تعليقات: