لبنان اللي بحلم فيه: الحل في قلم الاقتراع

من فيلم \
من فيلم \"لبنان اللي بحلم فيه\"


يترك فيلم «لبنان اللي بحلم فيه» لبيير دواليبي انطباعاً حزيناً، وجواً موغلاً في المثالية. حزن يبرره ما عرضه الفيلم من خسائر لبنان عبر سنوات، أدت به إلى الغوص في التلوث، وضياع حقوق الإنسان والتعويضات والضمان الاجتماعي، والهجرة والإرهاب والواسطة، وفساد المؤسسات العامة وذهنية التعاطي مع المراجع، وعدم تطبيق الأنظمة... كما عددها الفيلم.

أظهر الفيلم على ألسنة ضيوفه مثالية في طلب ما بات حلماً مستحيلاً، لأن من يحكم هذا الوطن «الجنة» هم سياسيون قاصرون غير قادرين على تقديم الحقوق بل على أخذها، وعاجزون عن صونه كحالة خاصة، لها ما يميزها في التاريخ والبيئة والنسيج الاجتماعي، ولكن ليس في السياسة.

يبدأ الفيلم، الذي بات متوفراً على موقع «فايس بوك»، بكاريكاتور للرسام ستافرو جبرا، تليه موسيقى النشيد الوطني اللبناني على وقع أبواق السيارات، التي تعبر مجنونة، في مشهد سريالي، على أحد تقاطعات الطرق في بيروت. بداية يمكن وصفها بالملخص لحال لبنان، بدءا من أزمة المرور والأخلاق والآداب العامة.

يركز الفيلم الذي ظهر إلى العلن بالتزامن مع الانتخابات على مرحلتين، على صورتين متناقضتين: الأولى استعرضت صورة لبنان الجميل على لسان عدد من الفنانين والكتاب والمثقفين اللبنانيين المعروف حيادهم السياسي، رسمتها الذاكرة غالباً. والثانية على الواقع والهموم والأزمات المتلاحقة سياسياً وبيئياً واجتماعياً..

هكذا انقلب الفيلم بعد دقائقه الأولى التي تمر سريعاً، من صور البطاح وجبال خضراء تكسوها الثلوج ويزنّرها الضباب كما في أجمل غابات العالم. (هذا الجو الذي يحلو للبنانيين النظر إليه والتجلي بوصفه في كل محافلهم واستحقاقاتهم)، إلى الدخول في تعداد مفصّل لقضايا تنخر عظام الوطن، من دون ان يتلفت ـ السياسي والمواطن على السواء ـ إلى واقع أنها تسربت عميقاً في جذور تركيبة المجتمع والدولة.

المثقف

يقف «المثقف» الذي همشت دوره السياسة والطائفية والمذهبية والعنصرية تجاه الآخر، حكماً في هذا الفيلم، يشرح ويعري المجتمع. المثقف هنا هو الممثل والمخرج والطبيب والمحامي والخبير والفنان ورجل الدين والناشط في المجتمع المدني والإعلامي. وهو أيضاً الصياد ووالد أحد شهداء الجيش اللبناني في «نهر البارد»، اللذان طالتهما شظايا الواقع اللبناني، فبدا الاول وقد حطّمه سفر أولاده الأربعة للعمل إضافة إلى انحسار خير البحر بسبب التلوث، أما الثاني فكان مفجوعاً باستشهاد ابنه في البارد، «كيف سقط؟»، «من حقي ان أعرف كيف استشهد ابني؟»، «لي أيضاً حق تمييز شهادته عن شهادة من قضى بحادث سيارة أو اغتيالاً برصاصة» كما يقول.

رجلان من لبنان. في شهادتهما حرقة مشتركة تعبر عن حال معظم اللبنانيين وإن اختلفت الأسباب.

انتقد الفيلم أيضاً «تدجين القضاء» وتغييب السياسيين لدور المجتمع المدني، ودور الإعلام السلبي والموجه والمحرض، وهو ما أوصل الفنان زياد أبو عبسي إلى شكر «الشيف رمزي والشيف أسامة» لأن ما يقدمانه يغني المشاهد عن متابعة البرامج الحوارية، معتبراً أن المواطن اللبناني «يفضل شراء صحن لاقط لمتابعة البرامج الإباحية ومحطات الموسيقى بسبب قرفه من متابعة هذه البرامج».

اختار دواليبي أن يكدس في فيلمه كل هموم وأزمات الشارع اللبناني، فاستعرض في 45 دقيقة ما وصلت إليه حال البلد على صعيد البيئة والمؤسسات والأزمة الاقتصادية وصندوق تعويضات المهجرين والمديونية وأزمة السير وحقوق الإنسان والهجرة... مستخلصاً على لسان ضيوفه الحل، الذي يتمثل بالثورة على القيم البالية التي يتوجب على الشباب حملها، على أمل أن يتغير هذا الواقع يوماً. سار الفيلم على وقع رومانسية هادئة، فمررت رسائل محايدة سياسياً قبل ان يصل إلى رسالته الأساسية «فكّر جيداً قبل ان تصوت». الآن وقد جرت الانتخابات، ربما يمكن سؤال دواليبي عن الرسالة التي كان ليمررها لو قدر له أن ينفـذ فيـلماً من جديد.

تعليقات: