ثانوية بريتال التي حولت إلى «معهد ديني» على حساب العلم

بناء المدرسة الجديد
بناء المدرسة الجديد


326 طالباً فقط وصلوا إلى الجامعة من أصل 5000 تسجلوا في الأساسي..

بعلبك:

يتجاوز عديد سكان بلدة بريتال البقاعية 22 ألف نسمة، لكن ذلك لا ينفي واقعها العام كقرية نائية محرومة. يتوق أهل بريتال القابعة عند سفوح السلسلة الشرقية لجبال لبنان، للعلم والمعرفة واللحاق بركب التطور رغم سمعة تلاحقها كمنطقة خارجة عن القانون.

لا يقتصر التقصير الرسمي الواقع على بريتال على القطاع التربوي العاجز عن تلبية حاجة أبنائها. يدفع واقع المدارس الأهالي إلى البحث عن التعليم الخاص داخل البلدة وخارجها رغم الضائقة المالية التي يعانون منها، ما يزيد من العجز في تأمين ابسط مقومات العيش.

وتبين الدراسات التي قام بها مكتب التنمية المحلية في بلدية بريتال أن نسبة الطلاب المسجلين في المدارس الخاصة تتجاوز 75 في المئة، وتتركز في المرحلة الثانوية حيث يضطر أكثر من 250 طالبا وطالبة إلى الانتقال يوميا إلى ثانويات بعلبك ورياق وبدنايل، مع ما يفرضه ذلك من أكلاف مادية وتضييع للوقت ومخاطرة على الطرقات.

من بين تسع مدارس في بريتال يوجد ثلاث مدارس رسمية حيث يتجاوز عدد طلابها ستة آلاف. ورغم كثافة عدد الطلاب تركت المدرسة الرسمية تعاني الإهمال ونقص المتابعة مما يزيد في تدهور مستوى التعليم الرسمي لحساب القطاع الخاص الذي نما بشكل مضطرد وخاصة في مرحلة التعليم الثانوي. ويرفع هذا الواقع من نسب التسرب المدرسي حيث تبين الإحصائيات انه من أصل خمسة آلاف طالب مروا في مرحلة التعليم الأساسي هناك 326 طالباُ فقط وصلوا إلى مرحلة التعليم الجامعي أي لا تزيد النسبة عن سبعة في المئة من الذين انخرطوا في سلك التعليم، بينما وصلت النسبة لمرحلة التعليم المتوسط 38 في المئة.

ويحرك الواقع المرير جهود فعاليات البلدة والمجلس البلدي لمحاولة تصحيح الخلل خصوصا في الثانوية الرسمية التي عانت من تراجع حاد في مستواها التعليمي. ولجأ الأهالي إلى مديرية التفتيش التربوي والمراجع المعنية في وزارة التربية وصولا إلى وزيرة التربية فلم تفلح كل تلك الجهود بل زاد الطين بلة حيث وصل عدد الطلاب في الثانوية إلى حوالى مئة طالب من أصل 500 طالب ثانوي يعيشون في البلدة.

نجح الأهالي بعد أكثر من ثلاثين سنة من المطالبة بتشييد بناء نموذجي للثانوية بتمويل من الحكومة الكورية يمكنه ان يتسع لمجمل طلاب بريتال وبعض القرى المحيطة، إذا توفرت له إدارة ناجحة مستفيدة من تجارب الماضي التي حولت الثانوية إلى «قسم من معهد للطقوس والشعائر الدينية على حساب البرامج التعليمية» كما يشير رئيس البلدية الحاج عباس إسماعيل. ويؤكد إسماعيل «أن السبب الأساسي في التراجع الدائم لمستوى الثانوية قد تم إثر تحويلها، من قبل بعض القيمين عليها خلال المراحل السابقة، إلى فرع من حوزة دينية حيث ينحرف النقاش من المواد العملية والأدبية إلى بحوث فقهية، ويترافق ذلك مع إحياء المناسبات الدينية أثناء الدوام الرسمي الأمر الذي كان يتسبب بإقفال المدرسة». ويرى رئيس بلدية بريتال أن «كل هذه الأوضاع أثرت بشكل مباشر على المناهج التي لم تطبق في العديد من المراحل الدراسية، كما كانت النتائج النهائية لصفوف الشهادات اصدق تعبير عن هذه التوجهات مما وضع الأهل والطلاب أمام خيارات صعبة تجلت بترك الثانوية لمن أراد أن يحافظ على مستوى أولاده العلمي».

ويرى الحاج عباس إسماعيل ان كل ما نصبو إليه «هو أن نجد أبناءنا منضوين في مجمع تربوي داخل بلدتنا لنخفف عنهم الاكلاف العالية من أقساط ونقل من جهة والتشرد على الطرقات من جهة ثانية» .

وتساءل إسماعيل لماذا تعطي الثانويات في المدن والبلدات الأخرى نتائج ناجحة فيما يلاحق الفشل أبناءنا»، مشيراً إلى «أن ملف الثانوية بكل تفاصيله والملاحظات على الأداء الإداري على طاولة التفتيش التربوي ومديرية التعليم الثانوي لكن لم نلحظ تغيرا في التعاطي تحت حجج واهية « سلطة الأمر الواقع» .

وجدد إسماعيل مطالبته وزارة التربية بالإسراع في تسلم مبنى الثانوية المنجز وتعيين إدارة كفوءة والتشدد في الإشراف والضبط كي تنطلق مرحلة جديدة في مسيرة الثانوية.

الطلاب

تستيقظ الطالبة بنين صالح عند السادسة صباحا من كل يوم كي ترتب أوضاعها للالتحاق برفيقاتها في ثانوية بعلبك الرسمية للبنات مع ما يعني ذلك من صعوبات يومية تواجهها. تتأخر بنين، في بعض الأيام عن «الأوتوبيس» مما يضطرها للاعتماد على من يوصلها إلى الشارع العام وانتظار وسيلة أخرى لتقلها إلى الثانوية الواقعة على الطريق الرئيسية، وتطبل بنين بالهم عند علمها ان مبنى ثانوية بعلبك للبنات سينتقل إلى تلال رأس العين مما يزيد من صعوبات الوصول إلى الثانوية. وتسأل بنين متى يصبح لنا ثانوية ناجحة ننضم إليها؟ ومتى يسلم مبنى الثانوية وتعين إدارة له كي ننتهي من معــــاناتنا؟. وقالت لو كانت ثانوية بريتـــال ناجــــحة لم اضطررنا للذهاب إلى بعلبك.

أما الطالبة حوراء إسماعيل التي تتابع دراستها في ثانوية الصالح - بعلبك فتقول: نحن نحب أن نتعلم، ولدينا القناعة بأن العلم هو طريق الحياة الصحيح، ولكن هناك معاناة وصعوبات كثيرة... وقبل هذا كله، وفي المرحلة الثانوية معاناة لا تنتهي وتشعرنا أحياناً بالإحباط والكسل... فالأقساط المدرسية في الثانويات الخاصة حدث ولا حرج إضافة إلى النقل من بريتال إلى بعلبــك، ناهيك عن بعد المسافة للوصول من وإلى المدرسة.

طالبات من بريتال يعدن إلى بلدتهن بعد يوم دراسي خارجها
طالبات من بريتال يعدن إلى بلدتهن بعد يوم دراسي خارجها


تعليقات: