بمناسبة الأعياد.. رسالة حب الى جنوبية

أعياد مجيدة
أعياد مجيدة


محتار شو ببعتلها عَ العيدْ

بعد ناقص كان هَمّ جديدْ

شو أولكنْ ببعتلها؟؟

بكتبلها وبقول متل الغيرْ:

كل عامْ وعيدْ وِنتِ بخيرْ

ويا رفّةِ النسمي وجنح الطيرْ

بلّغوها الشوقْ والتنهيدْ

عَ العيدْ، شو ببعتلها محتارْ

خصلة حبقْ أو وردتينْ زغارْ

بحنّلّها ..... بتذكَّرا.....

والشوق عمَّ يزيدْ.....

..............................................................

الى تلك التي أُحبها من الأعماق أكثر ممّا تحبني،

الى التي بقيتُ طول عمري وما أزال أزورها لأنعم بأحلى الذكريات وأتذوق طعم الحب ولم تزرني ولو مرّة.... اليكِ يا من بعدتُ عنكِ مكرها" في أوقات الشدة وأنتِ تلومين ولا تصفحينْ. اليكِ أبعث بتحياتي وأشواقي من بعيد، متمنيا" أن يجعلك الله خيرا" من أمثالكِ وسيدة" لهنّ... فأنا منذ تفتحت عيناي على الدنيا عرفت طعم الحب عن طريقكِ وأنا أعلم أنّ الذين يتودّدون اليكِ أكثر من أن يعدّوا. لكن حبي لكِ في نظر قلبي أعظم من حب كل عشاقكِ..... أكثرهم قد يكون بالنسبة اليك أصحاب منفعة.... ربما أحبوكِ لما تعطينهم من مادة، بعدها يأتي حساب الروح في نظرهم. لكني أنا وٳن كنتِ تُعرضين أحيانا" وتصدّينْ، أنا الذي أحبكِ من دونهم حبا" خالصا" حسابُهُ الأول والأخير أنني غرس يديكِ، أشعر منذ الصغر وكأنك خُلقتِ شريكة" لحياتي وضميري ووجداني.... في غذاء الروح أنتِ، في أحاسيسي وأحلامي وذكرياتي. أنتِ لي في طفولتي وشبابي، بل أكثر وأكثر، أنتِ كل شيء في دنياي.

عندما ينسكب علينا ضوء القمر في ليالي السمر، يشدّني خيالي اليكِ فأعيش بقربكِ أتأمل كل عضوٍ في جسمك الرشيق من أعلى قمةٍ فيكِ حيث الشموخ والإباء والكبرياء، الى البلور الناصع في أصابع قدميكِ التي داست أحقر العذال، فتسري النشوة في أوصالي.... نشوةٌ روحية ممزوجة بالعاطفة والحنان، تجعل جمالك في عينيّ لا يضاهى، وأرى من خلال نور القمر وتلألؤ النجوم طمأنينةً طالما أحسستها وأنا صغير في حضن أمي......

يا ساكنةَ القلب والروح، أيتها الحبيبة، ماذا أكتب لكِ، وعمَّ اَُحدثكِ؟ طالما حلمت في عتمة الليل أنكِ حالسةً بقربي تداعبين شعري فأسمع مع خفقات قلبي وسوسة" غامضة" لا أدري سرّها. أحاول أن آخذك بين أحضاني فلا أستطيع. وتظلّين أنتِ كما كنتِ. تنظرين ٳليًّ نظرات حبٍ وٳشفاق. تقولين بلا كلام.... هل تظن أنّ من الضروري أن تحتويني بين ذراعيك؟ تريد منّي أشياء وأشياء، نعم. أنا أعلم ذلك. هذا حلم المحبين. لا بأس. انتَ لا تدري أنني أشاطركَ الحب، وأنني أجري في دمك كما يجري الماء في العود، وأنكَ مني.... وأن عطر أجمل فتاةٍ في الدنيا لن يطغى في قلبك على عطري الفطري: أول عطرٍ شممتهُ وأنت طفل طري العود لم تخضْ بحر التجربة بعد، عصرته لك بيدي من رحيق الزهر حِنّة.....

لله درك يا ليل الحنين كم لي فيك من شجن، أهزّه فأهزّ معه دنيا من ذكرى، وجنة" من حلم، أصعد فيه على سلالم من أماني، ومدارج من تحنان، فأشتاق لو أبقى أسوح فيه وأنتِ معي، عطر اُنثى يتألقْ، وينابيع حنانٍ تتدفقْ، يومها، قلبي تلفّت نحو قلبكْ، وبعينيكِ على عينيًّ أسرارٌ بدتْ، رغم وهنِكْ، رغم صمتِكْ غيرأني فيكِ مرهقْ وبعينيكِ عتابٌ وذبولٌ لا يصدّقْ..... لكن الصباح بكل ما فيه من ضياء وٳشراق كان باستمرار ينزع الليل عن عيني، يسلخ عني أحلامي ويضعني أمام الضوء، والضوء كاشفٌ فضَّاح لا يرحم، فاذا أنتِ أيتها الحبيبة، وقد تناساك المغرمون، بعيدةٌ بعيدةْ. فما أتعس المحب حين لا يجد غير أحلام الليل عزاءً وسلوى.... قد يشعر العاشق أحيانا" بالسعادة وينطلق في أجواء فسيحة يراقص النجوم ويغازل القمر، لكنه لا يلبث أن يتلاشى في العدم.....

ماذا تنتظرين أن تقرأي في رسالتي أيتها السيدة الجنوبية؟ راودتني وتراودني أحلامٌ وأحلامْ، أنتِ فيها حوريّتي الجميلة ومعشوقتي الحلوة التي اُحبها وأدعو لها بأشياء لا تخطر على بالها....

يا رفيقة دربي وعمري: بعدتُ عنكِ بعد أن أصبح لكِ أبناء وأحفاد لا اعرف أسماء الكثير منهم، وبنات لا أعرف من أوصافهنّ ٳلا جمال قدودهنّ وصدورهنّ العاجية التي تعلوها الكثبان وتطلّ منها الأرانب. لكني أعرف ملامح الجميع وهم في طريقهم الى المدارس والوظائف لأن فيهم جميعا" ملامحك يا حبيبتي. تلك الملامح التي كنتُ أراها في وضح النهار ونور الشفق وتحت ضوء القمر على طرقات الكروم والينابيع والبيادر....

دعوتُ الله لكِ بالتوفيق لأنني أعلم أن ذلك يُِدخل الفرحة الى قلبك وأن سعادتك تفيض عليّ ٳن قريبا" أو بعد حين، فأصبح سعيدا" وٳياكِ..... أدعو الله أن يملأ عينيكِ بالنور وجسمكِ بالصحة وقلبكِ بالايمان، فأيام غرامنا الأولى منذ عشرات السنين تتراءى لي وتعيش بين ضلوعي..... في تلك الأيام الخوالي كانت حياتكِ شاقة" وكنتِ تشكين لي في صمت، ٳهمال الكلّ لكِ: الأهل والأقارب والجيران وأكاد أشعر بدفء دموعك وهي تتزحلق حتى على خدي. لكن في ذلك الوقت كنتُ طائرا" بلا ريش ليس لي غير كرامتي وٳبائي ولا أملك ٳلا الأمل والابتهال الى الله وأنا لم أزل تلميذا" قليل التجربة، ومع كل هذا لم أكن مقصرا" من أجل عينيكِ وأنت أعلم بحالي عندما هُجّرت من المدرسة كُرمى لعينيك....

ومرّت الأيام والسنون وأتى زمن الغدر والفسق والخيانة فتخلى عنك الجميع واحدا" في ٳثر واحدْ ممن لم يكابدوا حبا" أو يعانوا صبابة..... وعندما أُهِنْتِ وترنّحتِ بكيتِ وبكيتْ. تركوكِ وحيدة" للنواح، في القلب حسرة وفي العين دمعة، مجردة" من الثياب ولم يكن في اليد حيلة. وطال الزمن ولم أنسَ.... أذكر أنني نَظَمتُ لكِ القصائد باقاتٍ من الزهور والرياحين، قصائد تعبق آهاتٍ وتأوهاتْ، طيّرتها عبر الأثير لتستحم هناك قرب التل وتحمل من ينابيع المرج وشذاه أرق النسمات لتنعش فؤادك المكلوم وتجبر خاطرك المكسور وتعودي كما كنتِ آية" في الجمال، شامخة" أبية" شموخ جبل الشيخ ككل صبية عدا عليها الزمن فلم يستطع أن ينال منها سوى اسودادٍ في العينين، ورقةٍ في كحل الجفون وتلاوين زاهية في ذؤابات شعرك الناعم المبلل بندى خزامى الجنوب.....

ومرّت الأيام والسنون ولم تشيخي، بل كانت الأعوام في خدمة عمرك، تعطيك نورا"وتجدّد شبابك، ولذلك عندما ألقاكِ هذه الأيام وأُذكّرك بالماضي أكاد أرى على وجهك نسيانه لأنك كائن لا يشيخ.... كائن متجدد الشباب. ليتني مثلك. هل تذكرين؟ كلما طلبتِ شيئا" وقدمته ٳكراما" لكِ حبا" وتقديرا" وقربانا" قلتِ لي: ذلك واجب العاشق المحبّ، وأنا مع ذلك لا أتضجر فحبي لكِ مصدر طاقتي. يكفيني بعد هذا العمر الطويل الذي لم يُبقِ لي غير جسمٍ نحيلٍ عشّشتْ فيه الأمراض، يكفيني جدا" أن تكوني الملجأ الأمين لأولادي، لأن ذلك غذاءٌ روحيّ جديد.

يا ذات البشاشةِ والرونقِ والجمالْ..... يا هذه التي أحبّتها أمي وأختي وأخي، وأحببتها انا من أعماق قلبي، ولم يحرمنا الله أن يجتمع كل هذا الحب وهذه العاطفة في حنايا صدركِ الرحب.... يا هذه التي ابيْتُ في احضانها متعبا" فتمنحني راحة البال وهدوء الأعصاب، وأذهب ٳليها غاضبا" فتمنَحَني الرضا.... يا هذه التي شاركتني طعم أول حب، وسمعتْ معي أول خفقة قلب، وأودعتها سرّ شبابي فلم تبحْ به....

أحبكِ لأن حبك واجبٌ وطنيُّ مقدّس،

وهو الصورة الصغرى لحبّ الوطن....

أحبكِ يا عروسة الجنوب،

يا بلدتي الحنونة،

احبكِ يا خيام.

عبد الأمير علي مهنا- الخيام.

ملاحظة: كتبتها بتصرّف بمناسبة أعياد راس السنة في العام 1980 خلال التهجير الفسري خارج الخيام.

تعليقات: