عرقوب \"المقاومة\" في دائرة الضوء .. والاستهداف


كانت قرى العرقوب في الجنوب اللبناني شبه "منسية"، حتى لحظة انطلاق صواريخ الكاتيوشا "المشبوهة" من أراضيها، باتجاه الاراضي المحتلة في فلسطين قبل أيام. 3 صواريخ انطلقت من خراج بلدة الهبارية، وخرقت الإجماع اللبناني الرافض إعطاء أي ذريعة لإسرائيل لشن عدوان جديد يؤذي لبنان، كانت كافية لتعيد المنطقة وقراها الى "دائرة الضوء" مجدداً، إذ لم نقل الى "دائرة الاستهداف"، في ضوء "الغمز واللمز" من إنتماء المنطقة الى الطائفة السنية، وتوجيه أصابع الاتهام الى حركات سلفية سنية ناشطة في المنطقة.

لا يمكن لأحد المزايدة على تاريخ المنطقة المقاوم. تجد في كل قرية حكاية مع الاحتلال، هي جزء من معاناة دخلت صفحاتها في التاريخ. لم تبخل يوماً في التصدي للمحتل الاسرائيلي ومقاومته بزنود رجالها دفاعاً عن الارض والعرض، رغم ما حل بها من ويلات ومصائب ودمار، منذ استخدمت من قبل المنظمات الفلسطينية المسلحة ميداناً لمقاومة الاحتلال، ومنصة لاطلاق الصواريخ لتحرير فلسطين، حين كانت المقر العسكري لـ"فتح لاند"، الجناح العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل العام 1982.

وفي عدوان تموز 2006، كانت المنطقة على موعد جديد مع تاريخها المقاوم، قاومت بكل ما تملك من مقومات الصمود، ونالت حصتها من القصف والدمار، ولم تقصر في تقديم العون والامدادات لمقاومي "حزب الله"، فتمت مساعدتهم في كل قرية وفقا لاحتياجاتهم، وجميعنا يعلم أن "حزب الله" احتكر المقاومة، وصبغها بلون المذهب والفئة، لكن "الكأس المرة" لم تستثن أحداً، وجعلت المقاوم في الميدان، والمناضل الذي منع من الوصول الى الميدان، في "خندق واحد"، وفي مواجهة عدو واحد.

وللتذكير، فمنطقة العرقوب تشكل مجموعة من القرى المتجاورة، وتقع في المنطقة الشرقية من جنوب لبنان، عند سفوح جبل الشيخ الغربية، وبمحاذاة الجولان السوري المحتلّ، وعلى حدود فلسطين المحتلة. وهي تابعة إدارياً لقضاءي حاصبيا ومرجعيون. يبلغ عدد سكانها أكثر من مائة ألف نسمة حسب الدوائر الرسمية. هاجر القسم الأكبر منهم بسبب الاحتلال الصهيوني والاعتداءات المستمرّة، ويُقدّر عدد الباقين منهم بما لا يزيد عن أربعين ألفاً. ولا يزال قسم من هذه المنطقة تحت الاحتلال، وهو مزارع شبعا.

فوجئ أهالي المنطقة، التي تضم خليطاً طائفياً غالبيته من السنة، بـ"نغمة" التشكيك والاتهام لأبنائها، على خلفية إطلاق الصواريخ، وكأنهم، على حد قول أحد المواطنين، "غرباء" ويريدون العبث بأمن منطقتهم، وتعريضها لمخاطر جمة، من عدو اعتادوا همجيته، واعتادوا "مقارعته" حين تكون الساحة ساحتهم، وليس حين تكون جماعات معروفة الهوية والانتماء، مثل "جماعة جبريل"، القابعة في حضن النظام السوري، تجهد في تحريك خلاياها النائمة، لاعادة الجنوب ساحة صراع إقليمي، كرمى لعيون سوريا وإيران.. لا لنصرة الشعب الفلسطيني، الذي كانت قضيته ولا تزال "سلعة" تبيع وتشتري بها بعض الانظمة الاقليمية التي تدعي نصرة الفلسطينيين، والحرص على قضيتهم، فيما هي تتاجر بها لا اكثر ولا أقل، والدليل استطراداً أن الشعب الفلسطيني في غزة يواجه وحيداً حرب إبادة حقيقية، ولم تنجده تهديدات الرئيس الايراني احمدى نجاد، ولا حليفه الرئيس السوري بشار الاسد، الذي يحتضن قادة الميليشات الفلسطينية المسلحة، ويرعى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات في لبنان.

يتابع الاهالي "شلال الدم" في غزة، لكنهم لا يملكون سوى المجاهرة بتضامنهم النابع من القلب والوجدان مع أهلها واطفالها ونسائها، يحيون صمود شعبها، ويستنكرون المجازر الاسرائيلية، ويعملون ما بوسعهم في إطار تأمين الدعم المعنوي والمادي لأخوانهم هناك، إلا أنهم في المقابل لا يرون أن نصرة غزة تكون ببضعة صواريخ قديمة مر عليها الزمن، "ولا حول ولا قوة لها"، إذ انها صواريخ تكاد لا تترك أثراً في المكان الذي تصيبه، سوى انها تعود بالدمار والخراب والضحايا على المكان الذي تنطلق منه، خصوصاً إذا ما قرر العدو الاسرائيلي فتح جبهة مع لبنان، بحجة تكرار إطلاق الصواريخ من جنوبه باتجاه المستوطنات الشمالية.

كانوا يتوقعون استخدام منطقتهم لافتعال توتير أمني على الحدود، يوحي بما يشكل "مادة دسمة" للاستغلال السياسي، والتوظيف الفئوي والمذهبي، من قبل أطراف بدأت مخططها "المفضوح" لاستثمار مأساة غزة في الصراع الداخلي، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية. وما زالوا حتى اللحظة، يبدون الخشية من "ثغرات" أمنية ينفذ منها "المخربون"، ويطلقون الصواريخ مجدداً باتجاه الاراضي المحتلة، لذا يطالبون الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية اتخاذ كافة الاجراءات الكفيلة بعدم تكرار ما حصل، كي لا يبقى امنهم ومصيرهم في يد الآخرين. موقفهم الرافض للحادثة، ولإمكانية تكرارها، لا يعني انهم يرفضون المقاومة، فكما ذكرنا لا يمكن لأحد المزايدة على تاريخ العرقوب المقاوم، فهم أهل للمقاومة والجهاد "حين تقرع طبول المعركة"، لأهداف تحقق المصلحة الوطنية، وتدعم بشكل فعال قضية العرب المركزية في فلسطين.

لا يمكن العبور على التداعيات السلبية لحادثة إطلاق الصواريخ على الحياة اليومية في قرى العرقوب، حيث يخيّم جوّ من الحذر والترقب، خصوصاً وأن الصواريخ انطلقت من أرض تبعد مئات قليلة من الأمتار من مدرسة تضم نحو 160 تلميذاً. اليوم تعود الحياة رويداً رويداً الى المنطقة، في ضوء الرد الاسرائيلي المحدود، الذي يخاف الاهالي أن يتوسع في حال استمر مسلسل الصواريخ المشبوهة.

ولا بد من الاشارة هنا، الى أن العدو الاسرائيلي سارع الى شن حرب نفسية على أهالي المنطقة، عبر اتصالات هاتفية، شملت الكثير من المواطنين، تحذرهم فيها من التعامل مع الفلسطينيين، وخصوصا "القاعدة"، و"القيادة العامة"، وتدعوهم الى "عدم السماح لهؤلاء بإطلاق الصواريخ بين منازلهم"، مذكرة أهالي الجنوب بما حل بهم "من ويلات ومصائب ودمار عام بسبب الوجود الفلسطيني على أراضيهم".

تعليقات: