المسيحيّون في موقفهم من غزّة يخرجون من نمطيّتهم

 الجنرال عون
الجنرال عون


حين يدعو وليد جنبلاط الفلسطينيين المحاصرين إلى أخذ الصواريخ «أنّى أتت» ويتوعد الإسرائيليين بأن يطاول المقاومون مفاعل ديمونة فإنه يعود إلى لغة شبَّ عليها وشاب شعبه على وقعها، وحين يستيقظ اليسار من سباته وينظم بضعة تحركات تأييداً للصمود الغزاوي فإنه يكمل سلوكه السياسي دون جديد، وحين تتذكر الجماعة الإسلاميّة أن فلسطين محتلة وأن الأنظمة العربيّة تخاذلت في الدفاع عن القضية الفلسطينيّة فإنها تستعيد مكانتها في الدفاع عن ثابتة أساسيّة في المقدسات الإسلاميّة.

وفي سياق هذا الانسجام مع الذات يمكن الحكم على مواقف الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وبعض المفتين وقوى عروبيّة كثيرة.

لكن الجديد، الخارج عن المألوف، هو تراكم مواقف مسيحيّة تخرج أكثر فأكثر يوماً بعد يوم من النمطيّة المسيحيّة الناقمة على الفلسطيني بوصفه إنساناً أكثر من نقمتها على الفلسطيني بوصفه فدائياً أو سبباً لحروب اللبنانيين. وتتكامل هجرة المسيحيين لأحقادهم على الفلسطينيين ضمن 3 مستويات أساسيّة:

أولها، رجال الدين المتعاطفون مع أهل غزّة، محمّلين إسرائيل المسؤولية الأولى والأخيرة عن كل ما يحصل. فبغض النظر عن انشغال بطريرك الموارنة نصر الله صفير عن مآسي الغزاويين بالذين صدرت بحقهم أحكام خلال المرحلة السابقة، يُسجّل خلال اليومين الماضيين سؤال بطريرك الروم الأرثوذكس إغناطيوس الرابع كيف يقرأ الإنسان التوراة ويقرأ فيها «لا تقتل» وبعدئذ يجعل الدم يجري من الأطفال والصغار والنساء والكبار في الساحات، وكأن الإنسان لا يساوي شيئاً، وكأنه ليس من خلائق الله. وقول رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر في احتفال عاشورائي «ها نحن اليوم وإياكم أمام محنة حاضرة تمثلت في احتلال قوة غاشمة لأرض فلسطين ولما هو أبعد من فلسطين وقد اكتوى بنارها شعب كامل بشيبه ونسائه وأطفاله العزل والأبرياء». واعداً أبناء غزة الصامدين بالتأييد والمحبة والنصر من ربهم و«لو كره الكارهون».

وتجدر الإشارة هنا إلى أن حركة رجال الدين المسيحيين ــــ الفلسطينيين المجاهرين بنقد إسرائيل وإعلانهم دعم مقاومي غزة، وعدم احتفائهم بعيد الميلاد تضامناً مع إخوتهم في غزة كان له أثر كبير على الرأي العام المسيحي الذي يعتقد أن كهنة كنيسة المهد أكثر صدقاً بكثير من معظم الكهنة،، وخصوصاً أن لا مصلحة لكهنة المهد في استعداء الإسرائيليين.

ثانيها، رجال السياسة حيث يجمع هؤلاء، سواء المعجبون بحماس أو منتقدوها، على إعلان التضامن مع الشعب الفلسطيني بعدما أمر بعضهم بقرع الأجراس فرحاً بمجازر صبرا وشاتيلا، وبعدما فضحت حرب مخيم نهر البارد زيف ادعاء البعض تعاطفه مع مآسي الفلسطينيين. والإنجاز الأساسي هنا يكمن في تحول الفلسطيني الذي «على كل لبناني واجب قتله» من ذلك الملثّم الشرير إلى إنسان يفترض بالحد الأدنى التضامن معه ولو باعتباره، بحسب القوات والكتائب مثلاً، ضحية استغلال حماس دماء الأبرياء لتحقيق انتصارات سياسيّة. وتتراكم المواقف التي تستحق المتابعة من تأكيد بعض نواب تكتل التغيير والإصلاح أنهم سيقضون ليلة رأس السنة في منازلهم تضامناً مع غزّة، مروراً باستعداد اللقاء الوطني المسيحي لخطوات تضامنيّة عمليّة مع غزة، ووصولاً إلى اعتبار رئيس التكتل المسيحي النيابي الأكبر العماد ميشال عون أن «دولة عنصرية كإسرائيل لن تعيش والعنف لن يوصلها إلى شيء والنصر سيكون لمقاومي غزة»، وترداده أن المشهد البطولي في غزة يطمئن، وخصوصاً أن «الانتصار الآني للقوة، لكن انتصار الحق آتٍ». في وقت كانت فيه القوات اللبنانيّة توازن بين اعتبارها ما يجري بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة غير مقبول على الإطلاق من جهة، وأن ما تقوم به حركة حماس لم يؤدِّ إلا إلى كوارث بحق الشعب الفلسطيني من جهة أخرى.

ثالثها، على المستوى الشعبي المسيحي، حيث يفترض أن يُظهَّر خلال الأيام القليلة المقبلة، عبر أشكال مختلفة، الغضب المسيحي ممّا يحصل في غزّة. لكن، وفي انتظار تبلور خطوات كهذه، ثمة الكثير من الخطوات الصغيرة ذات الدلالات التي تستحق الأخذ في الاعتبار: هناك من يتسابق لشراء الكوفيّة الفلسطينيّة والتحافها بعدما كانت مكروهة لدى هؤلاء، وثمة من يركض ليتصور قرب صور عرفات، وهناك كثيرون ينتظرون بشغف إعلان مقاومة غزة عن عملية نوعية هنا وإصابة ناقلة جند هناك. وفي بعض المناطق مثل الكورة، ثمة عائلات برمتها تنزل إلى الشوارع لتتضامن مع أهل غزّة.

باختصار، وتطلعاً إلى المستقبل ربما، ثمة من تخطى ثابتة كره الفلسطينيين، وتصالح مع نفسه بوصفه إنساناً، وبات يتطلع بواقعية مع الظروف الفضلى للحفاظ على استمرار الدور المسيحي الأصيل في لبنان.

تعليقات: