اعترافات امرأة (منقول)


تقول إحدى النساء بعد أربعين عامًا من الزواج:

بعد أن مرّ العمر، وتغيّرت أشياء كثيرة، وتعلمت من الأيام أكثر مما تعلمت من الكلام… اكتشفت أن الرجل في حياتنا ليس دائمًا ذلك الشخص الذي نراه قويًا وقادرًا ولا يحتاج إلى شيء.

اكتشفت أن وراء هذا الهدوء أحيانًا تعبًا لا يُحكى، ووراء الصمت مسؤوليات كثيرة، ووراء كلمة «أنا بخير» أشياء كثيرة لا نعرفها.

اكتشفت أن الرجل الذي يعمل طوال اليوم، وربما يعود إلى بيته متأخرًا، ليس بالضرورة عاشقًا للعمل بقدر ما هو يحاول أن يوفر لأسرته حياة كريمة.

وأن الأب الذي يحرم نفسه أحيانًا من أشياء يحبها، ليشتري لأبنائه ما يحتاجونه، لا يخبرهم دائمًا بما تنازل عنه من أجلهم.

وأن هناك رجالًا يستهلكون شبابهم وصحتهم في العمل، ليس بحثًا عن الرفاهية، وإنما خوفًا من أن يأتي يوم يحتاج فيه أولادهم شيئًا ولا يستطيعون توفيره.

اكتشفت أن الرجل قد يعمل بعملين، ويتحمل ضغط مديره، وقلق المعيشة، ومسؤوليات البيت، واحتياجات الأبناء، ومطالب الوالدين… ثم يعود إلى منزله محاولًا أن يبدو طبيعيًا حتى لا يشعر من يحبهم بحجم ما يحمله.

ومع ذلك…

قد يُلام إذا خرج قليلًا ليستريح!

وقد يُتهم بالإهمال إذا انشغل بعمله!

إن شدّد على أبنائه قيل: قاسٍ ومتوحش، وإن تساهل معهم قيل: ضعيف ومتساهل.

إن اهتم بزوجته قيل: يفعل ذلك لأنه يخاف منها، وإن ناقشها قيل: متسلط!

إن استمع إلى نصيحة أمه قيل: لا شخصية له أمامها، وإن وقف إلى جانب زوجته قيل: نسي أهله!

وكأن المطلوب من الرجل أن يكون قويًا بلا قسوة، حنونًا بلا ضعف، مسؤولًا بلا تعب، حاضرًا دائمًا، متاحًا للجميع، ولا يحق له أن يمر بلحظة انكسار!

لكن الحقيقة التي قد نكتشفها متأخرين…

أن الرجل أيضًا يحتاج إلى كلمة: «شكرًا».

يحتاج إلى زوجة تشعر بتعبه قبل أن تطلب منه المزيد.

ويحتاج إلى أبناء يعرفون أن ما يصل إلى أيديهم بسهولة، ربما وصل بعد سنوات من التعب والتنازل.

ويحتاج إلى بيت يكون فيه إنسانًا، لا مجرد «مصدر دخل» أو «صاحب مسؤوليات».

أما الأب…

فهو قصة أخرى من العطاء.

الأب يتمنى أن يرى أبناءه أفضل منه، وأكثر علمًا ونجاحًا وراحة.

يفرح بنجاحهم وكأنه نجاحه، ويحزن لفشلهم وكأنه فشله.

قد يختلف معهم، وقد يغضب منهم، وقد يعاتبهم، لكنه في النهاية يظل يحملهم في قلبه مهما كبروا.

يتحمل أخطاءهم وهم صغار، ثم يتحمل جفوتهم وهم كبار.

وقد ينام وفي قلبه خوف عليهم، بينما يظنون أنه لا يفكر إلا في نفسه.

يعطيهم من عمره، ومن ماله، ومن صحته، ومن راحته… ثم لا ينتظر منهم سوى أن يكونوا بخير.

والأجمل من ذلك كله…

أن كثيرًا من الآباء لا يتحدثون عن تضحياتهم.

لا يحبون أن يقولوا: «أنا فعلت من أجلكم كذا وكذا».

يعتبرون ما قدموه واجبًا، ويخفون تعبهم خلف ابتسامة، ويمضون في الحياة وكأن شيئًا لم يكن.

لذلك…

لا تنتظروا غياب الأب حتى تعرفوا قيمته، ولا تنتظروا أن يكبر الرجل في العمر حتى تدركوا كم أعطى.

اشكروا الرجل الذي يتعب من أجل بيته.

قدّروا الزوج الذي يحاول رغم ضغوط الحياة.

احترموا الأب الذي أفنى سنوات من عمره ليمنح أبناءه بداية أفضل.

وكونوا رحماء بمن تحبون؛ فكل إنسان يحمل بداخله معارك لا يراها الآخرون.

وفي المقابل، يبقى الإنصاف واجبًا…

فالزوجة أيضًا تتعب، والأم أيضًا تضحي، والمرأة تحمل من المسؤوليات ما لا يُستهان به.

الحياة الزوجية ليست مسابقة لمعرفة من ضحّى أكثر، وإنما شراكة يتكامل فيها العطاء.

فحين يقدّر الرجل تعب زوجته، وتقدّر الزوجة تعب زوجها، ويعرف الأبناء قيمة ما بذله آباؤهم وأمهاتهم…

يصبح البيت أكثر دفئًا، والقلوب أكثر رحمة، والعِشرة أجمل.

وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى مال ولا هدية…

يكفيه أن يسمع ممن يحب:

«أنا شايف تعبك… ومقدّر كل اللي بتعمله عشانا.»

كلمة واحدة قد تُنسي إنسانًا سنوات من التعب.

فلا تبخلوا بالشكر على من أحبكم، ولا تؤجلوا التقدير حتى يصبح ذكرى.

احترموا آباءكم، وقدّروا أزواجكم، واشكروا كل إنسان بذل من عمره شيئًا ليجعل حياتكم أفضل.

فبعض التضحيات لا تُرى بالعين…

لكنها تُكتشف متأخرًا جدًا، عندما يكبر بنا العمر ونفهم معنى أن يعطي الإنسان من نفسه دون أن يشتكي.

بقلم عصام القاضى (منقول)

تعليقات: