د. علي عواضة: رحلة في مطلع الشباب مع حبيب صادق.. من «غدر الغلسِ» إلى جبل الشيخ

نحو مزارع شبعا
نحو مزارع شبعا


سنة ١٩٥٨ كانت عام الثورة على الرئيس كميل شمعون، ومحاولته تعديل الدستور لتجديد ولايته. كما كانت، بالنسبة لي، عام بدء الدراسة الثانوية في الكلية العاملية في بيروت.

كان المرحوم حبيب صادق كثير التردد على الخيام، وعقد اللقاءات مع شباب جيله، للتواصل الأدبي والودادي... وكنا نلاحق جلساتهم بحشرية المتطلع لعالم جديد وطريف.

جاءني في العام المذكور، وكنت لوحدي في غرفتي، وأخبرني أنه مبعوث من اللجنة الشعبية في النبطية للذهاب إلى سوريا وطلب المساعدة (وهذا الحدث تكلم عنه الأستاذ حبيب في كتابه "حوار الأيام").

وبما أن الطريق العام بين مرجعيون والقنيطرة كانت مقطوعة بسبب الأحداث، فكان لا بد من اجتياز جبل الشيخ على الأقدام. وسألني إن كنت أعرف الطريق وأود مرافقته، فأجبت بنعم.

والحقيقة، وإن كنت أعرف سهل الوطى كمعرفة الشاعر حسن خليل عبدالله بسهل المرج، لكن معرفتي لا تتجاوز تين كفرحمام. إلا أنني أعرف، بالمشاهدة، الطريق التي كانت تسلكها الدواب الآتية من حوران والجولان، عريضة وتحدها الحجارة الكبيرة وتبدأ بالقرب من حلتا جنوباً، ويشاهدها يوميا أهل الحي الشرقي في الخيام.

انطلقنا عندما "أرخى الليل سدوله" وقبل بزوغ الفجر بقليل، فاجأنا صوت يصرخ:

مين!

وقفنا وعرفنا عن حالنا وسبب مرورنا، وباننا مبعوثين من حزب البعث (وكان عهد الجمهورية العربية المتحدة).

شو بتعرفوا من حزب البعث؟ صلاح البيطار وميشيل عفلق وأكرم الحوراني. قربوا على مهلكم.

كان العسكر مختبئين في خندق على يمين الطريق، أمام بيت سقفه الترابي بالكاد يعلو عن الطريق، وتبرز من جنباته عيدان الشجر التي تحمله.

---


وقفة تسلية أدبية:

استعملت في الحديث التعبير التالي: "قبل بزوغ الفجر بقليل". والذي يعبر عنه بالعامية : "عند شقة الضو".

وكان بودي استعمال التعبير اللغوي الصحيح "عند غدر الغلس". هذا التعبير ورد في الموشح الاندلسي الأشهر، ومطلعه:

جادك الغيث إذا الغيث هما/

يا زمان الوصل بالاندلسي/

جاء ذلك في المقطع:

صغ لقلبي يا حبيبي حلما/

من سنا الصبح وغدر الغلس/

ردني من وحشة العمر كما/

ردت النسمة عطر النرجس/

بالمناسبة، هذا الموشح يعرف باسم : الموشح الماسي. ليس لإعطائه صفة الماس لجماله، وانما اللازمة فيه تتألف من بيتين, الصدر في كل منهما ينتهي ب "ما" والعجز ينتهي ب "سي".

---


تركنا مزارع شبعا والعسكر السوري الموجود فيها، ومشينا مسافة طويلة، تقريباً مستوية. وعندما بدأنا بالانحدار جنوباً نحو بانياس، كانت الطريق ضيقة، متعرجة وشديدة الانحدار. التقينا بمجموعة من الرجال لا تتجاوز العشرة، يتقدمهم الزعيم على بغلة، والباقون على الأقدام. وفيهم رجل خيامي معروف، أخبرنا أن وجهتهم كفرشوبا.

كانت دهشتي كبيرة من كمية المياه التي تجري في بانياس آتية من طرف جبل الشيخ الجنوبي، اين منها مياه الوزاني.

صعودا لمرتفعات الجولان، استرحنا في مكان من ضيعة مسعده فيه مجموعة من الضباط المصريين و السوريين.

كان الغداء في القنيطرة على رصيف جزار عليه كانون مكتمل الجمرات والدخان.

في دمشق، أتذكر أننا جلسنا على مصطبة مقهى في قاسيون، بصحبة الدكتور حسن عواضة، وكانت آراؤه في بعض الأمور لا تعجبني، واثارت استغرابي وانا في عمر لا يتقبل بعد، اختلاف الرأي في التحالفات.

استراحة وسلام.

الدكتور علي عواضة

الدكتور علي عواضة
الدكتور علي عواضة


الأستاذ حبيب صادق وكتابه حوار الأيام
الأستاذ حبيب صادق وكتابه حوار الأيام


تعليقات: