يونس عودة: طفولةٌ تعشّش في الذاكرة

الأستاذ يونس عودة
الأستاذ يونس عودة


في الخيام، وحتى أواخر ستينيات القرن الماضي، كان هناك مكان يُعرف بـ"حِلْية البيطار"، حيث كانت تُجرى عملية حَذْي الدواب من خيول وبغال وجمال.

كانت الحِلْية تقع عند الطرف الشمالي للمقبرة القديمة، في الموقع الذي أُقيم عليه في السنوات الأخيرة ما عُرف بـ"السنتر".

كنا أطفالًا نستيقظ مع أذان الفجر، أنا وابن خالي الشهيد غسان حسان، الذي ارتقى في معركة تحرير الخيام الأولى في نيسان عام 1977. وكنا، نحن وغسان وعدد من صبية جيلنا، نتراكض بين القبور للوصول إلى الحِلْية، حيث نجمع المسامير القديمة التي كانت تُخلع مع الحذوات. كنا نقطع رؤوسها المدببة، أو نطرقها حتى يصبح لسان المسمار بمحاذاة رأسه، لنستخدمها في "النقيفة" بدلًا من الحصى، في محاولة لاصطياد العصافير.

كانت المسافة من بيت جدي، الحاج علي حسان، إلى الحِلْية قصيرة جدًا، لكنها في إدراكنا الطفولي كانت تبدو رحلة طويلة وشاسعة، مليئة بالمغامرة.

وبعد أن ننتهي من إعداد المسامير، كان كل واحد منا يعلّق نقيفته حول عنقه، كأنها طوق زينة، ثم ننطلق بين الحواكير بحثًا عن عصفور يحط على شجرة تين، أو يستريح فوق زيتونة تجاورها، يوم كانت أشجار التين تملأ المكان بثمرها وظلالها.

وكانت من أجمل أيامنا تلك التي نقضيها في التخييم قرب نبع المسيل، أو عند "التينة الكبيرة" شرق الدرارة، حيث كانت البراءة تمتزج بالطبيعة، ويصير لكل زاوية حكاية، ولكل شجرة ذكرى.

إنها صورٌ لا تزال تعشّش في الذاكرة، وتُقيم في القلب، كلما مرّ طيف الخيام.

يونس عودة

تعليقات: