
لم تكن المرّة الأولى التي يتعرّض فيها مسجد حيّ السراي القديم في النبطيّة المعروف بـ“جامع حيّ السراي“ للاعتداءات الإسرائيليّة التي كان آخرها الغارة الكبيرة التي استهدفت الحيّ خلال الـ19 من أيّار(مايو) الماضي، وأدّت إلى خراب السوق التجاريّة القديمة الممتدّة دكاكينها من الشمال نحو الجنوب مسافة 300 متر على الجانبين، ويقع خلفها من الناحية الغربيّة الجامع، فأصيب بأضرار جسيمة بيد أنّه لم يسقط.
فمنذ خريف العام 1974، وتحديدًا في ليل الـ14- 15 من تشرين الأوّل (أكتوبر) تعرّض حيّ السراي في مدينة النبطيّة لقصف مدفعيّ بعيد المدى من داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة والتي استمرّت طوال الحروب الإسرائيليّة المتتالية على النبطيّة وجنوب لبنان، وأدّى القصف في حينه إلى استشهاد ابن الحيّ الشاب غازي محمّد نجيب إسماعيل (عيسى) شقيق عضو المجلس البلديّ لمدينة النبطيّة صادق اسماعيل الذي استشهد صباح الـ16 من تشرين الأوّل 2024 مع رئيس البلديّة الدكتور أحمد كحيل وعدد من موظّفي البلديّة خلال غارة استهدفت مبناها ودمّرته بالكامل.
في معاندة الدمار
في تلك الليلة أصابت الشظايا جامع الحيّ وسكّانه، وكانت فاتحة نزوحهم اللاحق نحو خارج المدينة، أكثر من مرّة، إذ بعد ذلك نال العدوان تباعًا من الحيّ وجامعه الذي يعود تاريخ بنائه إلى أكثر من 150 عامًا، وكان يترك في بيوت حيّ السراي وأزقته القديمة والمسجد ندوبًا لا تعدّ أو تحصى، لكن إصابات المرّة الأخيرة للحيّ والسوق والمسجد كانت أقساها.
ففي الغارة التي تعرّضت لها سوق الحيّ ومتاجرها ودكاكينها المبنيّة من الحجر الصخريّ ذات الواجهات المتشابهة، وبعض الأبنية والعمارات، إبّان حرب الـ2026 وخلّفت فيها دمارًا هائلًا، نجا ”الجامع الصغير“ كما يحلو لأبناء الحيّ والمصلّين ممّن يقصودنه نعته أو التعريف عنه بأعجوبة، لكنّه لم ينجُ من أضرار جسيمة.
ويشير مختار حيّ البياض حسن نزار جابر ويقع مكتبه قبالة بوّابة الجامع الصغيرة والوحيدة، إلى أنّ ”الأضرار التي لحقت بالجامع الصغير تتلخّص بخشب السقوف والجدران وقرميد الشرفات والسطوح وخزّانات المياه والزجاج كلّه، إضافة إلى البلاط والسياج الحديد والبركة العتيقة الخاصّة بالوضوء عند مدخله، إلى شظايا متفرّقة أصابت القبب العليا الخارجيّة“.
قِبلة وموقع وتاريخ
يقع ”الجامع الصغير“ عند المدخل الشماليّ للحيّ القديم، المدخل الواسع الذي كان وحيدًا للحيّ ويمكن للسيّارات عبوره نحو الساحة فقط، قبل العام 2008، إذ شقّت بعدها البلدية طريقًا متّسعًا في وسطه، اخترق الحيّ من شماله حتّى جنوبه، لكنّ دروب الزواريب والأزقّة الـ 12 التي تتّسع لشخصين أو ثلاثة وتتوزّع في جهاته الأربع بقيت على حالها.
إذن، يعتبر ”الجامع الصغير“ الأقدم في عاصمة المحافظة، الأقرب إلى ساحة النبطيّة ووسطها، إذ لا يبعد منها سوى عشرات قليلة من الأمتار، وكان الأدنى للمتجمّعين في الساحة التي كانت ولم تزل تشكّل نبض المدينة، وتتركّز فيها مجمل المتاجر والمطاعم ودور السينما والمقاهي، وكذلك المدارس الرسمية والخاصّة منذ قبل مئة عام، وتحتشد كلّ نهار إثنين من كلّ أسبوع بآلاف المتسوّقين والتجّار القادمين من مختلف المناطق الجنوبيّة للمشاركة في أقدم أسواقها الشعبيّة وكذلك أسواق لبنان المعروفة بـ“سوق الإثنين“.
هو المسجد الأوّل الذي شيّد في النبطيّة قبل 150 عامًا، وعلى الأرجح قبل ذلك بعقود، ويتردّد أنّه بني في القرن الثاني عشر الهجري، بيد أنّه كان متواضعًا على قدر أحوال سكّان الحيّ وضيوفهم قبل 200 عام ولذلك كنّي بالصغير (مع العلم أنه بات أخيرًا بعد ترميمه وتوسعته يستوعب نحو 200 من المصلّين، أدنى أو أكثر بقليل).
لكن الحاج حيدر بن علي بن الحاج حيدر بن الحاج جابر بن الشيخ حسين آل صفا الذي ولد وعاش في النبطيّة وتوفّي في سنة (1311 هجريّة/ 1894 ميلاديّة) جدّد بناء الجامع الكبير في سنة (1305 هجريّة/1887 ميلاديّة) بالتزامن مع بناء السراي العثمانيّة في الحيّ، بعدما شارف على الخراب وبدأت جدرانه تنهار، فشيّده مع المدرسة ”الحميديّة“ على نفقته، وبذل في سبيل ذلك أموالًا طائلة، وحفر كذلك بئرًا كي يستقي منها الناس في الجهة الغربيّة من البلدة تعرف بـ“بئر الحاج حيدر“.
وفي إنشاء المسجد وتاريخ بنائه نظم المغفور له السيّد محمّد علي إبراهيم أبياتًا نقشت على بلاطة كبيرة رفعت فوق المحراب ولم تزل إلى اليوم، وفيها:
لئن كان قومٌ إلى المـالِ أخلـدوا ولم يرغبوا في أجرٍ ما ليس ينفدُ
فقد قام بالمعروفِ والخيرِ ماجدُ. جديــرٌ بفعلِ المكرمـات مســـددُ
أبو الفضل والاحسان من آل جابرٍ على سالفِ الأزمانِ ما زال يُحمدُ
بنـى مسجدًا له مذ تـمّ أرخـوا. فـــذا حيدرٌ فيه زهــا اليـومَ مسجدُ
107 87 13 95 222 781 1305
(مجلّة العرفان الجزء الثامن/ الصفحة 88 المجلّد 27)
في وصف البناء
ترتفع فوق المسجد مئذنة شماليّة شرقيّة تجاور قبّتين متراصفتين من الجهة الجنوبيّة الغربيّة، مطليّتين باللون الأزرق تمامًا مثل قبّة المئذنة العليا (كانت كلّها مصبوغة في أعوام التسعينيّات من القرن الماضي باللون الأخضر الداكن)، وتشكّل البناء الأساس من جامع الحيّ قبل توسعته وإضافة مساحات للمصلّين والمتعبّدين، من أبناء الحيّ بدرجة أولى، ثمّ من أصحاب المتاجر وقاصدي السوق والوسط التجاريّ.
هو المسجد الأوّل الذي شيّد في النبطيّة قبل 150 عامًا، ويتردّد أنّه بني في القرن الثاني عشر الهجري، بيد أنّه كان متواضعًا لذلك كنّي بالصغير
تحت القبّتين، ثمّة عقود حجريّة متشابكة بإتقان فوق بهوين اثنين، يزيّن كلّ واحد منهما محرابٌ في الجهة القبليّة يدنيان من مستوى الوقوف إبّان الصلاة. تحمل العقود المجتمعة في عقدين كبيرين، القبّتين الدائريتين المبنيّتين من حجارة صخريّة بيضاء طريّة، صغيرة مقطّعة ومستطيلة، من اتّساعهما المطلق من أسفل حتّى النقطة صفر في أعلاهما، ويبدو للعيان نسقهما الهندسيّ الدائريّ المتقن الجميل.
منطلق دينيّ أوّل
أمّ الصلاة في جامع حيّ السراي أئمة المدينة تباعًا، من بينهم المرجع السيّد حسن يوسف مكّي (1844 – 1906) صاحب الحوزة العلميّة (المدرسة الحميديّة أو الدينيّة) والعلّامة الشيخ عبد الحسين إبراهيم صادق (1862 – 1942) وأبناؤه ممّن خلفوه، وعلماء كبار آخرون. لذلك يمكن القول إنّ هذا المسجد على رغم تواضعه، لعب دورًا بارزًا في المناسبات والشعائر الدينيّة التي كانت تقام فيه وحوله، منها مراسم ”عاشوراء“ ولم تزل بعض الطقوس العاشورائيّة تمارس انطلاقًا منه.
وساهم كذلك في احتضان حلقات التثقيف الدينيّ، إذ من خلاله برزت مجموعات شبابيّة متديّنة أولى في النبطيّة، ساهمت منذ مطلع الثمانينيّات في التصدّي للاحتلال الإسرائيليّ والحثّ على مقاومته، بخاصّة بعد اجتياح العام 1982؛ قبل أن يستعيد وقف النبطيّة زمام المبادرة بالسيطرة على أمور المسجد وتفاصيله من الصغيرة حتّى الكبيرة.
من ترميم إلى ترميم
رُمّم جامع حيّ السراي مرّات عدّة على نفقة النادي الحسينيّ في مدينة النبطيّة، كان آخرها بعد عدوان 2024 إذ أصيب بأضرار جرّاء غارات وقعت قريبة منه. وسبق ذلك عمليّة ترميم واسعة سنة 2010 أزالت التلييس (المحارة) عن الجدران الصخريّة والأعمدة والأقواس المقنطرة السبعة التي تقع إلى جهته الشماليّة بموازاة العقود والقبب الجنوبيّة.
في باحته شرفات وبركة قديمة يستخدمها المصلّون في التوضّؤ، تعرّضت للضرر مرّات عديدة جراء القصف الإسرائيليّ وكانت ترمّم دائمًا. وكذلك جرى تفكيكها بإهمال خلال نقلها من مكان إلى مكان مّا كاد أن يفقدها أهمّيّتها التراثيّة، إذ إنّها من عمر المسجد أو أدنى بقليل. وعلى جدار من جدرانها المثمّنة تتوسّط لوحة منحوتة بالصخر تؤرّخ لتراثيّة البركة وتاريخيّتها.
بيّنت أعمال الترميم في العام 2010 لوحة حجريّة عليها نقش بخط عربي متشاكس ضعيف الانسجام على غير قاعدة، فتصعب قراءته. كانت اللوحة مغطاة بتلييس طينيّ، ويعود تاريخها إلى العام الهجري 1304 (بين 1886- و1887) وقد بدا واضحاً في أسفل اللوحة، وقد جرى تحليل قراءتها على النحو الآتي (إن لم تكن ثمّة أخطاء في التقدير):
«إنّما يعمّر مساجد الله من آمن بالله ورسوله
بمحمّد وعليّ سرّ وجود قامت شرائع منعم معبود
صلى الإله عليهما ما استبحت أهل الكمال بوردها أو تجود
من كان يؤمن بهما فليتخذ بيتًا يشابه بنا التوحيد
ولذاك من يعمر المساجد أرّخو يزهى له قصر بذا وخلود
الباني صالح ملي/ 1304/ من بنى مسجدًا بني له بيت في الجنة».
في قائمة الجرد العام
في أب (أغسطس) من العام 1983 اعتبر جامع حيّ السراي في النبطيّة من الآثار التاريخيّة بعد ضمه مع منزل جودت الزين في كفرّرمان إلى قائمة الجرد العام للأبنية الأثريّة. وقد ورد في ”المفكّرة القانونيّة“ على النحو الآتي: ”اعتبار منزل في كفرّرمان ومسجد في النبطيّة آثارًا تاريخيّة.
المادّة 1 -تاريخ بدء العمل: 16/08/1983 مادّة :1 بموجب القرار رقم 27 تاريخ 16/08/1983 أدخل في قائمة الجرد العام للأبنية الأثريّة الأبنية التالية في محافظة الجنوب:
1-: منزل جودت يوسف الزين القائم على العقار رقم 124 من منطقة كفرّرمان العقاريّة
2-: جامع حيّ السراي للطائفة الشيعيّة القائم على العقار رقم 835 من منطقة النبطيّة التحتا العقاريّة.
لقطات لجامع حي السراي في النبطية بتواريخ مختلفة (الصور بعدسة كامل جابر)

جامع حي السراي في النبطية بقي صامدًا رغم الغارات (الصورة كامل جابر)















الخيام | khiyam.com
تعليقات: