
مقام ناصر بن نصير في الخيام
ناصر بن نصير، الذي أقيم له مقام في المنطقة التي قامت عليها لاحقاً مدينة الخيام، بقي اسمه حاضراً في ذاكرة المكان، شاهداً على مرحلة قديمة من تاريخ البلدة.
يقع هذا المقام على مرتفع يشرف على الجهات الأربع، كما يشرف على البركة التي كانت، حتى الأمس القريب، مكاناً لتجمّع المياه، يستعملها سكان الخيام لحاجاتهم الخاصة، ولإرواء الماشية في زمن الحكم العثماني، وبقيت تؤدي هذه المهمة إلى أن زُوّدت الخيام بمياه شبعا.
وكانت تنتشر حول هذا المقام مقبرة قديمة، تشرف على الساحة التحتا والساحة الفوقا.
وهنا أستحضر جيداً ما عاصرته وشاهدته بأمّ العين، في المكان الذي أقيم عليه لاحقاً بناء محمد سعيد العبدالله، ابن الحاج مصطفى. فقد كان هذا المكان يتألف من موقعين: الأول دار قديمة مسقوفة بالقرميد من الجهة الشمالية، تجاور بيت أبو غيدا وبيت الحاج أسعد منها، أما القسم الآخر فكان ساحة من الجهة الجنوبية، فيها بناء مسقوف بالزينكو، وكانت تشرف على الساحة التحتا من جهة الغرب.
بعد وفاة الحاج مصطفى، توزّعت هذه الأرض بين أولاده الثلاثة: علي فايز، الذي بنى داره المشرفة على الساحة، والتي انتقلت بعد وفاته إلى ابنه حسن علي فايز، والدار الأساسية ذات السقف القرميدي بقيت لزوجته وابنها إبراهيم، أما القسم الآخر فكان من نصيب محمد سعيد.
وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي، عاد محمد سعيد وأراد بناء بيت حديث في ذلك المكان، وكان والدي هو الملتزم والمشرف على أعمال البناء.
ومن هنا تبدأ القصة التي تضيء على أهمية هذا المقام.
عند بدء العمل وحفر الأساسات، تبيّن أن التربة كانت مؤلفة من رماد، ما يعني أنها غير صالحة للبناء، كما يدلّ ذلك على أن المكان استُخدم في فترة ما كموقع لرمي النفايات. لذلك اضطر والدي إلى متابعة الحفر حتى بلغ عمق الحفرة ما بين متر ونصف ومترين، إلى أن وصل إلى التربة الصلبة.
وهنا كانت المفاجأة: العثور على هياكل عظمية بشرية، ما يعني أن قاعدة هذه الأرض كانت جزءاً من مقابر قديمة، قد يزيد عمرها على ألف سنة.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار المقبرة التي أقيم فوقها لاحقاً الجامع والحسينية، وامتدادها حتى الساحة التحتا، وإذا استحضرنا العادات القديمة التي كانت تقضي بإقامة المقابر في الأماكن المرتفعة فوق أماكن السكن، تكريماً للموتى، وهي ظاهرة نراها في معظم القرى والبلدات باستثناء الخيام الحالية، فإن ذلك يعزّز الاعتقاد بأن هذا المقام أقيم في قلب مقبرة كبرى.
أما بقاء المقام بهذا الشكل، وبهذه القبة، فيعود على الأرجح إلى العهد العثماني. ففي ذلك الزمن، كانت مقامات الأولياء والحكام والشخصيات المشهورة تتمتع بحرمة خاصة ولا تُمس، وخصوصاً إذا لم تكن تتعارض مع الإيمان والانتماء الديني للدولة العثمانية.
ولما كان هذا المقام يمتّ بصلة إلى أحد القادة التاريخيين المقرّبين من الحكم الأموي، أي موسى بن نصير، فقد كان من الطبيعي أن يُحافظ عليه.
وهناك ما يعزّز هذا الاحتمال تاريخياً. فعندما عاد موسى بن نصير من فتوحاته في المغرب والأندلس، ووصل إلى فلسطين، كان الخليفة الأموي، ويُعتقد أنه عبد الملك بن مروان، على فراش الموت. فطلب منه البعض أن يتأخر وألا يعود إلى الشام حتى يتوفى الخليفة ويتولى ابنه الوليد الحكم، فيكون الاحتفال احتفالين: الأول بتولّي الخلافة، والثاني بالنصر والغنائم.
لكن موسى بن نصير أبى ذلك، وأراد أن يُفرح قلب الخليفة قبل وفاته. ويُقال إن الوليد غضب من موقف موسى، وبعد وفاة الخليفة نفاه وطرده إلى الجليل، أي إلى جبل عامل، كما فعل معاوية من قبل حين نفى أبا ذر الغفاري إلى هذه الأرض.
لذلك، من المحتمل أن يكون ناصر بن نصير أحد أبناء موسى بن نصير أو أحد أحفاده.
ويبقى هذا الرأي احتمالاً قائماً، مبنياً على شواهد ميدانية ووقائع تاريخية تستحق البحث والتدقيق.
فايز أبو عباس
الخيام | khiyam.com
تعليقات: