
قراءة قانونية في بند العمل العدائي أو السلبي
شأني شأن أي مواطن لبناني، تابعت باهتمام نص الاتفاق الذي وقعته الدولة اللبنانية مع إسرائيل، كما تابعت ما أثاره من ردود فعل سياسية وقانونية وشعبية متباينة.
وكان من الطبيعي أن تنصرف غالبية النقاشات إلى البنود المتعلقة بالسلاح، والانسحاب، والترتيبات الأمنية، لأنها تمثل جوهر الخلاف السياسي الدائر في البلاد.
لهذا السبب، لن أتناول في هذا المقال جميع بنود الاتفاق الذي وقعته الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ليس لأن البنود الأخرى أقل أهمية، بل لأن بندًا واحدًا استوقفني أكثر من غيره، وأراه يثير الإشكال القانوني الأعمق، لما قد يترتب عليه من آثار تمس حق الضحايا في العدالة.
البند الثالث عشر من الاتفاق، الذي جاء فيه:
"In line with their shared objective of stable and peaceful relations, Israel and Lebanon commit to taking confidence-building measures that reflect positive intent. These include ending all hostile or negative actions in international political or legal forums, working to locate and return human remains, and securing the release of detainees."
وترجمته:
"انسجامًا مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقات مستقرة وسلمية، يلتزم كل من إسرائيل ولبنان باتخاذ إجراءات لبناء الثقة تعكس حسن النية. وتشمل هذه الإجراءات وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على تحديد أماكن الرفات وإعادتها، والعمل على إطلاق سراح المحتجزين."
منذ اللحظة الأولى، لم أتعامل مع هذا البند باعتباره مجرد صياغة دبلوماسية، بل باعتباره سؤالًا قانونيًا. لذلك تركت السجال السياسي جانبًا، وذهبت أبحث في القانون الدولي نفسه.
لم أجد في القانون الدولي نصًا يمنح الحكومات حق التصرف المطلق بحقوق ضحاياها، لكنني وجدت نصوصًا ومبادئ تلزمها بحماية تلك الحقوق.
فقد كرست الجمعية العامة للأمم المتحدة، في القرار رقم 60/147 الصادر في 16 كانون الأول/ديسمبر 2005، ولا سيما المبادئ 11 و12 و18 إلى 23، حق الضحايا في الوصول إلى العدالة والانتصاف وجبر الضرر.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد. فقد أكدت مبادئ الأمم المتحدة لمكافحة الإفلات من العقاب لعام 2005، ولا سيما المبادئ 1 و4 و19 و24 و31 و32، واجب الدول في التحقيق في الانتهاكات الجسيمة، وملاحقة مرتكبيها، وضمان حق الضحايا في الحقيقة والعدالة والجبر.
ويأتي ذلك منسجمًا مع اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني العرفي، اللذين رسخا مبدأ المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.
لكن العودة إلى القانون الدولي لم تُنهِ أسئلتي، بل أعادتني إلى نص الاتفاق نفسه.
أعدت قراءة البند أكثر من مرة، لا بصفتي مواطنة غاضبة، بل باحثة تحاول أن تقرأ النص على ضوء المبادئ التي كرستها الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف. وهناك أدركت أن جوهر الإشكالية لا يكمن فيما يقوله النص فحسب، بل فيما يتركه مفتوحًا للتفسير.
ولكي أجيب عن هذا السؤال، كان لا بد من قراءة العبارة نفسها.
فالبند لا يتحدث عن عمل عسكري، ولا عن اعتداء مادي، بل يستخدم تعبيرًا عامًا هو: "أي عمل عدائي أو سلبي في المحافل القانونية والسياسية الدولية."
وهنا يبرز السؤال: ماذا يقصد بالعمل العدائي؟ وهل يشمل اللجوء إلى القضاء الدولي، أو المطالبة بلجنة تحقيق، أو السعي إلى مساءلة مرتكبي جرائم الحرب؟
ثم ماذا يقصد بالعمل السلبي؟ ومن يملك سلطة تفسير هذه العبارة؟ وهل تصبح مطالبة لبنان بإدانة انتهاكات جسيمة للقانون الدولي عملاً "سلبيًا" إذا اعتبر الطرف الآخر أنها تضر بمصالحه؟
ولو كان المقصود من هذا البند وقف الحملات السياسية أو الإعلامية المتبادلة، فلماذا لم يُنص عليه بهذه الصراحة؟ ولماذا لم يتضمن استثناءً صريحًا يؤكد أن حق الدولة، وحق الضحايا، في ملاحقة جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لا يدخل ضمن مفهوم "العمل العدائي أو السلبي"؟
أنا لا أقول إن هذا البند يمنع لبنان حتمًا من اللجوء إلى القضاء الدولي أو إلى الهيئات الدولية، لكنني أقول إن غموضه يثير إشكالًا قانونيًا مشروعًا، لأن الاتفاقيات لا تُقرأ بالنوايا، بل بالنصوص، ولأن النصوص تُختبر عندما تختلف المصالح وتتبدل موازين القوى.
إنني لا أناقش هنا حق الدولة في إبرام الاتفاقات، فهذا حق سيادي لا خلاف عليه، وإنما أناقش حدود هذا الحق. فهل تملك الدولة أصلًا أن توافق على التزام قد يُفسَّر بأنه يقيد حقوقًا لم تعد، في تطور القانون الدولي، مجرد شأن يخص الدولة وحدها، بل أصبحت ترتبط أيضًا بحقوق الضحايا أنفسهم؟
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبق:
إذا كانت الدولة اللبنانية لا تقصد أصلًا تقييد حق الضحايا في العدالة، فلماذا لم تطلب إدراج استثناء صريح يؤكد أن هذا الحق يبقى مصونًا، وأن ملاحقة جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لا تدخل بأي حال ضمن مفهوم "العمل العدائي أو السلبي"؟
إن وجود مثل هذا الاستثناء كان سيحسم جانبًا كبيرًا من الجدل القانوني، أما غيابه فهو ما يجعل هذا البند يثير، في تقديري، كل هذه الأسئلة.
بعد هذه القراءة، لا أستطيع أن أتعامل مع هذا البند باعتباره مجرد تفصيل قانوني أو صياغة دبلوماسية عابرة. فالقانون الدولي ينظر إلى العدالة بوصفها حقًا لا تملكه الدولة وحدها، بل حقًا أصيلًا للضحايا، تلتزم الدولة بحمايته وصونه.
ومن هنا، فإن الإشكالية التي يثيرها هذا البند لا تكمن في الجزم بأنه سيحرم اللبنانيين من العدالة، بل في أنه ترك هذا الحق، الذي حرص القانون الدولي على تحصينه، عرضةً لتفسير لم يكن من الصعب تلافيه بنص واضح وصريح.
لذلك، فإن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كان هذا الاتفاق يحقق مكاسب سياسية أو أمنية، بل يمتد إلى مدى قدرته على صون أحد أقدس حقوق المواطنين: حقهم في المطالبة بالعدالة إذا كانوا يومًا ضحايا لجرائم حرب أو لانتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
فالاتفاقات قد تنهي نزاعًا، وقد ترسم ترتيبات جديدة، لكنها لا ينبغي أن تترك حق الضحايا في العدالة رهينة الغموض أو اختلاف التأويل. ولهذا، فإنني أرى أن هذا البند، بصيغته الحالية، يستحق مراجعة قانونية ووطنية جادة، لأن الاتفاقات التي تصون السلام تستحق الاحترام، أما الاتفاقات التي تترك العدالة عرضةً للغموض، فهي تستحق المراجعة.
#مي_حسين_عبدالله
#حقوق_الضحايا
#العدالة_ليست_للتفاوض
#القانون_الدولي
#لبنان
#البند_الأخطر
*****
المراجع القانونية
1. الجمعية العامة للأمم المتحدة
o القرار رقم A/RES/60/147
o Basic Principles and Guidelines on the Right to a Remedy and Reparation for Victims of Gross Violations of International Human Rights Law and Serious Violations of International Humanitarian Law.
o 16 كانون الأول/ديسمبر 2005.
o المبادئ: 11، 12، 18–23.
2. الأمم المتحدة
o Updated Set of Principles for the Protection and Promotion of Human Rights through Action to Combat Impunity.
o الوثيقة رقم E/CN.4/2005/102/Add.1
o 8 شباط/فبراير 2005.
o المبادئ: 1، 4، 19، 24، 31، 32.
3. اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949
o المواد المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة وواجب البحث عن مرتكبيها ومحاكمتهم أو تسليمهم للمحاكمة.
4. اللجنة الدولية للصليب الأحمر
o دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي.
o القاعدة 158: واجب التحقيق في جرائم الحرب وملاحقة مرتكبيها.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: