
كان حدثاً استثنائياً ، في مرحلة استثنائية يمر بها لبنان والمنطقة والعالم ، استيقظ اهل الضاحية الجنوبية لبيروت من الصباح الباكر ، وتوجَّهوا زرافاتٍ ووحدانا ، إلى حيث ستقام ذكرى مصرع الإمام الحسين ع ، في مرقد حفيده وباعث نهضته والوفي لرسالته ومدرسته وشهادته ، سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله ، وفي ذلك رمزية عالية ، وذكرى وعبرة ومتابعة مسيرة عابقة بالصدق والإخلاص والإيثار والإستقامة والتضحية والوعي الرسالي ، واستمع الحاضرون لتلاوة المصرع ، وكيف ضحى الحسين ع والأصحاب والأهل ، دفاعاً عن الحق والعدل وذوداً عن القائد الرسالي الملهم والقدوة ، وتحدث عن وحشية الشمر ابن ذي الجوشن وحرملة وعمر ابن سعد ، واستعرض تفاصيل ذبح الطفل الرضيع وحز رأس الحسين من القفا ، وبَيَّن كيف داست الخيول على صدره الشريف وكيف أُحرقت الخيام وسبيت النساء ، ورفعت رؤوس الشهداء على الرماح ، تشهيراً وسعياً من السلطة الجائرة الحاكمة ، لكسر إرادة وغضب الأمة من الظلم اللاحق بها ، وفيما هذه المشاهد يتوالى ذكرها على لسان القارىء ، شعرت أن الحاضرين يستعرضون في أذهانهم ، صور دمار القصف الصهيوني المجرم والحاقد على منازل ومدارس ومستشفيات المستضعفين في غزة ولبنان وايران ، وكيف يتم ذبح الأطفال ظلماً وعدواناً بالحديد والنار ، ويستعرضون رض اجساد قادة المقاومة بمئات الأطنان من المتفجرات ، والتي خصوا فيها سيد شهداء الأمة لوحده ب 83 طناً من الحقد والإجرام والتوحش ، ومثله السيد القائد الهمام الإمام الخامنئي الذي ألقي على منزله المتواضع كمّاً هائلاً من صواريخ التوماهوك المدمِّرة والحارقة ، هذا المنزل الذي كان مهوى افئدة وقلوب المؤمنين الذين يرون بالإمام الخامنئي ، أروع نموذجٍ حيٍّ لأجداده العظماء ، محمدٍ وعليٍّ والحسن والحسين ، هذا الإمام الذي حمل هم نهضة ايران والعالم الإسلامي وأسَّس لمشروع حماية الإنسانية من شرِّ عاصفة التوحش الغربي المادي ، التي تعمل على اجتثاث كل ما هو خيِّر وأصيل وطيب في فطرة الإنسان ، لأنها أي مدرسة التوحش الغربي ، آمنت بتشييئ الإنسان ، وتحويله الى سلعة تباع وتشترى ، بناءً على رغبة ومصلحة من يملك القوَّة الأكبر والهيمنة الأشد والأكثر توحُّشاً ، وفي مقتل هذين القائدين بهذه الطريقة الدموية الغادرة والمتوحشة ، شبهٌ كبيرٌ ومحاكاةٌ قلَّ نظيرها لمقتل جدِّهما ابو عبد الحسين ع ، وكنّا في سيرنا في المسيرة العاشورائية نرى الرايات تحمل صور القادة الشهداء ، والمجاهدين الشهداء ، بكل فخرٍ واعتزازٍ وتصميم على متابعة معركة محاربة الظالمين والأشرار ، وكأن الرافعين لهذه الصور يقولون لجيش يزيد الذي رفع رؤوس شهداء كربلاء على الرماح ، ويقولون لأميركا واسرائيل وامثالهما في كل عصرٍ في هذا العالم ، إن شهداءنا هؤلاء لا يُضعفوا عزيمتنا وتصميمنا ، وليسوا مصدر احباط وتراجع وانكسار لنا ، بل هم مدعاة عزٍّ وفخار ، ومدعاة الهام وتحفيز لنتابع مسيرتهم المقدّسة ونحقق اهدافهم التي سعوا لتحقيقها ، وان ننتصر لدمهم ومظلوميتهم ، وفيما كنت ارى هذه المشاهد مع الحاضرين ، وارى شعور الوحدة والتراحم الذي يعيشوه في ندبهم على الإمام الحسين ع ، وفي ترديدهم لأقواله التي تحوَّلت الى شعارات خالدة عبر الزمان لهم ، ومعبئة لأرواحهم وإراداتهم وباعثة للوعي فيهم ، وإذ بي أقابل أحد الأخوة الأصدقاء الذي اشعر دوماً باندفاعه وحماسه وروحيته العالية ، سلَّمت عليه وقبَّلت وجهه المشرق ، وسألته عن احواله ، فقال لي "إن كل هؤلاء الحاضرين هنا ، الذين يرددون (لبیک يا حسين) إنما قصدهم (لبيك يا الله) ، لأن الحسين هو تجسيدٌ في أذهانهم وعقولهم لإرادة الله الخيِّرة ، والمحبة للعدل والحق وحماية المظلومين ، ثمَّ أضاف ماذا يعني هؤلاء في قولهم (يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيما) ، غير أنهم على استعداد لأن يقوموا بفعل ما فعله الحسين ع تماماً ، إذا تعرَّضوا لمثل ما تعرَّض له الحسين ع ، من تخييرٍ لهم بين السلة والذلة أو الطلب منهم مبايعة الظالمين المجرمين القتلة ، وهذا ما فعلوه اليوم ويتابعون فعله برضى وتصميمٍ واقتناع ، لذلك هذا الشعب حتماً سينتصر على اعدائه ويحقق للدم الزاكي للحسين ع واهل بيته وصحبه ، الأهداف العظمى والبعيدة المدى ، التي أريق ذلك الدم لأجلها ، ولا أخفيكم أني شعرت بسعادة كبيرة بهذا التحليل الصادق والجميل والشجاع ، من زميلي الحبيب ، وتابعت المسيرة برفقته ، حتى وقفنا نستمع لكلمة الأمين العام لحزب الله ، الذي بدأ كلمته بأننا كنا نقول فيما مضى "يا ليتنا كنا معكم" أما اليوم فإننا نقول "ها نحن معكم ، نعيش تجربتكم ونبذل مهجنا وبيوتنا وأرزاقنا واهل بيتنا وأصحابنا على خطاكم ولنفس الأسباب التي استشهدتم لأجلها ، وها نحن اليوم ننتصر لدمكم ونحطم طواغيط العصر ، ونؤسس للعدل الذي تتوق اليه الإنسانية ، وها نحن نستمر واقفين في دعمنا لقضية فلسطين العادلة والمحقة ، وسنظل نجاهد ونضحِّي لنحرِّر المسجد الأقصى الذي بارك الرحمان حوله" عندها
شعرت بترابط وتناغم عظيم بين السيرة التي رويت في المصرع ، والواقع الموجود في الحضور والكلمة التي ألقاها الأمين العام ، فعدت بعد انتهاء الكلمة الى المنزل وكنت ارى اجواء التراحم وكرم الضيافة في المضائف الموزعة على جوانب الطرقات ، التي كانت منذ زمن قريب مسرحاً لغارات الأعداء المدمرة ، التي فشلت في كسر إرادة هذا الشعب العظيم وأبيِّ الضيم ، رغم كثرة الدمار والخراب ، واحسست أن هذه المضائف ليست سوى محاكاةٍ وانعكاسٍ لمضائف منتشرةٍ في قرى ومدن جبل عامل التي يقدم فيها مجتمع المقاومة عمرانه وأرزاقه وممتلكاته ومزارعه ، كما يقدِّم المجاهدون الصامدون الملحميون ارواحهم ومهجهم وجوارحهم ، دفاعاً عن الحق الذي يريد اغتصابه الأعداء ، متمثلين بالإمام الحسين ع واهل بيته وصحبه ، وعندما اقتربت من منزلي سمعت صوت مسيَّرة التجسس الصهيونية وهي تبحث بيأسٍ وشعور بالفشل والهزيمة والإنكسار ، لعدم وصولها لاهدافها وتأثير ها النفسيِّ على مجتمع المقاومة ، فأدركت أن الشيطان لا زال يسعى جاهداً لهزيمتنا ولم يتعلم بعد بأننا أمةٌ ، اخذت على عاتقها حفظ الحضارة البشرية من أن تقع في أيدي المجرمين المتوحشين القتلة من بني البشر ، وأنها لن تتراجع أو تنكسر ، وأن زمن انتصارها الحاسم على أعدائها بات قريباً ، وأن ثمار دماء الحسين ع واهل بيته وصحبه واتباعه الصادقين باتت قريبة التحقق والنضوج ، يومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ، إن شاء الله ، لأن الأمة الحريصة على حفظ ذاكرتها وحفظ دماء شهدائها وعظمائها وأئمتها ، أمةٌ باقيةٌ ومنتصرةٌ حتماً بإذن الله .
ع.إ.س
باحث عن الحقيقة
26/06/2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: