
صورة تشبيهية
رحم الله السيد حسين علي زيبارة (أبو علي)، كان رجلاً قوي البنية وطيِّب القلب والسريرة ، وكان المرحوم والدي إبراهيم سمور (أبو عاطف)، قد روى لي قصة معبِّرة عنه، من الجيد أن تُروى ليحفظها تاريخ الخيام الجميل والمليء بالعبر والدروس، وهي التالية:
ذات يوم، كان السيد حسين زيبارة (أبو علي) يعمل في حديقة أحد كبار الأثرياء اللبنانيين في منطقة الحازمية، شرقي ضاحية بيروت الجنوبية. وكان صاحب القصر يشيد منزلاً فخماً فوق تلة تشرف على بيروت وضاحيتها الجنوبية والبحر.
وبعد أن اكتمل بناء القصر، وأُنجز الدرج المؤدي إلى المدخل الرئيسي، اشترى صاحب القصر خزنة حديدية ضخمة ليودع فيها جزءاً من ثروته. غير أن المفاجأة كانت عندما وصلت الخزنة إلى مدخل الدرج، إذ تبين أن وزنها الهائل يفوق قدرة أي مجموعة من الرجال على حملها إلى أعلى الدرج وإدخالها إلى الغرفة المخصصة لها. كما أن استخدام رافعة كان مستحيلاً، لأنها كانت ستلحق الضرر بالدرج، فضلاً عن تعذر إدخالها إلى داخل القصر.
اجتمع صاحب القصر مع مستشاريه وعماله يبحثون عن حل لهذه المعضلة، لعل أحدهم يجد مخرجاً لهذه المشكلة. وكان من بين الحاضرين السيد أبو علي زيبارة، الذي لم يشارك في النقاش، بل أخذ يدور حول الخزنة، يتأملها بهدوء ويقدّر وزنها في ذهنه.
وكان أبو علي من الرجال القلائل في الخيام الذين عُرفوا بقوتهم وخبرتهم في رفع الأعتاب الحجرية الضخمة للمنازل القديمة ووضعها في أماكنها عند تشييد البيوت، وهي أحجار كانت تزن أوزاناً هائلة وتشكل خطراً على من يحملها.
وبعد أن استعاد خبراته الطويلة في مثل هذه الأعمال، تقدم من صاحب القصر وقال له بصوت هادئ وواثق:
"أنا أنقلها لك، ولكن أريد من العمال أن يرفعوها ويضعوها على ظهري... ودع الباقي عليّ."
نظر إليه صاحب القصر مذهولاً وقال:
"يا سيد أبو علي، أرجوك... أخشى أن يتأذى ظهرك بهذا العمل، لا سمح الله."
لكن السيد أبو علي طمأنه قائلاً إنه يتحمل كامل المسؤولية، ولا يحمل أحداً تبعات قراره.
وافق صاحب القصر، ووعده أن يمنحه الأجر الذي يطلبه لقاء إنجاز هذه المهمة التي بدت للجميع مستحيلة.
ابتسم أبو علي، وطأطأ رأسه تواضعاً، وقال:
"بدّي سلامتك."
اجتمع أربعة من العمال الأقوياء، وتمكنوا بعد جهد بالغ من رفع الخزنة ووضعها فوق ظهر السيد أبو علي، الذي كان منحنياً استعداداً للحمل.
وما إن استقرت الخزنة على ظهره حتى صاح بصوت جهوري:
"الله حيّ"
ثم استدار نحو الدرج، وبدأ يصعد درجة بعد أخرى، وهو يردد:
"الله.. محمد.. علي"
وكان الحاضرون يتابعونه بذهول. فالمسلمون أخذوا يكبرون، والمسيحيون يرددون:
"باسم الصليب العظيم."
حتى بلغ أعلى الدرج، ووصل إلى غرفة الخزنة، حيث سارع العمال إلى إنزالها عن ظهره بهدوء شديد.
عندها رفع السيد أبو علي رأسه نحو السماء وقال من أعماق قلبه:
"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً حبيبي رسول الله"
ثم تنفس الصعداء.
صفق الحاضرون طويلاً، وسارع كثير منهم إلى معانقته وتقبيله إعجاباً بما أنجزه.
بعد ذلك عاد إلى حديقة القصر، وجلس ليستريح تحت شجرة كبيرة وارفة الظلال، وأخرج غداءه البسيط الذي أعدته له زوجته الصالحة، الشريفة زينب السيد أمين زيبارة، رحمها الله.
كان غداؤه صحن مجدّرة حمراء، وفحل بصل، وحبتي بندورة، وعدة أرغفة من الخبز المرقوق.
وبعد قليل، جاء صاحب القصر يبحث عنه ليطمئن إلى صحته، فوجده جالساً على التراب يأكل بشهية.
جلس إلى جانبه وقال:
"هنيئاً مريئاً لك يا سيد... ما أجمل هذه الصحة التي أنعم الله بها عليك. كم أتمنى أن أجلس مثلك على الأرض وآكل بهذه الشهية، لكن جهازي الهضمي لا يحتمل الخبز ومشتقات القمح، ولذلك حُرمت من كثير من الأطعمة التي أحبها. والطعام بلا خبز يفقدني شهيتي، ويشعرني بالنقص والحسرة. ورغم ما أملك من مال، فإنني لا أستطيع أن أتمتع برزقي كما أشتهي".
تأثر السيد أبو علي بكلامه، ودعا الله أن يمنّ عليه بالشفاء والعافية.
أما أجر المهمة، فقد تركه أبو علي لتقدير صاحب القصر، حياءً منه، فكان الرجل كريماً معه وأعطاه ما يليق بما أنجزه.
وتجدر الإشارة إلى أن منزل السيد أبو علي زيبارة الأول كان يقع في الطرف الجنوبي الغربي من حاكورة الشطور، قبل أن ينتقل إلى العريض الغربي.
ولأنه كان يعمل كثيراً مراقباً لصحارى المزارعين وبساتين الزيتون في بلدة إبل السقي، أطلق عليه أهل الخيام لقب "سيد إبل"، وهو لقب كان يزعجه، فإذا ناداه أحد به أجابه بغضب قائلاً:
"أنا سيد الخيام."
وكان كذلك بالفعل.
كما تجدر الإشارة إلى أن ابنه البكر، السيد علي زيبارة، كان في شبابه رجلاً قوي البنية، عريض المنكبين، ومن رجال الخيام المعروفين بالشجاعة. وهو الذي تمكن من القضاء على الكلب المسعور الذي هاجم المدرسة الرسمية ومنطقة العريض الغربي قادماً من الحارة الشرقية، فأنقذ كثيراً من أبناء البلدة.
وكان السيد علي أيضاً شاعراً مجيداً في نظم الشعر العامي، وله قصائد عديدة تناولت مناسبات خيامية واجتماعية ووطنية.
المهندس عدنان سمور
باحث عن الحقيقة
موضوع ذات صلة: يوم جال كلب مسعور في الخيام.. حادثة من ذاكرة الطفولة
الخيام | khiyam.com
تعليقات: