
هدى صادق: لم تكن عاشوراء استحضاراً للماضي بقدر ما كانت استنهاضاً لقيم الصمود والرفض وعدم التسليم
الحسين أكبر من رواية تُحكى وأعمق من ذكرى تُعاد لأن كربلاء لم تكن حادثةً في الزمن بل صارت معيارا يقاس به الزمن نفسه
فالحسين ليس اسماً في سجل التاريخ بل سؤالٌ مفتوحٌ على امتداد الأزمنة ماذا يفعل الإنسان حين يقف الحق وحيداً
في كربلاء لم يكن الصراع بين جيشين بل بين رؤيتين للإنسان رؤيةٍ ترى الإنسان حرا كريما لا يساوم على مبدئه وأخرى ترى السلطة غايةً ولو على حساب الحقيقة
لهذا بقيت كربلاء حيّة فالأحداث الكبرى عادة تموت بانتهاء ظروفها أما كربلاء فقد تجاوزت ظرفها التاريخي لأنها لامست جوهر الوجود الإنساني الصراع الدائم بين الحق والقوة بين الكرامة والخضوع بين المعنى والمصلحة لقد انتصر الحسين أخلاقيا وإنسانيا في اللحظة التي اختار فيها الشهادة على المبايعة لأن الهزيمة الحقيقية ليست سقوط الجسد بل سقوط المبدأ
ثمة لحظات تؤسس للوعي الجمعي للأمم وكربلاء كانت واحدة من هذه اللحظات لقد أعلنت أن الحقيقة لا تُقاس بعدد الأنصار وأن القلة المؤمنة بقضيتها قد تصبح ضمير التاريخ كله ومن هنا صار الحسين رمزا كونيا لأن الإنسان في كل عصر يجد نفسه بصورة أو بأخرى، واقفاً في عاشورائه الخاصة بين أن يحفظ كرامته أو يساوم عليها
وفي جنوب لبنان لم تُقرأ كربلاء بوصفها مأساة تاريخية فحسب بل بوصفها ثقافة مقاومة فالجنوب الذي عرف الاحتلال والحرمان والاعتداءات المتكررة وجد في الحسين معنى يتجاوز البكاء إلى الفعل ويتجاوز الذكرى إلى الموقف هناك، لم تكن عاشوراء استحضاراً للماضي بقدر ما كانت استنهاضاً لقيم الصمود والرفض وعدم التسليم
رمزياً يشبه الجنوب كربلاء في كونه جغرافيا صغيرة حملت معنىً كبيراً فكما تحولت أرض كربلاء إلى رمز لانتصار المبدأ على السيف تحوّل الجنوب في الوعي الجمعي إلى رمز للتشبث بالأرض والهوية والكرامة وفي الحالتين لم يكن الرهان على موازين القوة المادية وحدها بل على قوة الإيمان بعدالة القضية وعلى الإصرار على أن الحق لا يُقاس بحسابات الربح والخسارة الآنية
إن العلاقة الفكرية بين كربلاء والمقاومة في الوجدان الجنوبي تقوم على فكرة مركزية أن الإنسان لا يُهزم ما دام متمسكا بحقه وأن التضحية ليست عشقاً للموت بل دفاعاً عن معنى الحياة الحرة الكريمة ولهذا بقي الحسين حاضراً في الوعي لا بوصفه ذكرى تُستعاد كل عام بل بوصفه مدرسةً أخلاقيةً تُلهم الأجيال أن الكرامة أثمن من النجاة وأن الدم قد يصنع من التاريخ ما لا تصنعه السيوف
وهكذا فإن كربلاء لم تنتهِ في العاشر من المحرم سنة إحدى وستين للهجرة لأنها لم تكن نهاية رجل، بل ولادة فكرة أن الحق قد يُحاصر وقد يُخذل وقد يُستشهد أصحابه لكنه لا يموت ومنذ ذلك اليوم صار كل مكان يقف فيه المظلوم بوجه الظالم امتداداً رمزياً لكربلاء وصار صوت الحسين نداءً دائماً في ضمير الإنسانية هيهات منا الذلة
بقلمى إبنة الخيام هدى صادق
الخيام | khiyam.com
تعليقات: