عدنان سمور: ذاكرة الأمكنة التي نخاف ضياعها

المهندس عدنان سمور:  نحن مطالبون بأن  نبرهن للعالم أن الشعوب الحية لا تُهزم بمحو حجارة بيوتها أو تدمير شوارعها وساحاتها
المهندس عدنان سمور: نحن مطالبون بأن نبرهن للعالم أن الشعوب الحية لا تُهزم بمحو حجارة بيوتها أو تدمير شوارعها وساحاتها


في حربٍ أراد فيها أعداؤنا تدمير مدننا وقرانا ومحو ذاكرتنا الجماعية في عشرات البلدات المحاذية لفلسطين المحتلة، أحببت أن أضيء على قضية تؤرقنا، وتجعلنا نشعر أحياناً بالتقصير، وأحياناً أخرى بالعجز أمام ما يصيب ذاكرتنا المكانية من تدمير واندثار.

فالأمكنة التي تختزن الجزء الأكبر من ذاكرتنا الجماعية، والتي نفخر بجانب كبير من تاريخها وإرثها، هي الدافع الأساسي لاجتماعنا وتعاوننا وتلاقح أفكارنا وتشاركنا في هذه الحياة. ومع ذلك، ولكي لا نبالغ في جلد الذات، علينا ألا نشعر بالفجيعة المطلقة عندما نرى بعض معالم هذه الذاكرة تُدمَّر أو تُمحى أمام أعيننا، لأن جزءاً كبيراً مما يصيبها يرتبط بالسياق التاريخي الذي نعيشه، وبالظروف التي تمر بها منطقتنا بأسرها.

فقد تعاقبت على قرانا ومدننا في جبل عامل، خلال جيل واحد، حروب واحتلالات متعددة، كان آخرها محاولة العدو الصهيوني تدمير العمران والبنى التحتية والطرقات والأشجار، وكل ما أنتجته حضارة الإنسان عبر قرون من الزمن، في عشرات القرى والمدن العاملية التي أُطلق عليها اسم "قرى ومدن الحافة".

وهذا النوع من الأحداث يكاد يكون نادراً في القرن الحادي والعشرين، وفي عصر يرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان وحماية البيئة والحيوان. فإذا بهذه الحضارة نفسها تتغاضى عن مشاريع الإبادة الجماعية، وعن محو الإرث الحضاري لشعوب تمتلك تاريخاً عريقاً وتجارب إنسانية وثقافية مشرّفة. والعالم، حرّه وغير حرّه، ينظر إلى هذه المأساة بصمتٍ يمزق القلوب ويثير الأسى.

وفي المقابل، نرى بلدات قريبة من قرى الحافة، كمرجعيون مثلاً، ما زالت تحتفظ بجزء كبير من ذاكرتها العمرانية والحضارية. ففيها مبانٍ عمرها مئات السنين، شُيّدت بأساليب معمارية متقنة، ما زالت تقاوم الزمن وتحافظ على رونقها وجمالها وهويتها. ومع ذلك، يلحظ الزائر أنها تعاني من هجرة أبنائها وكفاءاتها، وأنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحيوية الاقتصادية والاجتماعية التي تتناسب مع تاريخها ومكانتها.

وقد عايشنا خلال موجات النزوح المتعاقبة قرى وبلدات في جبيل والبترون والشمال، فوجدناها تحتفظ بذاكرتها المكانية بصورة لافتة؛ مبانٍ تراثية جميلة، وساحات عامة مصانة، وأرصفة مزينة بالأشجار والورود، وحدائق عامة غنية بمرافقها. غير أن أبناء تلك المناطق لا يشعرون، في معظم الأحيان، بما تتعرض له مناطقنا من أخطار واعتداءات، ولا يتحملون المسؤولية ذاتها تجاه ما يصيب العمران والإنسان في قرى الجنوب، باستثناء ما يُظهره بعضهم من تضامن إنساني وموقف أخلاقي مشكور.

وعندما ننظر إلى تلك المدن والبلدات ونرى ما حافظت عليه من إرث عمراني وذاكرة مكانية، يحق لنا أن نسأل: لماذا لا تبدو قرانا ومدننا على الصورة نفسها؟

والجواب، في رأيي، أن منطقتنا تعيش منذ عقود في قلب صراع تاريخي كبير. فنحن ننتمي إلى بيئة تسعى إلى التحرر والنهضة، وتواجه في الوقت نفسه مشاريع الهيمنة والاستعمار والنهب والتطويع. ولو تخلينا عن مواجهة هذه المشاريع، لخسرنا حاضرنا وتاريخنا وذاكرتنا وإنسانيتنا معاً.

إن الدمار الذي يصيب قرانا ومدننا في جبل عامل، ويتكرر أكثر من مرة في الجيل الواحد، هو الثمن الذي يصر أعداؤنا على فرضه علينا، لعلّه يثنينا عن التمسك بحقوقنا وعن متابعة مسيرتنا في التحرر والكرامة.

ومن هنا، فإننا، كجيل يعيش هذه التجربة المصيرية، مطالبون بالتمسك بوحدتنا ووعينا وذاكرتنا الجماعية، على مستوى القرية والمدينة والوطن والمنطقة بأسرها. نحن مطالبون بأن نعبر هذه المرحلة الصعبة معاً، وأن نعيد بناء ما دمّره الأعداء، وأن نبرهن للعالم أن الشعوب الحية لا تُهزم بمحو حجارة بيوتها أو تدمير شوارعها وساحاتها.

علينا أن نثبت أننا شعب متمسك بأرضه وتاريخه وقيمه وإنسانيته، وأننا، رغم عظمة التضحيات، قادرون على إعادة الإعمار بطريقة تحفظ ذاكرتنا وتضيف إليها إنجازات جديدة، تزيدها غنى وجمالاً، وتزيدنا تعلقاً بها وفخراً بانتمائنا إليها.

كما يجب أن ندرك أن أعظم ذاكرة يمكن أن نبنيها للأجيال القادمة هي ذاكرة الصمود في وجه الظلم، وذاكرة التمسك بالحق، وذاكرة الانتصار على محاولات المحو والإلغاء. وبهذا نؤسس لحياة أفضل تعيشها أجيال ستأتي بعدنا، وتتابع المسيرة التي بدأناها، وقد تخلصت من ويلات الحروب ومن شرور من أرادوا محو وجودها وذاكرتها.

ع.إ.س

باحث عن الحقيقة

18/06/2026

تعليقات: