
د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
بين الهدنة المعلنة والتسوية الإقليمية الجديدة
مقدمة
مع دخول مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية حيّز التنفيذ، برز لبنان للمرة الأولى بصورة مباشرة في نص اتفاق إقليمي ينص على وقف الحرب على مختلف الجبهات، ويؤكد وحدة أراضيه وسيادته. ويأتي ذلك بعد أكثر من عامين من المواجهات التي خلّفت خسائر بشرية واسعة وأدت إلى موجات نزوح غير مسبوقة وأضرار كبيرة في المناطق الحدودية.
غير أن أهمية الاتفاق لا تكمن في توقيعه بحد ذاته، بل في ما يمكن أن يترتب عليه من تحولات سياسية وميدانية داخل لبنان. فالسؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق بوقف الحرب فحسب، بل بمدى قدرة التسوية الإقليمية الجديدة على معالجة القضايا التي أفرزها الصراع، وفي مقدمتها الانسحاب، والاستقرار الحدودي، ومستقبل الجنوب اللبناني.
وفي ظل التفاهمات المستجدة والمفاوضات المرتقبة، تتجه الأنظار إلى مرحلة التنفيذ، حيث سيُختبر الاتفاق للمرة الأولى على أرض الواقع، وستتحدد على ضوء نتائجه ملامح المشهد اللبناني في السنوات المقبلة.
لبنان في قلب التسوية الإقليمية الجديدة
على امتداد السنوات الأخيرة، كان لبنان يُنظر إليه باعتباره إحدى ساحات التوتر المرتبطة بالصراعات الإقليمية الأوسع، حيث تداخلت التطورات الحدودية مع التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة. ومع اتساع رقعة الحرب منذ عام 2023، تحوّل الجنوب اللبناني إلى أحد أبرز ميادين الصراع، فيما دفع لبنان ككل أثماناً بشرية واقتصادية واجتماعية باهظة نتيجة استمرار المواجهة وتوسع نطاقها.
غير أن التطور الأبرز الذي حملته الأسابيع الأخيرة لا يتمثل فقط في التوصل إلى هدنة، بل في إدراج لبنان بصورة مباشرة ضمن إطار التفاهمات الإقليمية الجديدة. فالمادة الأولى من مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية لم تكتفِ بالإشارة إلى وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بل نصّت صراحة على شمول لبنان بهذا الالتزام، وعلى ضمان وحدة أراضيه وسيادته، بما يمنح الملف اللبناني موقعاً مختلفاً عن المراحل السابقة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن لبنان كان خلال العقود الماضية غالباً ما يظهر في سياق نتائج التسويات الإقليمية لا في صلب نصوصها. كما أن المواقف الدولية التي رافقت الاتفاق، ولا سيّما الدعوات المتكررة إلى احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، تؤشر إلى وجود تقاطع دولي نادر حول ضرورة الانتقال من إدارة الصراع إلى تثبيت الاستقرار.
ومن هذا المنطلق، لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كان لبنان قد تأثر بالتفاهمات الإقليمية، بل كيف سيستفيد منها، وما إذا كانت هذه التسوية ستتمكن من تحويل لبنان من ساحة مواجهة متكررة إلى دولة تستعيد تدريجياً استقرارها وسيادتها ودورها الطبيعي في محيطها الإقليمي.
من وقف إطلاق النار إلى إنهاء الحرب
لا يعني التوصل إلى هدنة بالضرورة طي صفحة الصراع. فالتاريخ الحديث للمنطقة يبين أن العديد من الحروب توقفت ميدانياً فيما استمرت أسبابها السياسية والاستراتيجية قائمة. ومن هنا تبرز أهمية الاتفاق الحالي، ليس بوصفه آلية لوقف المواجهة فحسب، بل باعتباره محاولة للانتقال إلى مرحلة مختلفة تقوم على إعادة تنظيم العلاقات والتوازنات التي حكمت الصراع خلال السنوات الماضية.
وفي الحالة اللبنانية، يكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن الجنوب عاش لعقود ضمن معادلة تقوم على التوتر المستمر وعدم اليقين. أما اليوم، فإن الحديث لم يعد يقتصر على احتواء الأزمة، بل يتصل بإمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار ومعالجة الملفات التي بقيت عالقة منذ سنوات طويلة.
ومع ذلك، فإن الفرق يبقى كبيراً بين إعلان النوايا وبين النتائج الفعلية. فنجاح الاتفاق لن يقاس بما ورد في نصوصه، بل بقدرته على إنتاج واقع مختلف يخرج الجنوب اللبناني من دائرة الأزمات المتكررة ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً.
الانسحاب الإسرائيلي... الاختبار الأول للاتفاق
إذا كانت المادة الأولى من مذكرة التفاهم قد نصّت على وقف العمليات العسكرية وضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، فإن ترجمة هذه المبادئ إلى وقائع ميدانية تبقى مرتبطة بمسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وتنفيذ الالتزامات الناتجة عن الاتفاق.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن معظم الأزمات التي شهدها الجنوب خلال العقود الماضية ارتبطت بالفجوة بين النصوص السياسية والواقع الميداني. فمنذ اتفاق الهدنة عام 1949 مروراً بالانسحاب الإسرائيلي عام 2000 والقرار 1701 عام 2006، بقيت ملفات الحدود والاحتلال والخروقات في صلب التوترات التي حكمت العلاقة بين الجانبين.
وفي هذا السياق، يشكل الانسحاب المعيار الأكثر وضوحاً لقياس مدى الالتزام بالاتفاق الجديد، فالالتزامات الواردة في الاتفاق لا تكتمل عملياً ما لم تترافق مع إزالة أسباب التوتر المباشرة.
كما أن الانسحاب لا يقتصر على بعده الأمني أو القانوني، بل يرتبط بمجموعة من الملفات الأخرى، منها عودة السكان إلى القرى الحدودية، وإعادة تشغيل المرافق والخدمات، واستئناف النشاط الزراعي والاقتصادي في المناطق التي تعطلت خلال الحرب. لذلك فإن أي تأخير أو تباين في تفسير الالتزامات المرتبطة بالانسحاب سيؤثر مباشرة في قدرة الاتفاق على تحقيق أهدافه المعلنة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد البيانات الصادرة عن الأطراف المختلفة، بل بالخطوات التنفيذية على الأرض. فكل تقدم فعلي في تنفيذ الانسحاب ومعالجة القضايا الحدودية العالقة سيعزز فرص تثبيت الاستقرار، فيما سيؤدي أي تعثر أو مماطلة إلى إبقاء عناصر التوتر قائمة، حتى في ظل وجود اتفاق سياسي شامل.
من التفاهمات الدولية إلى المفاوضات المباشرة
لا تمثل مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية نهاية المسار السياسي، بل تشكل الإطار العام الذي يفترض أن تنبثق منه ترتيبات أكثر تفصيلاً لمعالجة القضايا العالقة. وفي هذا السياق، تكتسب المفاوضات المباشرة المرتقبة أهمية خاصة، لأنها تنقل الملف اللبناني من مرحلة التفاهمات العامة إلى مرحلة البحث في آليات التنفيذ.
ويكشف تزامن الاتفاق الإقليمي مع انطلاق مسار تفاوضي جديد حول لبنان عن وجود مستويين متكاملين من المعالجة السياسية. فالتفاهم الدولي أرسى المبادئ العامة المرتبطة بوقف الحرب واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، بينما تتولى المفاوضات اللاحقة معالجة الملفات التنفيذية التي تتطلب ترتيبات أكثر تفصيلاً، ولا سيّما ما يتعلق بالحدود والانسحاب وآليات تثبيت الاستقرار.
وتختلف هذه المرحلة عن محطات سابقة شهدها لبنان، لأن المفاوضات لا تجري في ظل حرب مفتوحة أو تصعيد متواصل، بل في ظل اتفاق إقليمي أوسع يوفر غطاءً سياسياً لمسار التهدئة. وهذا ما يمنحها فرصة أكبر لمعالجة ملفات بقيت عالقة لسنوات طويلة نتيجة غياب التفاهمات السياسية اللازمة أو تعثر المبادرات الدولية السابقة.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق معالجة أسبابها. فالمفاوضات لا تقتصر على تثبيت وقف الاعتداءات، بل يفترض أن تفتح الباب أمام مقاربة أكثر شمولاً لمسائل الاستقرار الحدودي والسيادة وإعادة بناء الثقة، وهي عناصر أساسية لضمان استدامة أي اتفاق يتم التوصل إليه.
لبنان أمام استحقاقات ما بعد الحرب
يبرز الجنوب اللبناني في صلب هذه المرحلة، باعتباره المنطقة التي تحملت الجزء الأكبر من المواجهات والنزوح والتدمير. فعودة السكان إلى قراهم وبلداتهم، وإعادة تأهيل المساكن والبنى التحتية، واستعادة النشاط الاقتصادي المحلي، ستشكل مؤشرات أساسية على الانتقال الفعلي من مرحلة الحرب إلى مرحلة التعافي.
كما أن الدولة اللبنانية ستكون أمام اختبار لا يقل أهمية، يتمثل في قدرتها على إدارة مرحلة ما بعد الحرب ضمن رؤية متكاملة لا تقتصر على إزالة آثار الدمار، بل تشمل أيضاً تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المناطق المتضررة. فالتجارب السابقة أظهرت أن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي إذا لم تترافق مع سياسات قادرة على تثبيت السكان وتحريك الاقتصاد المحلي وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة..
.وفي الوقت نفسه، تطرح المرحلة المقبلة تحديات طويلة الأمد تتجاوز الجوانب المادية المباشرة، ولا سيما ما يتعلق بالتحولات السكانية والهجرة الداخلية والخارجية، وبإعادة بناء الثقة بمستقبل المناطق الحدودية بعد سنوات من عدم الاستقرار. وهي قضايا ستؤثر بصورة مباشرة في شكل الجنوب اللبناني خلال السنوات المقبلة.
خاتمة
يمثل الاتفاق الجديد تحولاً مهماً في مسار الصراع الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لكنه لا يشكل بحد ذاته نهاية لجميع القضايا التي أفرزتها الحرب. فالتجربة التاريخية تظهر أن الاتفاقات تكتسب قيمتها من قدرتها على الصمود في مرحلة التنفيذ، لا من النصوص التي تتضمنها.
واليوم، تتجه الأنظار إلى المرحلة التي تلي التوقيع، وإلى قدرة الأطراف المعنية على ترجمة الالتزامات المعلنة إلى خطوات ملموسة على الأرض، ولا سيما في ما يتعلق بالانسحاب والاستقرار الحدودي واحترام السيادة اللبنانية. ويكتسب الاتفاق أهمية إضافية، مع النص في بنده الرابع عشر والأخير، على اعتماده بموجب قرار ملزم عن مجلس الأمن الدولي ، ما يمنحه بعداً قانونياً ودولياً يتجاوز اطار التفاهم السياسي المباشر.
وعند هذه النقطة فقط يمكن الحكم على ما إذا كان الاتفاق قد فتح فعلاً صفحة جديدة في تاريخ الجنوب اللبناني، أم أنه سيبقى محطة أخرى في مسار طويل من الصراعات والتسويات غير المكتملة.
وعليه، فإن التحدي لم يعد يتمثل في وقف الحرب، بل في ترجمة التسوية الإقليمية إلى وقائع سياسية وميدانية داخل لبنان.
د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: