
الدكتور علي عواضة: كانت بساتين التين تغطي مساحات واسعة من المرج وتمتد على منحدرات القليعة وصولاً إلى عقارات الجديدة ودبين
كان لصيف الخيام خصوصية لا تشبهها خصوصية في أي بلدة أخرى، خصوصية ذات وجهين: اقتصادي واجتماعي.
ففي أوائل الصيف، تكون شجرة التين قد أظهرت معظم "عجرها"، أي ما يبشّر بحجم المحصول الذي ستعطيه من الثمر. وكانت بساتين التين تغطي مساحات واسعة من المرج، وفوق الطريق حيث لا إمكانية لسقيها، وتمتد على منحدرات القليعة وصولاً إلى عقارات الجديدة ودبين، كما كانت تكسو ما كان يُعرف بـ"التل"، المتوج بـ"القرص" قرب الحمام، إضافة إلى سهل كفرحمام قرب راشيا الفخار.
وكانت عشرات العائلات تقوم بـ"ضمان" صف أو أكثر من أشجار التين في أحد البساتين. ومع بداية موسم "الديفور" (وهو الثمر الذي يسبق نضج التين الحقيقي، ولا يُستساغ أكله كثيراً)، كانت كل عائلة تنصب خيمة من جذوع الأشجار وأغصانها، تتراوح مساحتها حول سبعة أمتار أو أكثر بقليل. وكانت أرض الخيمة تُطلى بالطين الأبيض، ويُخصص عند مدخلها مكان من الطين للجرة والإبريق وحوض الحبق.
وكانت هذه الخيمة تتحول إلى مسكن للأم وابنتها أو ابنها، وأحياناً لكليهما معاً، طوال أشهر الصيف.
وأمام الخيمة تُقام "حاكورة" صغيرة تضم مسطاحاً من الطين الأبيض وآخر من "الفاقوع"، المصنوع من الأغصان الدقيقة المتشابكة، لنشر التين تحت أشعة الشمس بعد قطافه ونضجه. وكان المكان بأكمله يُسيّج بالأغصان والأعشاب حمايةً له من الحيوانات والسرقة.
أما الثمر الجيد فكان يُشق ويُجفف على الفاقوع، ويُعرف باسم "الشريحة". وأما الثمر الأقل جودة فكان يُنثر على المسطاح الآخر، وبعد تجفيفه يُفرز ما صغر حجمه كثيراً أو ما نالت منه العصافير، فيُخصص للاستهلاك المنزلي شتاءً ويُعرف بـ"تين النقّارة". أما الباقي فيُعجن ويُكبس على شكل رقائق ويُوضب للبيع، شأنه شأن "الشريحة" التي كانت تُعدّ من أجود الأنواع.
وعندما يقترب الموسم من نهايته، كان يحضر تاجر من النبطية يُدعى، على ما أذكر، "اللبعاوي"، ويبدأ جولته على أصحاب المحصول بعد الاتفاق على سعر الكيلوغرام. وكان يرافقه ميزان مؤلف من عصا يحملها رجلان على كتفيهما، وتتدلى منها خطافة يُعلّق عليها ما يراد وزنه.
وكان التين يُعبأ في "فرد" مصنوع من سعف النخل، شبيه بتلك السلال التي كانت تصل فيها تمور العجوة من العراق، والتي كانت شائعة الاستعمال لرخص ثمنها. وكانت البائعة، كلما وضعت طبقة من التين داخل "الفرد"، تصعد فوقها بعد غسل قدميها ورشّ القليل من الماء عليهما، لتضغط التين وتتمكن من تعبئة أكبر كمية ممكنة، لأن وزن الوعاء الفارغ كان يُحتسب ضمن الوزن الإجمالي.
أما الحياة اليومية لـ"المتينين"، فكانت مزيجاً من العمل والمتعة. بين إعداد الطعام، وقطاف التين عند نضوجه، وتجفيفه وتحضيره للبيع، كانت هناك حياة اجتماعية نابضة لا تقل أهمية عن الجانب الاقتصادي.
وعند ساعات العصر، عندما تخف حرارة الشمس، كانت الصبايا يتوجهن إلى نبع الدردارة حاملات الجرار على أكتافهن لملئها بالماء، وهنّ يعرفن جيداً أن الشباب يراقبون المشهد من بعيد.
وكانت تلك فرصة للنظرات السريعة، وللتعارف أحياناً، وربما لما هو أكثر من ذلك. وقد انتهت بعض تلك اللقاءات بالزواج فعلاً.
وكان العائد المادي لموسم التين مهماً جداً في حياة كثير من العائلات. فثمن المحصول المباع كان يسمح بشراء مؤونة الشتاء من الحمص والفول والزيت، وطحن القمح وتحضير السميد وسائر المستلزمات التي كانت تشكل أساس الغذاء لدى معظم الناس آنذاك.
أما أنا شخصياً، فكان لي دور لا بأس به في هذه الحياة الموسمية. فقد كنت أرافق والدتي منذ لحظة الذهاب إلى "الضمان"، وأتولى مهمة التنقل اليومية بين الخيمة والبيت لإيصال الطعام والحاجيات المختلفة.
ويكفي أن أتذكر اليوم المسافات التي قطعتها وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري. فقد ضمّنت والدتي التين مرتين في كفرحمام، ومرتين في كروم القليعة، ومرة في التل، لكن معظم المواسم كانت قرب الدردارة.
وهناك، قرب مياه الدردارة وظلال التين، كانت تُقام سهرات الغناء. يُعلَّق "اللوكس" على جذع إحدى التينات، فيهتدي إلى نوره الشباب والصبايا، وتتجمع السهرات على أنغام الدربكة والأغاني الشعبية.
وهكذا لم يكن موسم التين مجرد عمل زراعي أو مصدر رزق، بل كان موسماً للحياة بكل ما فيها من تعب وفرح، ومن لقاءات وذكريات، ما زالت حاضرة في وجدان أبناء الخيام حتى اليوم.
الدكتور علي عواضة
المصدر: مجموعة "ديوانية منتدى الخيام" على الواتساب

الدكتور علي عواضة في مطلع الشباب
الخيام | khiyam.com
تعليقات: