يوسف غزاوي: الفنّان موسى طيبا: علامة فارقة (1939- 2014)

الفنّان موسى طيبا: (1939- 2014)
الفنّان موسى طيبا: (1939- 2014)


نقرأ كتابات عن فنّانين لبنانيّين ما زالوا أحياء، وآخرين رحلوا عنّا، وقد يكون لهذه الكتابات مقصدها البعيد من الفنّ والثقافة، والقريب من الانتماءات العقائديّة والسياسيّة والجغرافيّة.. التي تطغى على عقليّة هذا الوطن المفعم بالانقسام وقتل الآخر الذي لا يشبه البعض فكرًا ورؤية ونمطًا.. فنّانون، قبل رحيلهم، أعطوا من قلبهم وروحهم وضوء عيونهم وتعبهم وهمّهم، ليغنى الوطن، ويكبر، ويكون مكانًا للسلام، والحرّية، والجمال، والبقاء، ومثالًا للتاريخ والحبّ، كما هي الحال مع الفنّان النموذج موسى طيبا.

يُحار المرء من أين يبدأ بالحديث عن هذا الفنّان الهادئ والرصين والصريح، فنّان الفضاء، والإنسان.. فنّان تشكيليّ، رسّام ونحّات، وُلد في لبنان عام 1939 (في قرية “تربيخا” المحتلّة) أثناء اندلاع الحرب العالميّة الثانية، وكأنّ هذه الولادة هي هديّة ربّانية فنّيّة واعدة ردًّا على الحرب. عاش طفولته في القرية الجنوبيّة بين المروج والروابي الخضراء التي ستظهر ألوانها في أعماله فيما بعد.

أمضى شبابه في بلدة “قانا”، وهذه مُرسلة ربّانية أخرى على وجوده في هذه البلدة المقدّسة، التي حصلت فيها معجزة سيّدنا المسيح. تكلّم الفنّان طيبا كثيرًا عن انعكاس طفولته، وأمكنتها في أعماله، ولا سيّما تأمّله للفضاء والكون والنجوم المضيئة التي ستسكن أعماله المستقبليّة أشكالًا تتراوح بين الواقعيّة والتجريد؛ طيور سابحة وخيول جامحة وأناس سائحة..

دراسته وتجواله:

انتسب إلى الأكاديميّة اللبنانيّة للفنون الجميلة في بيروت، وتعرّف إلى تقنيّات الرسم المختلفة والتيّارات والمدارس الفنّيّة العالميّة. اهتمّ بتقنيّة الموزاييك، أو الفسيفساء، على أرصفة الطرقات التي ستنعكس في أعماله الأولى كلوحة “الرصيف اللامنتهي” التي أكلتها الحرب فيما بعد، والتي قد يكون قصد بها التنوّع الموزاييكيّ في هذا الوطن.

سافر بعد تخرّجه من الأكاديميّة إلى فيينا عام 1963 التي أفادته كثيرًا من خلال اطلاعه على روائع الفنّ فيها. ثمّ إقامة في أوروبا، ولا سيّما في إيطاليا التي درس الفنّ في أكاديميّتها للفنون الجميلة على مدى ثلاث سنوات. زار لندن وإسبانيا التي ستترك أثرًا في أعماله من خلال رؤيته لمصارعة الثيران، فكانت لوحته “الكوريدا” التي تمثّل هذا الصراع بين الإنسان والحيوان، بين القويّ والضعيف تحت أعين الحشود المشاهدة والمهلّلة لتلك العمليّة التي تكشف الغريزة الحيوانيّة لهؤلاء.

وصل أيضًا في تجواله إلى الساحل الأفريقيّ، وبالأخصّ طنجة ومراكش التي نفّذ فيها أعمال أكواريل مستوحاة من طبيعة المنطقة، والصحراء الجزائريّة وتونس قبل عودته إلى نابولي الإيطاليّة.

بعد دراسته وإقامته في الخارج، عاد إلى وطنه ليمارس فنّه في ربوعه، وبين ناسه المحتاجين لهذا النوع من الإنتاج الروحيّ، والفكريّ، والجماليّ. لكنّ الحرب الأهليّة المؤلمة، والقاسية، التي لم ترحم الذاكرة الفنّيّة، كانت نتيجتها خسارته لأعمال كثيرة، وفقدان مسكنه، ومحترفه الفنّيّ. وللتذكير أنّ عددًا من الفنّانين اللبنانيّين دفعوا ضريبة تلك الحرب بخسارتهم الفنّيّة، كأن نذكر: بول غيراغوسيان، مارون طنب، عبد الحميد بعلبكي، زعل سلّوم، عارف الريّس، سعيد أ. عقل..

عمل في الجامعة اللبنانيّة كأستاذ محاضر،على مدى ثلاث عشرة سنة، قبل أن يعود إلى أوروبا هربًا من بيروت، وحربها باحثًا عن أفق جديد. عرض في روما وميونخ وبلفورت أعمالًا كبيرة الحجم، أبرزها جداريّة “المجرّة” بطول تسعة أمتار. ليستقرّ أخيرًا (ترافقه عقيلته السيّدة أسماء قبّاني) في مدينة “شارتر” الفرنسيّة، مدينة “الزجاج المعشّق” (الفيتراي) الذي سيتخصص به، إضافة إلى التخصّصات الأخرى السابقة. في شارتر الفرنسيّة وضعت البلديّة تحت تصرّفه محترفًا ليتابع فيه أبحاثه وأعماله الفنّيّة. مارس الفنّان طيبا هذه التقنيّة والمادّة، التي تُسمّى الرسم بالضوء، كإضافة تقنيّة وتشكيليّة لاختصاصاته الأخرى، ويكاد يٌعتبر الوحيد بين الفنّانين التشكيليّين اللبنانيّين ممّن عملوا في هذا المجال، إذا استثنينا الفنّان الزغرتاوي “صليبا الدويهيّ”، صاحب زجاجيّات عنّايا، التي تكلّمنا عنها في أثناء تناولنا لتجربته هذا المرموقة، وهناك أيضًا صاحب هذه الكلمات، الذي كان له باع طويل بالعمل بهذا الاختصاص في كنائس وكاتدرائيّات ومؤسّسات فرنسيّة على مدى سنوات أربع، في نهاية الثمانينيّات وبداية التسعينيّات.

الأعمال والمُتحف:

في أعمال طيبا السابقة كانت الغلبة فيها لتقنيّة الأكواريل بأسلوب تكعيبيّ وسورياليّ وتجريديّ أخّاذ ولافت، انتقل فيما بعد، ولا سيما في أثناء وجوده في أوروبّا، إلى تقنيّة التلوين الزيتيّ حيث الأعمال والجداريّات التي يطغى عليها الحجم الكبير، وهنا يلعب المكان دوره في حجم العمل الفنّيّ لأسباب كثيرة يأتي على رأسها الأمن والسلام والطمأنينة..

أنشأ طيبا مُتحفًا في بلدة قانا عام 2002، احتوى على مئتين وخمسين عملًا فنّيًّا موزّعة بين المنحوتات والمجسّمات والأكواريل، يُضاف إلى بعض أعمال الزجاج المعشّق، إضافة إلى أعمال لفنّانين عالميّين أصدقاء له من لبنان وفرنسا وإيطاليا واليابان وهونغ كونغ.. أعمال لبابلو بيكاسو، وسلفادور دالي، وبرنار بوفيه، وغيرهم.. توزّعت الأعمال في المُتحف على طوابق ثلاثة، وعدّة قاعات حملت كلّ واحدة منها عنوانُا معيّنًا: الوالد، السفير (وهي الأكبر، مخصّصة للمحاضرات والندوات واللقاءات..)، تربيخا، القبّاني، جبران خليل جبران (طغى عليها اللون الأزرق). تنوّعت الأعمال بين الأكواريل والزيتيّة والمنحوتات والفيتراي (الزجاج المعشّق). بعد وفاة الفنّان، توفي مُتحفه بعد الإهمال الذي لحق به بسبب غياب الرعاية الرسميّة والبلديّة له، كما العادة في هذا الوطن!!

طيبا محاضرًا في معهد الفنون الجميلة:

إلتقيتُ بالفنان طيبا للمرّة الأولى في السبعينيّات في بلدة جباع الجنوبيّة (كنتُ حينها طالبًا في دار المعلّمين والمعلّمات) حين أقام معرضاً لرسوماته غلب عليها الملصق والتشخيص. بهرتني أعماله إلى حدّ الهوس، ممّا شكّل مفصلاً مهمّاً في حياتي، وجعلني أفكّر للمرّة الأولى بالانتساب إلى “معهد الفنون الجميلة” (قبل تعديل التسمية مؤخّرًا إلى “كلّيّة الفنون الجميلة والعمارة”) بعد معرفتي أنّه أحد كوادرها التعليميّ. نجحتُ فيما بعد بالانتساب إلى المعهد، وأصبحتُ طالباً عنده، أفادنا كثيراً في المواد التي كان يُدرّسها كمادة “الحفر الفنّيّ” ومادة “التقنيات” و”الخط العربي”… أثناء امتحان الدخول للمعهد كان طيبا أحد الأساتذة المولجين بالمراقبة فيه. وخلال تجواله في القاعة بين الطلّاب الممتحنين والمنهمكين برسم النموذج الموضوع أمامنا، الذي هو عبارة عن تمثال “فينوس” المصنوع من الجصّ الأبيض، أذكر جيّدًا كيف أنّ رسمي لفت نظره، فوقف بالقرب منّي مُبديًا إعجابه به وبطريقة الرسم. شجّعني هذا الموقف منه، وأثلج صدري، فأحببتُ هذا الفنّان الذي يُقدّر المواهب، ويُعطيها حقّها من خلال هذه الالتفاتة البسيطة والمعبّرة. وأثناء تعليمه لنا فيما بعد تأكّد لي هذا الشيء حيث كان عطاؤه متوّجًا بالإخلاص لرسالته التعليميّة التي ندر وجودها في أساتذة آخرين، محاولاً إغناءنا بالمعلومات الفنّيّة قدر المستطاع في مجال دراستنا. لم يكتف بالنشاطات الصفيّة المُغلقة، بل حدا به الأمر إلى اصطحابنا إلى محترفات بعض الفنانين التشكيليّين المرموقين، كأن أذكر على سبيل المثال الفنان الفلسطينيّ، المقيم في بيروت، مصطفى الحلاج، الذي كانت زيارتنا لمحترفه لها نكهتها الخاصّة عبر شرحه لنا تقنيّته، ورؤيتنا لأعماله الممتدة على طول جدران المحترف كسلسلة متواصلة من أعمال الحفر بالأبيض والأسود التي امتاز بها. والفنّان اللبنانيّ “أسادور” قبل انتقاله إلى الخارج، إضافة إلى زيارة المراكز الثقافيّة الأجنبيّة منها، كالمركز الثقافيّ الإيطاليّ والمركز الثقافيّ الألمانيّ “غوته”، وغيرهما.. لنشاهد أفلامًا تتمحور حول الفنون التشكيليّة، ممّا جعلنا نتعلق بالمادّة، ونثمّن عالياً إخلاصه.. أكاد أقول إنه كان الأستاذ الوحيد الذي امتلك تلك المنهجيّة التعليميّة الإيجابيّة مع طلّابه الشغوفين للاستزادة، في بلد يخلو من المعارض والمراجع والمكتبات الفنّيّة، والبرامج التعليميّة، عبر وسائل الإعلام المرئيّة والمكتوبة المختصّة..

بعد تخرّجي من المعهد عام 1983 عاملني “طيبا” كزميل له، محاولاً الحصول لي على منحة للدراسة في الخارج. التقينا فيما بعد في باريس، حين ترك التعليم في لبنان مقرّراً الانتقال إلى فرنسا للإقامة فيها، والتفرّغ للفنّ في مدينة الضوء “شارتر”، حيث ترقد روائع الزجاج المعشّق بألوانها وإشراقاتها وروحيّتها التي يرتاح إليها طيبا.

كان فناناً متواضعاً، وفي الوقت عينه مقيماً في الفضاء لا يطاله أحد، أو يقترب منه! صديقاً محبّاً إذا ارتاح إليك. شخصيّة إشكاليّة إلى حدّ كبير تثير الأسئلة، وقد تجعل الآخرين ينفرون منه نتيجة صراحته وردّة فعله العفويّة الصادقة. كان فناناً مزاجيًّا بكل ما للكلمة من معنى، يصعب فهمه بسهولة. فنّان شفّاف مخلص لقضيّته الفنّيّة إلى حدود جنون “دريدا”. ومن منّا، كفنانين، لم تمسه لوثة الجنون الواجبة في العمل الفنيّ؟ الفنّان طيبا، كان مميّزًا بعطائه في معهد الفنون الجميلة في بيروت.

معرضه في قصر الأونيسكو:

أقام طيبا معرضًا شاملًا لأعماله في هذا القصر، في السادس من شهر تشرين الأوّل 2012، ضمّ أعمالًا من بداية الثمانينيّات، أي ما يُقارب الثلاثين عامًا كامتداد زمنيّ. نرى في معرضه غلبة وهيمنة الفضاء على الأعمال، ولا سيّما أسلوب التعبيريّة التجريديّة التي امتاز بها الفنّان الأميركيّ “جاكسون بوللوك” وجماعته الذين غلبت على أعمالهم فكرة الفضاء والامتداد الكونيّ. مزج في هذه الأعمال بين تجريديّة بوللوك وبعض الأشكال الهندسيّة المستوحاة من كاندنسكي، وبعض أشكال روبيرتو ماتا، والروسيّ ماليفيتش، وغيرهم.. كسر طيبا في أعماله الكادر الذي يُحيط باللوحة ويؤطّرها، بل ألغاه لتتحرّر اللوحة من سجن المربّع والمستطيل، وتاركًا للكولاج أن يلعب لعبته اللامتناهية كعنصر متفلّت من الحدود والهندسة المركّبة. كانت لي فرصة حضور المعرض والحديث مع الفنّان عن الفنّ والحياة والوطن والجمال، مع الإشارة هنا إلى أننّا التقينا كثيرًا معه في باريس أثناء دراستي هناك، وفي بيروت أثناء زياراته لها قبل وفاته. عُرِض في المعرض شريط فيديو يُسجّل، ويؤرشف حياة طيبا الفنّان، والإنسان، والمواطن، في مدينة شارتر داخل منزله، ومحترفه، وخارج المحترف أثناء تسوّقه لأشيائه، ترافقه العربة الصغيرة (كادي) التي يضع بها حوائجه أثناء التسوّق ليصار إلى جرّها كما يفعل الفرنسيّون، الخ..

لم يُرزق موسى طيبا بأولاد وعائلة كبيرة، بل كانت أعماله ومُتحفه هي عائلته ووطنه، والفضل يعود بطبيعة الأمر إلى مساندة عقيلته له في مساره ومسيرته..

خلاصة القول:

ما أنتجه موسى طيبا في حياته من أعمال فنيّة جعلته يتبوّأ طليعة الفنانين اللبنانيّين المحدثين (خرّيجي الأكاديميّة اللبنانيّة). هو من روّاد التصوير المائيّ قبل أن ينتقل، وبشكل نهائيّ، إلى التصوير الزيتيّ. لكنّ فضاء لوحته بقي هو ذاته برموزه وأبعاده التي تشبه شخصيّته الهائمة في تخوم السماء والكون. ألغى الإطار التقليديّ للوحة (الشاسّي)، كما فعل بعض الفنّانين الغربيّين. وترك للقماشة الحرّيّة في السفر والابتعاد كما فعل هو في حياته دون ارتباط بزمان أو مكان. ألم يكن حصان أعماله الأولى جامحاً كما شخصيّته؟ كذلك الأمر مع سهامه المتجوّلة في كلّ الاتجاهات والأمكنة وتداخل مثلثاته ومربّعاته وهندسيّتها التي تصدم رخاوة اللون وغناه ورونقه بصراع أبديّ لا ينتهي، يُحاكي بها قلق الإنسان الدائم.

حوّل منزله في بلدته “قانا” الجنوبيّة إلى مُتحف مفتوح للجميع، وكأنه حاكى بذلك المعجزة الأولى لسيّدنا المسيح في ذلك المكان من العالم..

كان موسى طيبا طليعيّاً في فهمه للفنّ ودوره في المجتمع. نذر حياته له، فكان تعبه وألمه شعلة أطفأت عينيه لتنير لنا درب الفنّ والجمال الذي رسمته يداه كأيقونة في سماء عبثنا ولهاثنا..

موسى طيبا، حاليًّا، مغيّب عن الكتابات والذكرى والحضور، بخلاف آخرين رحلوا، لا يوازون تلك الكتابات وحجمها ومحتواها قيمة! وطن، يُفصّل الفنانون على هوى البعض ممّن يدّعون الثقافة ورعاية الفنّ، لن يستقيم. فالفنّ لا ينتمي إلى دين معيّن، أو مكان، أو جماعة محدّدة دون آخرين؛ هو حاجة للكلّ، وغذاءً فكريًّا وروحيًّا. أعطى “موسى طيبا” لهذا الوطن، ولجميع من فيه، من قلبه ونبضه وتعبه وحبّه وانتمائه دون تمييز. فلنعطه حقّه، كما يحصل مع آخرين غيره، نذكرهم دائمًا، رحلوا، وتركوا لنا أعمالّا تعانق أعمال طيبا وتعشقها..

* المصدر: مجلة البعد الخامس

تعليقات: