
ملك، ككثيرين غيرها في هذا الوطن المنهك ، تشعر بتعبٍ حقيقي يخيّم على العقل يجعل انجاز أبسط المهام كصعود جبل. حروب، انقسامات، نشرات أخبار لا تنتهي، محللون يصرخون فوق الشاشات، ووجوه تتحدث بثقة مطلقة وكأن الحقيقة تقف كاملة في جيب كل واحد منهم.
كل فئة تملك روايتها الخاصة، حتى بدا أحيانًا أن الحقيقة نفسها ماتت، ولم يجد أحد وقتًا لدفنها.
تتابع ملك الاحداث بإرهاق متزايد، وتشعر أن هذا السيل المتواصل من السرديات المتناقضة لا يستهلك الأعصاب فقط، بل يستهلك اليقين أيضًا. فالإنسان، حين يُغرق يوميًا بهذا القدر من الضجيج، يبدأ بالتشوش، لا لأن قناعاته ضعيفة، بل لأن العقل البشري نفسه يتعب من الدوران داخل العاصفة.
في تلك الليلة، أغلقت هاتفها أخيرًا، وابتعدت قليلًا عن نشرات الأخبار والمقاطع السريعة والتحليلات المتناسلة بلا توقف. شعرت بحاجة إلى فسحة مختلفة، إلى صوت أكثر هدوءًا من هذا العالم الذي يتحدث طوال الوقت ولا يقول شيئًا.
توجهت إلى مكتبتها المتواضعة، وأخذت تمرر أصابعها على الكتب القديمة، قبل أن تقع عيناها على رواية الطاعون ( La Peste ) لـ Albert Camus. كاتبها المفضل، الذي كانت تجد دائمًا في نصوصه عمقًا إنسانيًا يشبه الجرح الهادئ، لا الخطابة العالية.
كانت قد قرأت الرواية منذ سنوات، حتى إن معظم أحداثها تلاشت من ذاكرتها، فقررت إعادة قراءتها دون توقعات كبيرة. لكنها، منذ الصفحات الأولى، شعرت وكأنها تقرأها للمرة الأولى… أو ربما للمرة التي نضج فيها الألم بما يكفي كي نفهم النصوص بطريقة مختلفة.
في الرواية، يبدأ كل شيء بفئران ميتة تظهر في شوارع مدينة وهران. لا أحد يأخذ الأمر بجدية في البداية. الناس مشغولون بحياتهم اليومية، بأعمالهم، بعاداتهم الصغيرة، وبوهم أن الكوارث تحدث دائمًا للآخرين. لكن شيئًا فشيئًا، يتضح أن المدينة دخلت زمن الطاعون، وأن أبوابها أُغلقت، وأن الموت أصبح جزءًا من الحياة اليومية.
توقفت ملك طويلًا عند تلك التفاصيل الصغيرة. كيف يعتاد البشر الكارثة بالتدريج. كيف يتحول الخوف، مع الوقت، إلى روتين. وكيف يصبح الموت خبرًا يوميًا يمر سريعًا بين فنجان قهوة وخبر عاجل وتعليق عابر على وسائل التواصل. أخافها ذلك أكثر من الطاعون نفسه. أخافَها أن النفس البشرية، حين تُرهق طويلًا، لا تعود تخاف الموت نفسه، بل تعتاد النظر إليه دون ارتجاف.
أن يصبح القصف خبرًا عاديًا يمر بين إعلانٍ تجاري ومباراة كرة قدم، وأن يتحول الوجع، مع الوقت، إلى رقم صغير يعبر أسفل الشاشة ثم يختفي.
وحين قرأت عن أهل وهران وهم يختلفون في تفسير ما يحدث، وينكر بعضهم الكارثة أو يخفف من شأنها أو يحاول توظيفها لمصلحته، شعرت أن كامو لم يكن يكتب عن مدينة بعيدة فقط، بل عن كل زمن يضيع فيه الإنسان وسط الضجيج. حتى شخصية "كوتار" أرعبتها. ذلك الرجل الذي وجد في الفوضى خلاصه الشخصي، أدركت ملك أن بعض البشر لا يخافون الكارثة… بل يخافون نهايتها.
فكرت ملك كم يشبه عالمنا هذا النوع من الناس، أولئك الذين يزدهرون كلما اتسعت الكارثة، ويخافون انتهاء الطاعون أكثر مما يخافه ضحاياه. لكن أكثر ما بقي عالقًا في روحها كان الطبيب ريو. ذلك الرجل الذي لم يتحدث عن البطولة، ولم يعد أحدًا بالنصر، ولم يقل إنه قادر على إنقاذ العالم. كل ما فعله أنه استمر في معالجة المرضى، لأنه رأى أن مقاومة الشر ليست خيارًا مرتبطًا بالنتائج، بل واجبًا إنسانيًا. وربما كان الإنسان، في كثير من الأزمنة، يشبه سيزيف وهو يدفع صخرته إلى الأعلى كل يوم، لا لأنه يجهل أنها قد تتدحرج مجددًا، بل لأنه يرفض الاستسلام لعبث الطريق.
وهنا شعرت ملك أن الرواية أعادت إليها شيئًا كانت الضوضاء قد شوشته للحظات. فليست كل مقاومة مرتبطة بيقين النصر. أحيانًا، يكون معنى المقاومة أعمق من ذلك بكثير. أن ترفض الاستسلام للشر، حتى وأنت تعرف أن الطريق مليء بالخسارات. أن تبقى إنسانًا، بينما كل ما حولك يدفعك نحو القسوة أو الخوف أو اللامبالاة.
وبينما تقلب ملك في صفحات الرواية، فكرت طويلًا في معنى المقاومة في وطنها. في أولئك الذين يواجهون الاحتلال أو العدوان أو الظلم وهم يعرفون أن الكلفة هائلة، وأن العالم قد لا يكون عادلًا بما يكفي ليكافئهم سريعًا، لكنهم يرون أن التخلي الكامل عن المواجهة يعني انتصار الشر أخلاقيًا، حتى قبل أن ينتصر على الأرض. ربما لهذا لا يمكن اختصار فكرة المقاومة في حسابات الربح والخسارة وحدها. فهناك أشياء، إن لم تُدافع عنها، يموت شيء أساسي في الإنسان: الكرامة، الحق، والقدرة على النظر إلى الذات دون خجل.
في نهاية الرواية، يتراجع الطاعون، وتُفتح أبواب المدينة، ويعود الناس إلى حياتهم، لكن كامو يترك جملته القاسية معلقة في الهواء:
"إن الطاعون لا يموت أبدًا، بل ينام فقط، وقد يعود يومًا ما بأسماء مختلفة."
أغلقت ملك الرواية ببطء، وبقيت لوقت طويل تنظر إلى الصمت من حولها، كأنها خرجت للتو من مدينة وهران نفسها، لا من كتاب. فكرت أن الأدب لم يوجد يومًا ليكون ترفًا بعيدًا عن الناس، ولا مجرد فسحة للهروب من الواقع، بل وُجد لأن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى الرواية أكثر من حاجته إلى نشرات الأخبار، وإلى سؤالٍ عميق أكثر من حاجته إلى ألف تصريح عابر.
ولهذا، لم تستطع يومًا الاقتناع بأن الأدب ينفصل عن السياسة أو عن مصير البشر. فالأدب الحقيقي لا يعيش خارج العالم، بل يغوص في قلبه، في خوفه وحروبه وأسئلته الكبرى، ثم يعيد الإنسان إلى نفسه بعدما يوشك الضجيج أن يسلبه روحه.
أدركت ملك أن كامو لم يكتب عن وباء فقط، بل عن الشر حين يصبح جزءًا من الحياة اليومية، وعن الإنسان حين يجد نفسه مضطرًا للاختيار بين الاستسلام أو مقاومة ما يراه ظلمًا، حتى لو لم يملك وعدًا أكيدًا بالنصر. ربما لأن أخطر أشكال الهزيمة ليست أن يسقط الإنسان في المعركة، بل أن يقتنع، وهو لا يزال حيًا، أن مقاومة الشر أمر بلا معنى.
وربما لهذا السبب بالذات، تبقى الروايات الكبرى حيّة أكثر من كثير من الخطب والشعارات. لأنها لا تقول للإنسان فقط ماذا يفكر، بل تساعده على ألا يفقد قدرته على الشعور، وعلى رؤية المعنى وسط هذا الركام الهائل من الضوضاء.
شعرت ملك، للمرة الأولى منذ وقت طويل، أن بعض الكتب لا تمنحنا أجوبة نهائية، لكنها تعيد تثبيت شيء مهم في داخلنا كاد يتشوش للحظات:
أن مقاومة الشر ليست دائمًا طريقًا مضمون النهاية، لكنها، في كثير من الأزمنة، تبقى الطريقة الوحيدة كي لا يفقد الإنسان إنسانيته.
بقلم مي حسين عبدالله
#دفاتر_ملك
#في_زمن_يشبه_الطاعون
#ألبير_كامو
#مقاومة_الشر
#مي_حسين_عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: