عدنان سمور: إنا من الخيام وإنا إليها راجعون

سيبقى الخياميون أيها الأحبة متمسكون بتراب الخيام الذي يحضن اضرحتكم الطاهرة
سيبقى الخياميون أيها الأحبة متمسكون بتراب الخيام الذي يحضن اضرحتكم الطاهرة


(رسالة مفتوحة إلى أرواح أحبة خياميين ترقد بسلام في روضتها)

لمَّا كانت الخيام مع أخواتها من قرى ومدن الحافة في جبل عامل ، تتعرض لأكبر مذبحةٍ وإبادة لذاكرتها وعمرانها واجتثاثٍ لأهلها منها ،يخطر في بالنا أضرحةً لأهلنا وأقاربنا وأحبتنا ، بقيت صامدة في الخيام ، رغم وحشية وفظاعة الجرائم المتلاحقة التي ينفذها الصهاينة على أرض الخيام ، هذه الأضرحة التي كنا نزورها في ليالي الجمعة وفي المناسبات والأعياد ، نتذكر ساكنيها ونعترف لهم بجميلهم علينا ونقرأ لهم سورة الفاتحة المباركة وما تيسر من آيات وسور القرآن الكريم ، تؤنسنا وتؤنس أرواحهم الطاهرة في عليائها ، ونتذكر أفضالهم علينا وعلى الخيام التي بنوا مداميكها بعواطفهم الصادقة والمُحِبَّة ، وجبلوا عمرانها بعرقهم ودمهم ودموعهم ، وجلَّلوا منحدراتها بسواعدهم التي جَدَلت عضلاتها التحديات ومواجهاتهم للمصاعب والإبتلاءات ، ورصفوا طرقاتها بحجارة نحتوها من صخور الخيام الصلبة ، وبواسطة معاولهم ومحاريثهم ، حولوا سهل الخيام الغني بالعيون والينابيع إلى بساتين غنَّاء ، وحقول خضراء ، وبيادر سمراء يحصدون عليها خيرات الأرض التي منحهم الله ، جزاءً لتعبهم وإخلاصهم وكدحهم ، فيشكرونه ويتابعون مسيرة كدحهم الذي لطالما أنتج للخياميين وجيرانهم ووطنهم حياةً طيبة ، وتجربة انسانية رائعة غنية بالحياة والقيم والنبل والعيش المشترك بين أهلها وجيرانها ، وحين نتذكر كل هذا التاريخ الغني والحافل بالإنجازات ، لتلك الأرواح العظيمة الصامدة في الخيام ، رغم كيد وتوحش الأعداء الظالمين ، تُطِلُّ من عليائها في عالم الخلود الأبدي ، وتطوف في فضاءات الخيام وأزقتها ومعابدها وحاراتها وساحاتها وتلالها وهضابها وسهولها وأوديتها ، نجد أنفسنا مضطرِّين أن نوجه رسالة مفتوحة إلى أصحاب تلك الأرواح العظيمة والحيَّة والناظرة إلينا رغم عدم شعورنا المباشر بحضورها ، لنقول لهم ناموا قريري العين أيها المؤسسون المخلصون ، لأنكم تركتم خلفكم في هذه الحياة أجيالاً أمينة على إرثكم الذي أودعتم فيهم ، فتابَعوا بكل الحب والإندفاع مسيرتكم التي بدأتم ، وراكموا على انجازاتكم العظيمة إنجازاتٍ جديدة باهرةٍ ، زادتها عظمةً وتألقاً وفائدة ، ورفعوا إسم الخيام التي اسستم وأحببتم عالياً ، حتى غدت مفخرة لأهلها وأحبتها على مستوى الوطن والمنطقة والعالم ، إنَّ الخيام مع أخواتها من قرى ومدن جبل عامل اليوم خيَّر الأعداءُ من وحوش البشر الغربيين أهلها ، بين أن ينحنوا ويذلوا ليبقى العمران وتذهب القيم والمبادىء التي أورثتموهم إياها ، وهم يعتبرونها (أي المبادىء والقيم) معدن عظمة إرثكم ومعدن عظمة وجودهم ، فما كان موقف ابنائكم واحفادكم الذين هم حاملو إرثكم ، إلا أن قالوا لأعدائهم بالفم الملآن وبأعلى الصوت "العمران يذهب ويعود ، أما الإنسانية فإن ذهبت فلا يبقى بعدها مكان إلا للوحوش وللتوحش" وهكذا تفقد الحياة معناها وقيمتها ، لذلك ابناؤكم وأحفادكم أيها الأحبة يعتقدون ، أن هذا الموقف الجهادي الكبير الذي اتخذوه وهو التضحية بالعمران والتمسك بالإنسان ، يمثل تضحية كبرى ، فيها لله رضا ولأرواحكم في عليائها سعادةً وراحةً وفخراً واعتزاز ، ونتيجةً لهذا اليقين العظيم بذل ابناؤكم وأحفادكم مهجهم على تراب الخيام الغالي والنفيس ، ونثروا اشلاءهم حبَّاً ووفاءً للقيم التي خلَّفتموها فيهم في مواجهاتٍ مشرِّفةٍ على مختلف جبهات الحق للدفاع عن تراب الخيام وأخواتها ، وعن تراثكم الأخلاقي والإنساني المشرف الذي تركتم لهم خلفكم ، ودفاعاً عن وطنٍ آمنوا كما آمنتم به وطناً نهائياً لهم ولشركائهم فيه ، ودفاعاً عن العدالة وعن حقوق الشعوب المستضعفة ، ضد شياطين الإنس المتوحشين والقتلة والمجرمين ، وهكذا أيها الأحبة صار الدفاع عن إرثكم هو دفاع عن الإنسانية وقيمها التي صنعتها شعوبٌ وأممٌ وانبياءٌ وأئمة عظماءٌ ومخلصون ، على امتداد آلافٍ مؤلفةٍ من الأعوام ، وبتقديم تضحياتٍ من الموارد الماديةٍ والبشريةٍ لا تكاد تعدُّ أو تحصى ، أما تدمير العمران الذي عجز الأعداء عن تحقيق سواه ، فإن الوعي والمكتسبات التي بدأت تتحقق على أرض الواقع بفضل عبقرية وتضحيات أبنائكم وأحفادكم في لبنان بالتعاون مع احرار المنطقة ، فهي كفيلةٌ بأن تؤسِّس لعمران جديد أكثر ثباتاً وأكثر جمالاً وأكثر تعبيراً عن عظمكتم وعظمة تضحياتكم وعظمة أبنائكم واحفادكم الذين تابعوا حمل المشعل الذي أوقدتم شعلته الأولى ، هذه الشعلة التي أصبحت اليوم بتعاظم الإنجازات ومراكمتها ، منارة لأحرار المنطقة والعالم ، وسيبقى الخياميون أيها الأحبة متمسكون بتراب الخيام الذي يحضن اضرحتكم الطاهرة ، كما سيبقوا متمسكين بذاكرتكم وعمرانكم وإرثكم العظيم من المبادىء والقيم الإنسانية المشرفة والحياة العادلة والطيبة التي تليق بإنسانية الانسان ، وسيبقبوا يرددون ما بقيت أرضٌ وسماء "إنا من الخيام وإنا إليها راجعون" وبإذن الله سيعودوا ويعيدوا عمرانك كما فعلوا اكثر من مرة ، ولن ينال اعداء الخيام والإنسانية من جرائمهم ومحاولاتهم ابادة انجازاتكم وذاكرتكم ، إلا الخزي والخسران .

ع.إ.س

باحث عن الحقيقة

11/05/2026

تعليقات: