خليل كاعين: لا ندية بلا دولة.. من يدير العلاقة اللبنانية – السورية؟


كل حديث عن الندية بين لبنان وسوريا يبقى ناقصا ما لم يحسم سؤال بسيط: من يملك قرار هذه العلاقة؟

ليست مشكلة العلاقات اللبنانية–السورية في غياب الطروحات أو المبادرات، بل في البنية التي تدار من خلالها هذه العلاقة. فكل حديث عن “الندية” يبقى ناقصا، بل مضللا أحيانا، إذا لم يطرح السؤال الجوهري: هل توجد في لبنان دولة قادرة أصلا على إنتاج هذه الندية؟

على مدى عقود، لم تتشكل العلاقة بين البلدين وفق منطق دولتين مستقلتين، بل ضمن تداخل مركب بين الجغرافيا والسياسة والأمن، ترجم عمليا في اختلال مزمن في التوازن. هذا الاختلال لم يكن نتيجة قوة طرف فقط، بل أيضا نتيجة ضعف داخلي بنيوي في الطرف الآخر، حيث عجزت الدولة اللبنانية عن احتكار قرارها الخارجي، وسمحت بتعدد قنوات التواصل مع الخارج، الرسمية منها وغير الرسمية.

صحيح أن محطات مفصلية غيرت شكل العلاقة، من الوصاية المباشرة إلى الانكفاء العسكري، وصولا إلى التحولات الإقليمية الأخيرة، إلا أن جوهر الخلل بقي على حاله. فالمشكلة لم تكن يوما في غياب الأطر، بل في تجاوزها. ولم تكن في نقص الاتفاقيات، بل في غياب مرجعية واحدة ملزمة لإدارتها.

من هنا، فإن أي مقاربة جدية لإعادة بناء العلاقة اللبنانية–السورية لا يمكن أن تنطلق فقط من عناوين تقنية، كترسيم الحدود أو تطوير التمثيل الدبلوماسي، رغم أهميتها. هذه الخطوات تبقى ضرورية، لكنها غير كافية، لأنها تعالج الشكل دون المضمون.

المعضلة الحقيقية تكمن في ازدواجية القرار الخارجي في لبنان. فالدولة ليست المرجع الوحيد في إدارة العلاقات الدولية، بل واحدة من بين عدة مراجع، تتوزع بين قوى سياسية تمتلك كل منها شبكاتها وتحالفاتها الخاصة. هذا الواقع لا يضعف موقع لبنان التفاوضي فحسب، بل يفقد أي اتفاق محتمل صفة الإلزام والاستمرارية.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل العلاقات اللبنانية–السورية عن نمط أوسع من إدارة السياسة الخارجية في لبنان، قائم على “تعدد القنوات” بدل وحدة القرار. وهو نمط أثبت، تاريخيا، أنه مدخل دائم لاختراق الدولة، وتحويل العلاقات بين الدول إلى امتدادات لعلاقات بين قوى.

وفي بعض الحالات، لم تقتصر هذه العلاقات الثنائية على الأبعاد السياسية أو المالية، بل امتدت إلى أشكال من الدعم اللوجستي أو غير المباشر في سياقات إقليمية متوترة، ما ساهم في تعميق انخراط لبنان في صراعات محلية وإقليمية متعددة، وأدى إلى مزيد من تشظي المشهد الداخلي وتداخله مع النزاعات الخارجية.

حتى التحركات السياسية التي تتم تحت عناوين ظرفية أو اجتماعية، قد تبدو مفهومة في سياقها الضيق، لكنها تتحول إلى إشكالية بنيوية عندما تصبح بديلا عن المؤسسات، أو عندما تمنح دورا يتجاوز حدودها الطبيعية. فالتطبيع مع هذا النمط يعيد إنتاج الخلل نفسه، مهما تغيرت الظروف أو تبدّلت الأنظمة.

ولا يقتصر هذا النمط في إدارة العلاقة مع سوريا على هذه الحالة وحدها، بل ينسحب بدرجات متفاوتة على علاقات لبنان مع عدد من الدول العربية والأجنبية. إذ يتكرر منطق “تعدد القنوات” حيث تنشأ علاقات موازية خارج إطار الدولة، تعكس ارتباطات سياسية أو اجتماعية أو حتى دينية وثقافية وعلمية. غير أنّ ما يميز الحالة اللبنانية هو تداخل هذه القنوات مع بنية داخلية قائمة على تعددية الطوائف والمرجعيات، ما يمنح هذه العلاقات أشكالا متشابكة تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي.

وفي هذا السياق، تبرز أنماط من العلاقات ذات الطابع الديني أو المرتبطة بمرجعيات روحية، تتقاطع أحيانا مع مصالح مادية أو تمويلية، سواء عبر دعم مباشر أو غير مباشر. وقد أفضى ذلك، في بعض الحالات، إلى نشوء شبكات من المصالح المرتبطة بمشاريع وخطابات تحمل عناوين إنمائية أو اجتماعية، لكنها تفتقر أحيانا إلى الشفافية الكافية في مصادر تمويلها وآليات صرفها. كما ساهم هذا الواقع في تعزيز دور وسطاء أو فاعلين يستفيدون من هذه العلاقات، مستندين إلى خطابات عامة تستقطب الدعم، دون أن تكون دائما خاضعة لمساءلة مؤسساتية واضحة.

في المقابل، لا يظهر هذا النمط بالحدة نفسها في دول أخرى، حيث تحتكر الدولة، بدرجات مختلفة، إدارة علاقاتها الخارجية، ما يحد من تحول الروابط غير الرسمية إلى بدائل عن المؤسسات.

إن التحولات الإقليمية الأخيرة فتحت بلا شك نافذة لإعادة صياغة العلاقة بين لبنان وسوريا على أسس جديدة. غير أن هذه الفرصة ليست مضمونة بذاتها، بل مشروطة بقدرة لبنان على إعادة بناء دولته من الداخل، وتحديدا على مستوى توحيد مرجعية القرار الخارجي.

وفي هذا السياق، يمكن فهم بعض التحركات السياسية، ومنها زيارات قيادات لبنانية إلى سوريا، في إطارها الخاص المرتبط باعتبارات اجتماعية أو سياسية محددة، كالسعي لاحتواء توترات داخلية ضمن بعض المكونات. غير أن توسيع هذا الدور ليأخذ طابعا سياسيا عاما في إدارة العلاقة بين الدول من خارج الأطر المؤسساتية، يعيد إنتاج الإشكالية نفسها التي أدت سابقا إلى اختراق الدولة وتهميش مرجعيتها. وبهذا المعنى، فإن فهم هذه التحركات في سياقها الخاص لا يعني تكريسها كنمط دائم في إدارة العلاقات بين الدول.

فالانتقال من “التبعية” إلى “الندية” لا يتحقق بإلغاء أطر سابقة أو إنشاء أخرى جديدة، بل بإعادة تعريف من يملك حق التفاوض، ومن يلتزم بنتائجه. ومن دون ذلك، تبقى كل محاولات الإصلاح عرضة للاهتزاز، لأنها تقوم فوق أرضية غير مستقرة.

في الخلاصة، إن مأسسة العلاقة اللبنانية–السورية ليست مسألة دبلوماسية فحسب، بل هي اختبار فعلي لوجود الدولة اللبنانية نفسها. فإما أن تكون الدولة هي المرجعية الوحيدة في إدارة هذه العلاقة، وإما أن تبقى “الندية” شعارا نظريا يصطدم، في كل مرة، بواقع الانقسام وتعدد الولاءات.

الدكتور خليل كاعين

تعليقات: