يوسف غزاوي: معرضان فرنسيّان في قاعة القصر الكبير في باريس


إشكاليّة الإرث الوطنيّ والخلق المعاصر

عندما كنتُ في باريس مؤخرًا، عرض عليّ صديقي الفرنسيّ «فرديريك»، المحبّ للفنون كالكثير من الفرنسيين، الذهاب لمشاهدة معرض فنّي في قاعة «القصر الكبير» Le grand Palais، المكان الأبرز لإقامة المعارض الفنّية الكبرى والمهمّة في العاصمة الفرنسيّة. سُررتُ جدًّا بالمبادرة. حجز لنا بطاقتين «أونلاين Online» عبر الأنترنت، لتسهيل دخولنا للمعرض دون عائق الانتظار طويلًا في الصفّ أمام القصر. دخلنا، وإذ بنا أمام معرضين، وليس معرضًا واحدًا، لفنّانتين فرنسيّتين؛ الأوّل يتناول أعمال الزجاج المعشّق (الفيتراي) Les vitraux الأحبّ إلى قلبي وفنّي التي ستحلّ محلّ سابقتها في كنيسة «النوتردام» Le Notre-Dame الباريسيّة التي تعرّضت لحريق أزال بعض معالمها، ولا سيّما طوابقها العليا، ممّا استدعى ترميمًا دام سنوات عدّة، وكلفة ماليّة باهضة. وكعادة الفرنسيين عبر التاريخ، ساهمت التبرّعات في إعادة ترميم هذه الكنيسة، كسابقاتها، وتجديدها لتستقبل زوّارها الكُثر، الذين يرتادونها سنويًّا بأعداد ضخمة. هذه الكنيسة هي معلمٌ دينيّ وسياحيّ وتاريخيّ، شأنها شأن الكنائس والكاتدرائيّات الفرنسيّة الكثيرة، يأتي على رأسها كنيسة «شارتر Chartres» الشهيرة بزجاجها المعشّق الذي لا تضاهيه كنائس أخرى في العالم كمًّا ونوعًا. وقد سبق لي زيارتها والتعرّف إلى معالمها وقصصها وحكاياتها الكثيرة أثناء تواجدي في فرنسا للدراسة والعمل في ترميم زجاجيّات الكنائس المعشّق على مدى سنوات أربع.

فنّانتان فرنسيّتان في مشروعين ضخمين على اتساع دوليّ «إيفا جوسبان Eva Jospin» و«كلير تابوري» Claire Tabouret مدعوّتان للعرض في غاليريهات القصر الكبير La Grand Palais في باريس. تقترح علينا الفنّانتان مقاربتين فرديّتين من العلاقات مع هندسة العمارة، والأرث الوطنيّ والخلق المعاصر.

نبدأ مع «تابوري»، في معرضها المعنون «في نفخة واحدة، أو في نَفَس واحد» D'un seul soufflé. تظهر للمرّة الأولى ستّ زجاجات معشّقة ضخمة (ماكيت) نفّذتها الفنانة لنوافذ الكاتدرائيّة للجهة الجنوبيّة منها، بالتعاون مع فنّان-الفيتراي Le peintre-verrier «سيمون-مارك» Simon-Marc. ولمن لا يعرف هذه التقنيّة (تقنيّة الفيتراي، أو الزجاج المعشّق)، فهي تقوم على وضع قطع زجاج ملوّنة متكاتفة بجانب بعضها البعض، وليست قطعة كبيرة واحدة، تفصل بينها أجنحة من الرصاص Le plomb الهدف منها المحافظة عليها من عوامل الطبيعة الخارجيّة؛ فأيّة ضربة، أو كسر، تتعرّض لها، فهي تنال من القطعة المستهدفة المثبّتة بين الأجنحة، وليس القطع الأخرى، بسبب استقلالها وحمايتها من قبل هذه الأجنحة، فيُصار هنا إلى تغيير القطعة المحطّمة، أو المتضرّرة، بقطعة أخرى مرمّمة، وهذا ما يُخفّف من كلفتها العالية. أمّا عمليّة الرسم والتلوين على الزجاج فلها حكايتها وسرديّتها الطويلة. (لمن يودّ التعرّف على هذا الفنّ والتزوّد بمعلومات عنه عليه قراءة البحث الذي أقمته عن الفيتراي في كتابي «رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة» من منشورات الجامعة اللبنانيّة 2008).

مثّلت زجاجات «تابوري» الحلقة المسيحيّة للخمسين Le Pentecôte. هي تستخدم تقنيّة النوع الأحاديّ Le monotype: أسلوب طباعيّ لسحب أحاديّ. في الفضاء الضخم والرحب لقاعة القصر الكبير.

وُلدت الفنانة «تابوري» عام 1981، وحصلت على دبلوم تخرّجها من كلّية الفنون الجميلة في باريس عام 2006، وحصلت على المرتبة الأولى في المباراة التي حصلت عليها لترميم زجاج نوتردام المعشّق. حصلت المباراة في شهر كانون الأوّل عام 2024 لتنفيذ زجاجات معاصرة للكاتدرائيّة.

مشروع «تابوري» مثير للجدل، كما صرّح الإعلام الفرنسيّ. تردّ الفنانة على هذا الجدل المثار حول عملها من خلال معرض في قلب باريس في هذا الغاليري 10.2 الذي تعرّض لتوّه لترميم بارتفاع الكاتدرائيّة. هل هو أيضًا برهان من الفنانة، ودعوة مباشرة للجمهور للحكم على عملها، ومحاولة لإبداء الرأي والحجج؟ ستّة نماذج بالحجم الطبيعيّ للفيتراي لستّ فتحات من الجهة السفلى الجنوبيّة للكاتدرائيّة. ومع ذلك، وبهدوء وحزم، تكشف هذه المرأة، التي تبلغ الـ 44 من عمرها، للجميع «كرتوناتها» الهائلة.

المباراة لتنفيذ هذه الزجاجات الستّ المعاصرة، «حملت إشارة القرن الواحد والعشرين»، والتي أعلن عنها الرئيس الفرنسيّ «إمانويل ماكرون Emmanuel Macron» في كانون الأول 2023، عندما كانت الكاتدرائيّة في طور الترميم. على الفور كانت هناك اعتراضات. لم تكن هذه الاعتراضات على الزجاجات المعاصرة، بل لأنّ هذه الرزمات الستّ، حلّت محلّ تلك القديمة المسمّاة «زجاجات Viollet le-Duc». الجدل القائم لم يُحبط من عزيمة هذه الشابّة التي عادت منذ عشر سنوات من أميركا حيث تقول: «هذا النقاش الذي يطرح أسئلة حقيقيّة حول علاقتنا بالتاريخ، بالإرث، بالفنّ المعاصر، لا صدى سلبيّ له». لتُضيف: «منذ اللحظة التي علمتُ فيها عن اختياري، بدأتُ بالعمل. هذه هي ردّة فعلي في الحياة، مهما يكن الحدث، وبالأخصّ هذا. قلتُ لنفسي، هنا، الآن، أضع نفسي في خدمة شيء. المعرض في القصر الكبير كان قد تقرّر قبل ترشّحي للجائزة.. كنتُ قد حقّقتُ بعض التخطيطات الصغيرة للمباراة..».

التخطيطات الكبيرة Les exquises كانت بارتفاع سبعة أمتار تمثّل ستّ لحظات قويّة لـ Pentecôte، التي تُحيي خمسين يومًا بعد عيد الفصح Les Pâques، عطاء الروح القدس وولادة الكنيسة. كانت الرسوم قويّة وملوّنة، مرتفعة، الأولى منها كانت بالباستيل انطباعيّة، زائلة، «باهتة»، كما يقول المعترضون وبعض الفنانين.

واجهت الفنانة وحيدة الآراء والصحف في كانون الأوّل 2024. هذه «الكرتونات» العملاقة تثير الدهشة اليوم بكثافتها التشخيصيّة بباريس: «العذراء حاضرة بقوّة كما أراد أبرشيّة وبحماس ونشوة، شَعرٌ مصفّف، رداء أزرق؛ المخلصون لهم سحنات شرق-أوسطيّة. الأطفال يشبهون أولئك الموجودين في الفريسك الكبيرة».

مع شمس الجنوب، هذه الزجاجات المكثّفة يتوقّع منها أن تسجّل حضورًا لونيّا في الكاتدرائيّة التي تحوّلت إلى بيضاء بسبب الترميم.

تقول الفنانة: «وصلتُ إلى لحظة في حياتي حيث أردتُ وضع نفسي في خدمة شيء أكبر منّي». تروي تفاصيل بعض زجاجها المعشّق الذي يروي قصصًا دينيّة مأخوذة من الإنجيل، على سبيل المثال قضيّة الـ Pentecôte المسيحيّة، لحظة نزول الروح القدس، ما يعني القدرة المطلقة أو الأسمى للقوّة الموجودة في الكون، وهي تشير إلى التدخّل الإلهيّ أو القدرات الروحيّة التي تأتي من الله: هي القوى التي يستقبلها القدّيسون، ويعمّمون تعاليم السيّد المسيح، الخ. هي واحدة من تفاصيل إحدى نوافذ الزجاج المعشّق التي قامت الفنانة «تابوري» بترميمها.

في لقاء مع الفنانة بعد أيّام قليلة من افتتاح معرضها في القصر الكبير، وفي ردّ على سؤال حول بداية أو نشأة فكرة زجاج النوتردام، تقول الفنانة: «للردّ على دعوة المشروع، تساءلتُ عن الأسباب التي تدعوني للانخراط، أو عدمه، في المخاطرة. لم أنشأ على الدّين ومعرفة الفنّ. عام 2023 دُعيتُ للاشتراك في جناح الفاتيكان ضمن بينال فينيسيا Venise. ومن خلال لقاءات جميلة، قمتُ بتعميد فتياتي في الفاتيكان. كنتُ كأنّني محمولة.. شاهدتُ زجاجات ماتيس Matisse وشاغال Chagall، وتصاوير فرا أنجليكو Fra Angelico.. لكن، كي أكون جاهزة لمشروع مماثل، يجب العمل كلّ العمر والتطوّر...».

وحول سؤال إلى من تتوجّه بعملها، تقول: «هذا العام دخل إلى النوتردام ما يقارب الخمسة عشر مليون زائر من كلّ أنحاء العالم. فيجب إيجاد تصوير مفهوم من قبل الجميع، يُثير الصدى حول موضوع الخمسين Pentecôte، في اللحظة حيث، وبفضل الروح القدس الذي عاد إلى الأرض، كلّ واحد استطاع فهم لغة الآخر، وخلق انسجام من خلال الاختلاف».

وحول ما إذا كانت قد أجرت حوارات مع الأبرشيّة قالت: «انطلقتُ من نصّ «أعمال الرسل Les actes des Apôtres» الذي أعطتني إيّاه الأبرشيّة. يقول النصّ: «فجأةً، صوت أتى من السماء كضربة رياح عنيفة.. اجتمع الكلّ متحدين في نفس المكان..»، فانفرضت التأليفات بسرعة.

من خلال دعوة القصر الكبير، تقترح الفنانة اليوم الكشف عن كواليس هذا الإبداع خارج المألوف من خلال عرض «الماكيت»، جزء من مئات أعمالها التحضيريّة ومجموعة من وثائق المحترف التي ألهمتها خلال شهور خلت. تقترح «كلير تابوري» على الجمهور مرافقتها في هذه المغامرة، وإلقاء نظرة أولى على هذا العمل التاريخيّ، في حين أنّ الزجاجيّات هي في صدد التحضير في المحترف قبل تركيبها في الكاتدرائيّة حيث يجب، نهاية هذا العام 2026.

معرض هذه الفنانة لم يدهشني، ولم أَرَ فيه جديدًا أو تميّزًا، أنا الذي تعوّدتُ على العمل في الفيتراي سابقًا على مدى سنوات أربع بأساليب مختلفة، ولا سيّما منها القديم الكلاسيكيّ الذي طبع كنائس وكاتدرائيّات فرنسا في القرون الوسطى، وما بعدها. ففي رأيي المتواضع، إنّ عمل هذه الفنّانة غير جدير بالوجود في الكاتدرائيّة، وفي قاعة القصر الكبير. إنّ فرنسا تكتنز مواهب كثيرة وكبيرة على صعيد فنّ الفيتراي، فلماذا تمّ اختيار هذه الفنّانة لهذه المهمّة؟ إنّ الأمر يستحقّ التوقّف عنده وطرح الأسئلة! هل من محسوبيّات في الاختيار (كما قال لي صديقي الفرنسيّ!)، هل غادر الشعراء من مترّدم؟ أم «لا يوجد في الميدان إلاّ حديدان»؟، كما يقول المثل اللبنانيّ. أم هي عدوى الطريقة اللبنانيّة أثناء المباراة؟ لقد عرف فنّ الفيتراي أوجه وازدهاره وألقه في القرون، الثالث والرابع والخامس عشر الميلاديّة، قبل أن يشهد تراجعه بدءًا من القرنين السادس عشر والسابع عشر، لأسباب عدّة لا مجال لذكرها هنا.

أثناء زيارتي الأخيرة إلى باريس (كانون الأوّل 2025) لم تتسنّ لي رؤية دواخل كاتدرائيّة الـ «نوتردام» بعد الحريق الذي ألمّ بها، وذلك بسبب كثافة الحضور والانتظار في صفوف ممتدّة إلى ما لا نهاية! فضّلتُ الذهاب إلى الحيّ اللاتينيّ القريب منها لتناول وجبة غداء سريعة في مطاعمها المقتظّة بالسائحين، قبل العودة إلى حيث تنتظرني أعمال معرضي الفرديّ المقام في قاعة Le Nouvô Cosmos في باريس.

معرض الفنّانة «إيفا جوسبان Eva Jospin»، «غروتسكو Grottesco»:

المعرض الثاني الذي أثار دهشتي وإعجابي، على عكس الأوّل، كان معرض الفنانة «إيفا جوسبان Eva Jospin» (إبنة رئيس وزراء الحكومة الفرنسيّة الأسبق ليونيل جوسبان Lionel Jospin).

ليس الدخول إلى معرض هذه الفنانة كغيره من المعارض؛ أنت في عالم مختلف، عالم مونوكرومي للوهلة الأولى، يشبه أطياف آثارات ولّت. تبدأ بالتجوال والاكتشاف للوقوف على حقيقة الأمر لتجد إنّ الفنّانة تستعمل في معرضها الكرتون المضغوط، الخشب والتطريز لخلق بناءات حقيقيّة، نباتيّة وهندسيّة ومعماريّة. عالم شاذّ، غريب، مشوّه (زخارف الكهوف grotto) مليء بالأشكال التي تجمع بين عناصر غير متجانسة بطريقة غرائبيّة، مثل مزج أشكال بشريّة وحيوانيّة مع نباتات وزخارف بطريقة خياليّة أو مشوّهة، وتعود أصولها لزخارف الكهوف grotto الرومانيّة القديمة.

«غروتسكو Grottesco»، هو اسم معرضها؛ يستلهم أسطورة شاب رومانيّ يكتشف بالصدفة قصرًا مدفونًا يشبه مغارة. الفنانة، بدورها، تدعونا لاستكشاف تجهيزات خياليّة في قاعة القصر الكبير.

تحيلنا «غروتيسكو» إلى أسطورة تحكي عن شاب رومانيّ، كما ذكرنا، وقع سهوًا في تجويف، حيث اكتشف فريسكو Fresques (تقنيّة رسم على جصّ طريّ على الجدران) منسيّة. تشير الأطلال المتبقية إلى ما يُشبه الكهف، فيها أسلوب الغروتيسك Le Grotesque الذي هو عبارة عن أسلوب نباتيّ، معماريّ مدهش، يؤسّس لخيال خصب ووفير. منذ ما يُقارب العشر سنوات، إنّ موضوع الكهف كان قد تأسّس في عمل «إيفا جوسبان»، مُضافًا إلى عمل الغابة. في رسوماتها وتطريزاتها ومنحوتاتها وتجهيزاتها تلتقي التجاويف المرتفعة، أعماق مُخبّأة، أشكال ومواضيع بالتكاثر.

الجمهور مدعوٌّ لاجتياز المعرض كمن يدخل في عالم: تربته منبوشة حديثًا على مصطبة مرتفعة فيها نتوءات، محاطة بنصب تذكاريّة، ثمّ الدخول إلى مغارة مزخرفة بقبّة معماريّة، تُذكّرنا بقبّة اليونتيون Le Ponthéon. لكنّ المعرض لا يمكن التقاطه وكشفه أبدًا بنظرة واحدة: فهو يتطلّب خطوة، أو نقلة ثابتة، التفاتة، عودة. المسار حيث العمارة تهيمن على الذهاب والمجيء، تتركك تكتشف الطبيعة المتوحّشة والقويّة التي تغلّفها عند العودة.

في كلّ عودة يتحوّل الإدراك: ما نظنّ أنّنا عرفناه يُصبح غريبًا؛ ما بدا مألوفًا يترك مكانًا للمجهول. عند الاقتراب، نكتشف تأثيرات خفيّة من الخداع البصريّ، حيث النباتيّ والمعدنيّ يختلطان. الأعمال تنظر إلى ذاتها وتُجيب، أحيانًا من خلال عنصر متكرّر، غيّر مكانه أو إعادة قراءته وتفسيره، بالكرتون، بالبرونز أو بالتطريز. هندسة معماريّة لكن بأسلوب النقش الداخليّ والخارجيّ، اجتمعت فيه يد الفمصوّر Le peintre بيد الرسّام Le dessinateur بيد المهندس المعماريّ l'architecte بيد النحّات الحفّار le sculpteur؛ تجاويف تأخذنا إلى أمكنة غامضة وبعيدة، فيها إضاءات زادت من أبعادها وخدعها. وفي أعمال أخرى نرى ما يُشبه السجادة المنفّذة بتؤدة ومهارة بتفاصيلها المينيماليسم الحرفيّة ذات الأبعاد المختلفة، التي تدعونا إلى الدخول إليها، والبقاء هناك حيث الحلم والخيال والإبداع.

وُلدت إيفا جوسلبان عام 1975، حصلت على شهادة الفنون الجميلة عام 2002، وفي العام 2024 أصبحت عضوًا في جمعيّة النحت في أكاديميّة الفنون الجميلة. تقول: «تشبه أعمالي دائمًا أسطورة منسيّة».

اسم نيمفيه Nymphées يُشير إلى مفهوم الحوريّة في الأساطير اليونانيّة مرتبط بمكان معيّن مثل غابة أو نهر أو بحيرة، وتشير أيضًا إلى «زنبق الماء» Nymphea في علم النبات. يُعطى هذا الإسم لمجموعة أعمال إيفا جوسبان. تُشير إلى النافورات المزيّنة في روما القديمة. تدعونا الفنانة إلى استعمال خيالنا. نتأمّل من خلال زواياتها هذا العالم بكلّيّته، مصنوع من الكرتون، والخشب وقماش ملوّن.

عرضت الفنانة في أكثر من مكان: في متحف اللوفر Le Louvre (2016) وفي قصر الباباوات Au palais des papes (2023) وفي متحف فورتوني Fortuny في فينيس Venise (2024) وفي فرساي L'Orangerie de Versailles (2024). لم تتوقّف الفنانة عن التوسّع، عن الزيادة أو إعادة النظر في الخطوط العريضة لعملها. العمل من خلال التراكمات، التلوّثات (إدخال موادّ غريبة) والتحوّلات، تشوّش دون توقّف. تلغي الحدود بين الأساليب والمراحل، التقنيات، الموادّ.

تتابع الفنانة بإدهاشنا عبر اللعب بالسالالم بتنسيق إلى ما لا نهاية بنفس الدقّة ونفس الهمّ بالتفاصيل. كلّ عمل يُصبح أثرًا متبقيًا وواعدًا، تحوّل «القصر الكبير» إلى مسرح العالم، ساكن، خالٍ من الحضور الإنسانيّ أو الحيوانيّ، لكن على الأقلّ مسكون بخيال قويّ.

عالم «إيفا» عالمٌ ساحٌر، خياليّ، سورياليّ، أخّاذ، يخطف الألباب والعقول والأفئدة. يقبض على حواسك، ولا يدعك إلاّ منتشيًا ممتلئًا بعالمه. المعرض كان بالنسبة لي اكتشافًا لموهبة فنيّة فذّة ومُبدعة في عالم اليوم المغاير، عالم الذكاء الاصطناعيّ IA المميت، الذي تخلّى عن الإنسان بأحاسيسه وقلبه وعشقه وجسده وروحه، وحوّله إلى آلة تنتج ألةً، بعد أن حوّلته الحداثة إلى إله بديل!

د. يوسف غزاوي — فنان تشكيليّ وباحث

تعليقات: