مسيّرات الحزب: خيط مقاوم رفيع يهزم التكنولوجيا

ما يربك إسرائيل اليوم ليس تعقيد سلاح المسيرات بالسلك الضوئي بل بساطته (Getty)
ما يربك إسرائيل اليوم ليس تعقيد سلاح المسيرات بالسلك الضوئي بل بساطته (Getty)


لا يكاد يمر يوم إلا وينشر حزب الله فيديو أو أكثر لهجوم بمسيّرات موجهة بالألياف الضوئية على الوحدات الإسرائيلية في جنوب لبنان. هذا التدفق اليومي للفيديوهات لا يعكس مجرد تصعيد ميداني، بل يشير إلى تحول أعمق في طبيعة الصراع، حيث باتت أدوات بسيطة نسبياً قادرة على إرباك منظومات عسكرية بالغة التعقيد.

من هامش الابتكار إلى قلب المعركة

لم تظهر المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية في لبنان بوصفها ابتكاراً محلياً، بل خرجت من رحم تجربة الحرب الأوكرانية، حين فرضت الحرب الإلكترونية واقعاً جديداً جعل الطائرات المسيّرة التقليدية عرضة للتشويش المستمر. هناك برز الحل القائم على ربط المسيّرة بالمشغل عبر كابل ضوئي رفيع، يلغي الحاجة إلى الاتصال اللاسلكي ويمنحها قدرة شبه مطلقة على الإفلات من التعطيل الإلكتروني.

مع الوقت، لم تعد هذه التقنية مجرد حل تكتيكي، بل تحولت إلى نموذج قابل للتكرار. انتقالها إلى جنوب لبنان لم يكن مجرد استنساخ، بل إعادة توظيف في بيئة مختلفة، حيث تواجه جيشاً بنى تفوقه لعقود على السيطرة على المجال الإلكتروني.

الاستخفاف الذي سبق الصدمة

الإشكالية لم تكن في ظهور السلاح بحد ذاته، بل في كيفية التعامل معه. بدا أن إسرائيل تعاملت مع هذه المسيّرات في بداياتها كتهديد محدود، يمكن احتواؤه ضمن الأدوات المعروفة، سواء عبر التشويش أو الدفاعات الجوية. هذا التقدير لم يكن تقنياً فقط، بل انعكاساً لعقيدة راسخة ترى أن السيطرة على الموجات اللاسلكية تعني بالضرورة السيطرة على ساحة المعركة.

لكن المسيّرات السلكية جاءت من خارج هذا المنطق. فهي لا تعتمد على إشارات يمكن اعتراضها، ولا على موجات يمكن التشويش عليها، ما جعل جزءاً كبيراً من التفوق الإسرائيلي غير ذي صلة. عندها تحول التفوق إلى قيد.

فشل الاستخبارات في قراءة التحول

يطرح هذا الواقع سؤالاً مركزياً حول دور الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وكيف لم تتمكن من استشراف هذا التطور. ما يتكشف هو خلل مركب يتجاوز مجرد غفلة عابرة. فالتجربة الأوكرانية كانت واضحة، لكن جرى التعامل معها كحالة استثنائية لا تنطبق على ساحات أخرى. وفي المقابل، لم يمنح حزب الله هامشاً كافياً في التقدير لقدراته على التكيف التقني، رغم تاريخه الطويل في تطوير حلول بديلة، خصوصاً في مجال الاتصالات السلكية.

الأهم من ذلك أن هذا النوع من الابتكار لا يترك أثراً تقليدياً يمكن رصده بسهولة. لا صفقات تسليح كبيرة، ولا إشارات إلكترونية واضحة، بل عملية تطوير تدريجية تعتمد على مكونات متاحة وخبرة تراكمية. وهذا تحديداً ما يجعل اكتشافه أصعب، ويكشف في الوقت نفسه حدود المقاربة الاستخباراتية التقليدية.

سلاح بسيط… وإجراءات دفاعية متأخرة

ما يربك إسرائيل اليوم ليس تعقيد هذا السلاح، بل بساطته. مسيّرة صغيرة تحمل شحنة محدودة، متصلة بكابل رفيع، لكنها قادرة على إصابة أهداف بدقة عالية، والعمل في بيئة مشبعة بالتشويش، والتنقل في تضاريس معقدة دون أن ترصد بسهولة، وفوق ذلك تصوير الحدث. هذه الخصائص تجعلها أداة فعالة في استهداف الجنود والآليات على حد سواء، خصوصاً في بيئة جنوب لبنان التي تقلص المسافات وتحد من زمن الاستجابة.

في المقابل، تبدو الإجراءات الدفاعية الإسرائيلية المتخذة حتى الآن وكأنها محاولة للحاق بالتهديد أكثر من كونها استجابة متكاملة له. أمام هذا التهديد، بدأ الجيش الإسرائيلي البحث عن حلول سريعة أقرب إلى التكيف الميداني منها إلى المعالجة الاستراتيجية. ظهور الشباك فوق الآليات والمواقع العسكرية لم يكن تفصيلاً شكلياً، بل مؤشر على محاولة خلق حاجز مادي يعيق المسيّرة أو يدفعها إلى الانفجار قبل إصابة الهدف. هذا النوع من الإجراءات يعكس إدراكاً متأخراً لطبيعة الخطر، لكنه في الوقت نفسه يكشف محدودية الخيارات المتاحة.

بالتوازي، برز اعتماد أكبر للجيش الإسرائيلي على المراقبة البصرية والإنذار القريب، مع نشر وسائل حماية إضافية حول نقاط التمركز، ومحاولات لتطوير أدوات اعتراض قصيرة المدى. ومع ذلك، تبقى هذه التدابير ذات طابع دفاعي ورد فعل أكثر منها حلولاً حاسمة.

حين تتحول الثغرة إلى معادلة

ما يجري في جنوب لبنان يتجاوز كونه تطوراً تقنياً عابراً، ليصل إلى مستوى إعادة تعريف قواعد الاشتباك. المسيّرات السلكية لم تسقط التفوق الإسرائيلي، لكنها كشفت حدوده، وأظهرت أن الاعتماد المفرط على أدوات بعينها قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يتغير شكل التهديد.

في الحروب الحديثة، لا ينتصر دائما من يمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدماً، بل من يعرف كيف يتجاوزها. وهذا بالضبط ما تفعله هذه المسيّرات، إذ لا تواجه القوة مباشرة، بل تلتف حولها، بخيط رفيع يعيد رسم ملامح المواجهة.

تعليقات: