
في أزمنة القلق، لا يُقاس الواقع بما يُقال على الشاشات، بل بما يُحضَّر في الخلف. الهدوء الذي يخيّم على المشهد ليس بالضرورة علامة طمأنينة، بل قد يكون نتيجة ترتيبات دقيقة تجري بعيدًا عن الضوء. لذلك، فإن الاكتفاء بصورة “المفاوضات” لا يكفي للحكم على اتجاه الأحداث، بقدر ما يستدعي التوقف عند ما يرافقها من مؤشرات ميدانية وسياسية.
المفارقة أن التفاوض، في مثل هذه اللحظات، لا يأتي بدل الاستعداد، بل يسير إلى جانبه. الدول لا تدخل طاولة الحوار من موقع ضعف، بل من موقع تسعى فيه إلى تحسين شروطها. ولهذا، فإن أي قراءة تختزل المشهد في خيار واحد - حرب أو سلام - تُفوّت التعقيد الحقيقي الذي يحكم سلوك الدول في أوقات الأزمات.
إذا اقتربنا أكثر من التفاصيل، يظهر أن ما يجري ليس اندفاعًا مباشرًا نحو مواجهة، ولا انسحابًا فعليًا منها. نحن أمام مشهد تتقاطع فيه معادلتان: الأولى تحاول تثبيت الردع ورفع كلفة أي تصعيد، والثانية تواصل بناء الجهوزية تحسبًا لأسوأ الاحتمالات. هذا التوازي لا يعني التناقض، بل يعكس طبيعة إدارة الصراع حين يبلغ مستوى حساسًا.
في هذا السياق، تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران محكومة بحدود دقيقة. لا واشنطن قادرة على تجاهل ما يمثله أمن الطاقة واستقرار مضيق هرمز، ولا طهران في وارد اختبار مواجهة مفتوحة لا يمكن ضبط تداعياتها.
فالخطاب الرسمي الأميركي، في أكثر من مناسبة، أعاد التأكيد على أن "حرية الملاحة في الممرات الدولية" تمثّل خطًا أحمر يرتبط مباشرة بالأمن القومي، فيما لم تُخفِ طهران، في المقابل، أن أمن الخليج والمضائق الحيوية يدخل ضمن معادلة الردع الخاصة بها، وأن أي تهديد سيُقابل برد.
وبين هذين الخطابين، يتضح أن التصعيد القائم ليس اندفاعًا نحو الحرب، بقدر ما هو محاولة مستمرة لإدارة حافة الانفجار دون السقوط فيها. ولعلّ ما يعزّز هذا الفهم، هو استمرار الحضور العسكري الأميركي الكثيف في الخليج، من قواعد بحرية وجوية، وتحريك وحدات قتالية بشكل مدروس، بما لا يوحي بانسحاب من المواجهة، ولا بإعلانها في الوقت نفسه. كلا الطرفين يرفع السقف، لكن من دون أن يدفع به إلى حد الانهيار.
وهنا تحديدًا يتسلل الشعور بالالتباس. فالمشهد لا يقدّم نفسه بوضوح: لا هو هدنة يمكن الاطمئنان إليها، ولا هو تصعيد مكتمل المعالم. الرسائل تُمرّر بطرق غير مباشرة، واستعراض القوة يتم بحساب، وكل خطوة تُوزن بدقة حتى لا تتحول إلى شرارة غير محسوبة.
من هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل ما نراه تمهيدٌ لحرب، أم محاولة لتفاديها؟
الإجابة لا تُختصر بنعم أو لا، لأن التجارب التاريخية نفسها لا تقدّم نموذجًا واحدًا. ففي أزمة الصواريخ الكوبية في 16 أكتوبر 1962 (عندما اكتشفت الولايات المتحدة وجود الصواريخ السوفياتية في كوبا) بلغ التصعيد ذروته، وترافقت القنوات الدبلوماسية مع أعلى درجات الجهوزية العسكرية، لكن النتيجة كانت تراجعًا متبادلًا حال دون الانفجار.
في المقابل، شكّلت مرحلة ما قبل حرب العراق 2003 مثالًا معاكسًا، حيث استمر المسار الدبلوماسي شكليًا، بينما كانت الاستعدادات العسكرية تمضي نحو قرار حسم لم يعد قابلًا للتراجع.
بين هذين النموذجين، يتحدد فهم اللحظة الراهنة: فالمؤشرات لا تسمح بالجزم بأننا أمام حرب مؤكدة، ولا تبرر الاطمئنان إلى سلام وشيك. بل نحن أمام وضع مفتوح على الاحتمالين، يتوقف مساره على كيفية إدارة التوازن، وحدود الخطأ في تقدير اللحظة.
الخلاصة أن المشكلة ليست في قراءة الاحتمالات، بل في تحويل أحدها إلى يقين. المنطقة لا تقف اليوم على عتبة حرب مؤكدة، ولا على أبواب تسوية ناضجة. ما نعيشه أقرب إلى توازن دقيق، يُختبر باستمرار، ويُعاد ضبطه مع كل إشارة.
في مثل هذا التوازن، لا يكون الهدوء ضمانة، لكنه أيضًا ليس إنذارًا نهائيًا. هو ببساطة… لحظة معلّقة، بين ما يمكن أن يحدث، وما يُبذل جهد كبير كي لا يحدث.
وبين هذا وذاك، لا تُكتب النهاية في التصريحات… بل في هامشٍ ضيّق، حيث يلتقي القرار بالخطأ.
مي حسين عبدالله
&&&
المراجع:
• Allison, Graham. Essence of Decision: Explaining the Cuban Missile Crisis. 1971.
• Kennedy, Robert F. Thirteen Days: A Memoir of the Cuban Missile Crisis. 1969.
• Woodward, Bob. Plan of Attack. 2004.
• تقارير CIA حول أسلحة الدمار الشامل في العراق (2004).
• تقارير الأمم المتحدة – Hans Blix (2002–2003).
&&&
#تحليل_سياسي
#العلاقات_الدولية
#إيران
#الولايات_المتحدة
#الشرق_الأوسط
الخيام | khiyam.com
تعليقات: