كامل جابر: من الخيام إلى الناقورة.. هذه نقاط توغل إسرائيل في جنوب لبنان

دبابة إسرائيل في منطقة قريبة من الحدود مع لبنان (ا ف ب)
دبابة إسرائيل في منطقة قريبة من الحدود مع لبنان (ا ف ب)


تشير المعطيات الميدانية إلى سيطرة شبه تامة للقوات الإسرائيلية على مجمل قرى الحافة الأمامية

ملخص

خلال الأسابيع الماضية مضت العملية البرية والتوغلات الإسرائيلية لتشمل عدداً كبيراً من قرى الحافة الأمامية وصولاً إلى السيطرة عليها أمنياً وعسكرية، ومعها أيضاً القرى الخلفية في النطاق الثاني والثالث على نحو الطيبة ودير سريان والقنطرة في قضاء مرجعيون، حيث تدور حالياً معارك بين القوات الإسرائيلية المتقدمة ومقاتلي "حزب الله".

خرج الاتفاق الأميركي - الإيراني لوقف إطلاق النار إلى العلن، وبقي لبنان محل تجاذب بين طهران التي تؤكد أن ما جرى الاتفاق عليه يشمل الجبهة اللبنانية، وواشنطن التي تجزم بالعكس، وبين هذا وذلك تواصل إسرائيل حربها الميدانية والنفسية من خلال تصريح عدد من المسؤولين الإسرائيليين أن الاتفاق لا يشمل جبهة لبنان، مثلما تواصل غاراتها وإنذاراتها وهدمها ونسفها للمباني والبنى التحتية في عدد من القرى الحدودية التي توغلت إليها خلال فترة الحرب هذه، وبخاصة قرى الحافة الأمامية، إذ تفيد المعلومات المتواترة من الحدود بقيام الجيش الإسرائيلي بتدمير مزيد من المباني، وآخرها بلدة الناقورة الساحلية المتاخمة للحدود حيث يقع المقر الرئيس لـ "قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان" (يونيفيل).

بدأت العملية البرية الإسرائيلية على لبنان منذ مطلع مارس (آذار) الماضي بعنوان تطهير منطقة جنوب نهر الليطاني من مقاتلي "حزب الله" والوصول إلى مجرى النهر، وقد أتى ذلك رسمياً على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إذ أعرب عن "عزم الجيش الإسرائيلي فرض سيطرته على مناطق واسعة في جنوب لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني"، يضاف إليه تأكيد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش "أننا ملتزمون بضمان أن تنتهي هذه الحرب ويكون نهر الليطاني هو خط الحدود الأمنية الجديد لإسرائيل، حدود تحمي من الخطر وتعيد الشعور بالأمان، وتتيح لأطفال الشمال أن ينشأوا من دون خوف"، فيما أعلن رئيس الأركان إيال زمير أن "نهر الليطاني هو الحد الأمني لإسرائيل".

إلى المنطقة العازلة درّ

خلال الأسابيع الماضية مضت العملية البرية والتوغلات الإسرائيلية لتشمل عدداً كبيراً من قرى الحافة الأمامية وصولاً إلى السيطرة عليها أمنياً وعسكرياً، ومعها أيضاً القرى الخلفية في النطاق الثاني والثالث على نحو الطيبة ودير سريان والقنطرة في قضاء مرجعيون، حيث تدور حالياً معارك بين القوات الإسرائيلية المتقدمة ومقاتلي "حزب الله"، وفي هذا الخضم، وبما يسمى الوقت الضائع بين تنفيذ قرارات وقف إطلاق النار الأميركية - الإيرانية والانتقال إلى مفاوضات مباشرة، وانتهاء الأسبوعين من الهدنة المعلنة، تطرح تساؤلات كثيرة في الداخل اللبناني، ومنها هل ستستمر بتوغلاتها وعملياتها العسكرية ضمن أجندة خاصة بها بمعزل عن أي اتفاق إقليمي؟ وماذا تكشف الخرائط؟

معطيات ميدانية

تشير المعطيات الميدانية في جنوب لبنان إلى سيطرة شبه تامة للقوات الإسرائيلية على مجمل قرى الحافة الأمامية والانتقال إلى عمق القرى الحدودية بما يصل في بعض المناطق إلى 10 كيلومترات في الداخل اللبنانية وتعميق توغلها وإن بشكل بطيء باتجاه نهر الليطاني.

على الخريطة يمكن تفصيل هذه المعطيات الميدانية بأنه في القطاع الشرقي، وتحديداً قضاء مرجعيون، فهناك بلدة الخيام الإستراتيجية التي يحتل الإسرائيليون نصفها تقريباً، إضافة إلى تل الحمامص ومزارع سرده والعمرة، أما كفركلا وعديسة ومركبا وحولا ورب ثلاثين وميس الجبل ومحيبيب وبليدا والطيبة ودير سريان والقنطرة، فهي بلدات مدمرة بصورة جزئية أو كاملة، وتتفاوت تحت السيطرة الإسرائيلية الأمنية والعسكرية.

وبالانتقال إلى قضاء بنت جبيل في القطاع الأوسط نجد أن الحدود اللبنانية عند بلدة عيترون تشهد توغلات برية وتحركات للدبابات الإسرائيلية، تتركز غالباً في المناطق الحدودية المتاخمة لبلدة يارون وسهل مارون الراس، وتتسم العمليات بتبادل إطلاق النار واستهدافات منازل ومحاولات تثبيت سيطرة ميدانية في محور المواجهة وسط رصد مشاهد لمعدات عسكرية عند الحدود، لكن التوغل البري في هذه المنطقة لم يحصل بصورة تامة بعد.

مارون الراس، البلدة الإستراتيجية، تعتبر حالياً خط مواجهة مباشراً وتشهد توغل معدات وجرافات عسكرية إسرائيلية، تتركز بصورة خاصة في سهل مارون الراس بين بلدتي يارون وعيترون، وتأتي هذه التحركات في إطار سعي القوات الإسرائيلية إلى تطويق بنت جبيل وسط اشتباكات ميدانية مستمرة مع مقاتلي "حزب الله"، وفقاً لمشاهد متداولة وشهادات ميدانية.

مدينة بنت جبيل والبلدات المجاورة

أما مدينة بنت جبيل التي لم يدخلها الجيش الإسرائيلي في الحرب الماضية فلا تزال تشهد اشتباكات من دون توغل بري إسرائيلي وقد نسفت إسرائيل عدداً من المباني القريبة منها، والواقع الميداني نفسه يسري على بلدة عيناثا جارة بنت جبيل، وفي المقابل شهدت يارون توغلاً برياً إسرائيلياً وعمليات عسكرية مكثفة، بما في ذلك قصف مدفعي وتفجير منازل، وبالنسبة إلى البلدات المسيحية الجنوبية، أي رميش ودبل وعين إبل، فهي بحكم الساقطة عسكرياً ولن تشهد اشتباكات عند دخول القوات الإسرائيلية براً.

ومن جهة أخرى توغلت القوات الإسرائيلية بالفعل في عيتا الشعب منذ أيام عدة، وتقوم بنسف ما بقي من منازلها بعدما تجاوز الهدم فيها خلال حرب عام 2024 الـ 70 في المئة، وقد توغلت أيضاً في بيت ليف ورامية والقوزح.

وأخيراً ننتقل إلى قضاء صور في القطاع الغربي، وهناك نبدأ مع بلدة شيحين التي تشهد عمليات عسكرية إسرائيلية مكثفة تشمل غارات جوية وتوغلات برية متقطعة، وهو الواقع الميداني نفسه الذي تشهده بلدات مروحين ويارين والبستان وطيرحرفا وعلما الشعب والضهيرة وشمع التي تبعد ما بين ستة وثمانية كيلومترات عن الحدود مع إسرائيل، وفيها قلعة قديمة صليبية.

أما المنطقة الساحلية بين البياضة، الواقعة داخل العمق اللبناني بنحو 10 كيلومترات، وبلدة شمع فتشهد تحركات دبابات إسرائيلية والسيطرة على نقاط تشرف على الطريق الرابط بين الناقورة وصور، ونختم مع الناقورة، التي تعد بوابة حدودية رئيسة، فقد تقدمت فيها قوات إسرائيلية تساندها دبابات وجرافات ووصلت إلى وسط البلدة وتقوم بهدم مبان فيها ونسفها.

إسرائيل لن تقبل الاتفاق

يطرح رئيس وفد لبنان السابق لمفاوضات الحدود البحرية العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني بسام ياسين جملة من أسئلة حول "هل ستقبل إسرائيل بعدما توغلت في جنوب لبنان أن تخرج بلا شروط؟ وإذا كانت ستقوم بصفقة فمع من؟ وهل هذه الصفقة مع إيران كي يجري انسحابها من الأراضي اللبنانية التي توغلت إليها أو مع لبنان؟"، مضيفاً "لم أصدق شخصياً الأصوات عن وقف إطلاق النار مع لبنان، وصدق حدسي أن إسرائيل لن تقبل بأن يشمل الاتفاق الجبهة اللبنانية والأجندة الإسرائيلية تختلف عن الأجندة الإيرانية والأميركية فالمشكلة كبير".

وقال العميد ياسين إنه "إذا استجابت إسرائيل لقرار وقف النار في لبنان فهل ستبقى في المنطقة المحتلة أو لا، فهناك جيوب أو قرى تشهد مواجهات في داخل المنطقة المحتلة، وهناك لم تنته المعارك وبخاصة مدينة بنت جبيل، فهل ستقدم إسرائيل على احتلال بنت جبيل أم ستبقى عند حدودها بانتظار تسوية سياسية؟ أيضاً هذا الأمر غير واضح".

ويتابع العميد ياسين "هل ستسمح إسرائيل لسكان المنطقة الحدودية وليس لسكان القرى الواقعة على حدود نهر الليطاني من شماله على نحو كفرتبنيت ويحمر وزوطر الشرقية وزوطر الغربية في قضاء النبطية بالعودة؟ إن صيغة وقف إطلاق النار بما خص لبنان ليست واضحة أبداً، وأفهم أن إيران إن لم تحصل عليها اعتداءات لن ترد، لكن إذا استمرت على لبنان من سيمنع ذلك؟ ولا شي يطمئن أن المعركة انتهت في الجنوب إلا إذا استكملت التسوية بصورة واضحة".

ويعتقد العميد ياسين أن "إسرائيل ستكمل مخططها بصورة عادية ويتابع جيشها تنظيف البقع التي يتوغل إليها أو يستهدفها، وسيكمل الحزب استهدافاته وتصدياته والنتيجة ستكون كأن لبنان لم يكن مشمولاً بالاتفاق، والأخطر من ذلك أن سلاح الجو الإسرائيلي تفرغ بكامله لجبهة لبنان، وبالنتيجة سيكون الخطر أكبر"، مردفاً أن "ما يعول عليه لبنان أن تضغط أميركا بقوة على إسرائيل كي تلتزم بوقف إطلاق النار في المنطقة برمتها، وتكون الأمور واضحة، وما هي الترتيبات التي تقع على كل طرف كي يقوم بها ليحافظ على وقف إطلاق النار؟ وهل سيكون هناك انسحاب أم لا؟ أو أن ثمة مفاوضات ستحصل مباشرة أو غير مباشرة مع الإسرائيلي من قبل الدولة، ويحضر فيها ممثل شيعي في وقت تحصل مفاوضات بين أميركا وإيران لمعالجة موضوع جبهة لبنان".

جيش يقاتل لوقت طويل

من جهته يقول العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني جان جبور إن "الجيش الإسرائيلي يمكنه المناورة بصورة سريعة وهذه من نقاط قوته، كما حصل في حروبه مع الدول العربية عام 1967 و1973 حين نقل الجهد بسرعة من جبهة سيناء (مصر) إلى جبهة الجولان (سوريا)، لمسافات طويلة وبسرعة بالغة جداً"، لكن من نقاط ضعف الجيش الإسرائيلي بحسب العميد جبور "أنه لا يحتمل الخسائر البشرية بسبب الضغط الذي يمارسه الجمهور الإسرائيلي على حكومته في حال وقوع خسائر كبيرة، ولا يمكنه القتال لوقت طويل"، مضيفاً أنه بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 تبدل كل شيء وصار الجيش الإسرائيلي يقاتل لفترات طويلة ومستمرة تصل إلى ثلاثة أعوام، وبات يتقبل الخسائر البشرية وفي الممتلكات والأبنية، يضاف إليها إمكان القتال على جبهات عدة في وقت واحد من غزة إلى لبنان واليمن والعراق ثم إلى إيران في الوقت نفسه، ولذلك فباعهم طويل في الحرب ولديهم القدرة على ذلك، بحسب قوله.

ويشير العميد جبور إلى أن "الجيش الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 استخدم جميع الوسائل التكنولوجية والمعلوماتية والمخابراتية والذكاء الاصطناعي في مواجهة 'حزب الله' وحقق كثيراً من الأهداف، مثل قتل أمينه العام حسن نصرالله والقيادات التي بعده ومثلما فعل أخيراً في إيران، وما تعلمناه سابقاً عن الجيش الإسرائيلي تبدل تماماً، فما بين حرب 2024 وحرب 2026 يجب أن ندرس العقيدة الحربية للجيش، ذات الأهداف السياسية التي يطمح إليها رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو".

إستراتيجيتا السحق والتدمير

وتحدث العميد جبور عن إستراتيجيتين يتبعهما الإسرائيلي في حروبه، الأولى السحق على نحو ما فعل في غزة بين 2023 و2024 تجاه حركة "حماس"، والثانية التدمير التي يتبعها في لبنان ضد "حزب الله"، وما يهمهم من ذلك، بحسب قوله، أشياء ثلاثة وهي اغتيال القيادات وتدمير مخازن الذخيرة وقطع طرق التموين والتمويل والإمدادات المالية والاقتصادية والذخائر ومنها الصواريخ، وكل هذا التدمير لم يتخذ طابع السحق مع العلم أن إسرائيل في الحالين تستخدم الوسائل ذاتها والقوات عينها والأساليب نفسها تجاه الحركة وتجاه الحزب.

وعن نية الإسرائيليين خلال المرحلة المقبلة يجيب العميد جبور أن "تل أبيب دمرت كثيراً من مخازن السلاح على مستوى لبنان ودمرت طرق التموين من سوريا مع انعدام الطرق البحرية، وقطعت أوصال التمويل المالي، وبقي لدى الحزب بعض المنافذ المالية التي لم تقفل بعد، وهي تسعى إلى تدمير الحزب وليس سحقه، فهي لا ترغب أصلاً بقيام دولة قوية في لبنان تكون فيها حكومة موحدة، بل يرضيها أن يبقى لبنان بهذا الوضع المهزوز، ولا نعلم متى تحصل فيه حرب أهلية".

في سبيل منطقة عازلة

ويرى العميد جبور أن "التوغلات البرية التي قوم بها القوات الإسرائيلية حالياً تهدف إلى تعزيز المنطقة العازلة قرب الحدود فقط لا غير، وهذا المشروع بدأ منذ عام 2023 وجرى وضعه على نار حامية خلال الحرب الماضية التي بدأت في سبتمبر (أيلول) 2024، وهم لا يريدون أكثر من المنطقة العازلة التي قدّرتها في حرب 2024 بنحو خمسة كيلومترات عرضاً، تمتد من الناقورة غرباً وصولاً إلى القطاع الشرقي، وهي تشبه المنطقة العازلة في الجولان".

ويرى العميد جبور أن "الأميركيين لا يعنيهم كثيراً ما يحصل على الجبهة اللبنانية، وما يهمهم من حرب إيران هي الصين، فإسرائيل لها اليد العليا في لبنان وهي التي تحتل وهي القوية وهي التي تثبت نفسها، وهي من يحتل هذه المناطق في جنوب لبنان وستقوم بترتيبات مع بيروت، ومنها منع المسلحين من الوصول إلى جنوب الليطاني.

خريطة تُظهر بلدات في جنوب لبنان تحاول إسرائيل التوغّل إليها بريًا أو دخلت إليها
خريطة تُظهر بلدات في جنوب لبنان تحاول إسرائيل التوغّل إليها بريًا أو دخلت إليها


إسرائيل تقدمت في العملية البرية جنوب لبنان من القطاع الثلاثة، الشرقي الأوسط والغربي (اندبندنت عربية)​​​​​​​
إسرائيل تقدمت في العملية البرية جنوب لبنان من القطاع الثلاثة، الشرقي الأوسط والغربي (اندبندنت عربية)​​​​​​​


غارات إسرائيلية على بلدة الخيام جنوب لبنان (ا ف ب)
غارات إسرائيلية على بلدة الخيام جنوب لبنان (ا ف ب)


تعليقات: