إسرائيل وتضارُب المواقف: نزع السلاح صعب.. إحراق الجنوب أسهل!

المعنى العملي لهذا التوجه أن تل أبيب تحاول نقل لبنان من خانة الجبهة المساندة إلى خانة الساحة المتروكة
المعنى العملي لهذا التوجه أن تل أبيب تحاول نقل لبنان من خانة الجبهة المساندة إلى خانة الساحة المتروكة


حملت التّقارير المكثّفة التي جرى تسريبها من إسرائيل اليوم، حول لبنان، إصرارًا حاسمًا على فكّ الارتباط بين جبهة إيران وجبهة لبنان. معنى ذلك أنّ أيّ وقفٍ للنّار مع طهران، إذا حدث، لن يشمل بيروت، وأنّ إسرائيل في صدد الاستفراد بالسّاحة اللّبنانيّة لتنفيذ أجندتها عسكريًّا وسياسيًّا، بعيدًا من مظلّة التّسويات الإقليميّة الكبرى. وفي اليومين الأخيرين، كرّر الإسرائيليّون تهديدهم باغتيال الأمين العامّ لحزب الله الشّيخ نعيم قاسم، بهدف شلّ الهرم القياديّ في الحزب، فيما ملاحقة كوادره تتمّ بشكلٍ حثيث، من الجنوب إلى العاصمة فالبقاع.

وتتطابق تصريحات وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس في هذا الشّأن مع الضّغط الميدانيّ لإخلاء مناطق جديدة، بهدف تكريس "نموذج رفح وخان يونس" في الجنوب اللّبنانيّ. والحديث عن تدمير المنازل في العشرات من قرى الحافّة الأماميّة وتحويل المنطقة خاليةً من السّكّان، هو في الحقيقة إعلانٌ عن تحويل جزءٍ من لبنان إلى أرضٍ محروقة ومعزولة ديموغرافيًّا. فالسّيطرة على اللّيطاني ومنع عودة 600 ألف نازح سيقودان إلى نكبةٍ جغرافيّة تجعل من المنطقة العازلة واقعًا جيوسياسيًّا دائمًا على الأرجح.

ومرّةً أخرى، تجاوزت تهديدات إسرائيل حزب الله لتشمل كيان الدّولة اللّبنانيّة مباشرةً، بتخييرها بين أمرين شبه انتحاريّين: إمّا المواجهة الدّاخليّة مع الحزب، وإمّا أن تتحمّل ضربات إسرائيل على البلد ككلّ. والأخطر هو ما جرى تسريبه عبر "هآرتس" عن أنّ الجيش الإسرائيليّ لن ينجح في تجريد حزب الله من سلاحه إلّا باحتلالٍ كاملٍ للبنان. وهذا التّسريب يحمل مغازي خبيثة لا يمكن تقدير أبعادها. ويجري ذلك بالتّوازي مع مشروع إبادة القرى في عمقٍ قد يصل إلى اللّيطاني، في عمليّة بترٍ جغرافيّ وديموغرافيّ تهدف إلى رسم حدودٍ جديدة. ويتمّ استخدام تكتيك "التدرّج" لهذه الغاية، بحيث يبدأ الأمر بإخلاء القرى الشّيعيّة، ثمّ القرى المسيحيّة، لينتهي بفرض الواقع الجديد.

من فكّ الارتباط إلى فرض العزل

ما يتسرّب من المؤسّسة الإسرائيليّة لا يقرأ بوصفه مجرّد تهويلٍ حربيّ، بل كإعلان نيّات سياسيّ مكتمل العناصر. إسرائيل لا تريد للبنان أن يكون جزءًا من أيّ تسويةٍ كبرى، بل ساحةً منفصلةً تدار بالنّار والضّغط والتّفكيك الممنهج. وهي، في هذا المسار، لا تكتفي بمحاولة ضرب حزب الله، بل تعمل على إعادة تعريف الجنوب اللّبنانيّ بوصفه حزامًا منزوع الحياة، منزوع السّكّان، ومفتوحًا على معادلة أمنيّة جديدة تكتب بالقوّة.

المعنى العمليّ لهذا التوجّه أنّ تل أبيب تحاول نقل لبنان من خانة "الجبهة المساندة" إلى خانة "السّاحة المتروكة". أي ساحةٍ يمكن استفرادها عسكريًّا، ثمّ ابتزازها سياسيًّا، ثمّ تحميل الدّولة نفسها كلفة المواجهة ونتائجها. هنا يصبح التّهديد باغتيال القيادة، وتوسيع بنك الأهداف، وإخلاء القرى، حلقاتٍ في مشروعٍ واحد لا في إجراءاتٍ منفصلة.

المنطقة الأمنيّة: مشروع اقتلاع لا دفاع

التّقديرات التي نقلتها وسائل الإعلام الإسرائيليّة عن الجيش لا تخفي جوهر الخطّة، بل تكشفه بوضوحٍ فاقع. الحديث لم يعد عن عمليّات محدودة، بل عن إنشاء "حيّز أمنيّ واسع" جنوب اللّيطاني، وعن منع عودة السّكّان، وعن تدمير خطّ القرى الأوّل المقابل للحدود. وهذا ليس توصيفًا عسكريًّا محايدًا، بل بيان سياسيّ صريح عن مشروع اقتلاعٍ جماعيّ وإعادة هندسةٍ للجغرافيا البشريّة.

ووفق ما نقل عن ضابطٍ إسرائيليّ رفيع، فإنّ إسرائيل "لا تسعى إلى نزع سلاح حزب الله كهدفٍ مركزيّ"، بل إلى نزع السّلاح جنوب نهر اللّيطاني، وإنشاء منطقةٍ أمنيّة، وتعميق السّيطرة في جنوب لبنان، مع إبقاء الجهد الرّئيسيّ موجّهًا ضدّ إيران. في هذه الصّياغة اعترافٌ مزدوج: اعترافٌ بأنّ نزع سلاح الحزب بالكامل غير واقعيّ في المرحلة الرّاهنة، واعترافٌ بأنّ الهدف الفعليّ هو فرض شريطٍ أمنيّ جديد بأسماءٍ جديدة وأدواتٍ جديدة.

الأخطر أنّ هذا "الحيّز الأمنيّ" لا يقدّم كإجراءٍ موقّت، بل كنموذجٍ مرنٍ ومتحرّك، أي كاحتلالٍ منخفض الكلفة وعالي الفعاليّة، لا يعتمد على الثّكنات الثّابتة بقدر ما يعتمد على النّار، والمراقبة، والتوغّل، ومنع الحياة الطبيعيّة من العودة.

اعترافٌ إسرائيليّ بالعجز الكامل

حين يقول الضّابط الإسرائيليّ إنّ نزع سلاح حزب الله بالكامل "يتطلّب احتلال لبنان بأكمله وتطهير كامل أراضيه، وحتى في هذه الحالة لن نصل إلى الحسم النّهائيّ"، فهذه ليست ملاحظةً تقنيّة، بل اعترافٌ استراتيجيّ بالعجز. فإسرائيل، التي ترفع سقف تهديداتها إلى الحدّ الأقصى، تعود في الوقت نفسه لتقرّ بأنّ الحسم الكامل مستحيل، وأنّ أقصى ما تريده هو تقليص الخطر، وإعادة رسم خطّ تماسّ جديد، وشراء أمنٍ مؤقّت عبر تدمير البيئة الحدوديّة.

هذا الاعتراف يفضح جوهر الرّواية الإسرائيليّة. فالمسألة ليست "نزع سلاح" بقدر ما هي "نزع مجتمع". وليست "إزالة تهديد" بقدر ما هي إزالة قرى، وطرق، ومنازل، وشروط حياة، بحيث يتحوّل الجنوب إلى منطقةٍ مطهّرة ديموغرافيًّا، لا إلى منطقةٍ مستقرّة أمنيًّا.

عين إبل: نموذج القرية المحاصرة

في هذا السّياق، لا يبدو إنذار جيش الاحتلال إلى سكّان قرية عين إبل حدثًا معزولًا، بل جزءًا من معركةٍ أوسع لمحاصرة بنت جبيل والضغط على القرى المسيحيّة الحدوديّة، بعد القرى الشّيعيّة، ضمن منطق "التدرّج" نفسه. وبحسب شهود عيان، طلب الإسرائيليّون إخلاء الجزء الشّماليّ من القرية، وتحديدًا المنطقة الممتدّة من حيّ كنيسة مار إلياس صعودًا إلى المنطقة المطلّة على بنت جبيل ويارون، على أن ينتقل السّكّان إلى الجزء الجنوبيّ الممتدّ من كنيسة السّيّدة وصولًا إلى رميش.

هذه ليست مجرّد إعادة انتشارٍ سكّانيّ داخل قرية، بل خطوة تكتيكيّة تدار بالنّار من أجل خنق المجال الحيويّ للبلدة، وعزلها، ودفعها إلى حالة استنزافٍ بطيء. وهو ما يجعل من عين إبل، سياسيًّا، عنوانًا مكثّفًا لفكرة الجنوب الذي يراد له أن يفرّغ بالتّدريج لا بالصدمة فقط.

رئيس بلديّة عين إبل أيّوب خريش أكّد، وهو المنهك في تأمين انتقال السّكّان إلى مناطق أكثر أمانًا داخل البلدة، أنّ البلديّة كانت قد أخذت في الحسبان احتمال تدهور الأوضاع العسكريّة، وحدّدت مسبقًا بيوتًا آمنة يمكن أن يلجأ إليها الأهالي، وقد جرى بالفعل تأمين من بقي في القرية داخلها.

وبحسب إفاداتٍ من أبناء البلدة، فإنّ نحو 400 عائلة لا تزال تعيش في عين إبل، وترفض النزوح إلى بيروت أو ترك أرضها ومصدر رزقها. هذا القرار لا يقرأ فقط باعتباره موقفًا عاطفيًّا، بل باعتباره ردًّا سياسيًّا وأخلاقيًّا على مشروع الاقتلاع. فالسّكّان هنا لا يدافعون عن حجارةٍ وأرزاقٍ فحسب، بل عن معنى البقاء في البلد حين يصبح التهجير هو السّياسة الفعليّة للحرب.

وأشار الأهالي إلى أنّ التّضييق الإسرائيليّ بدأ قبل نحو أسبوع، حين استهدف منزلٌ في الجهة المطلّة على قرية حانين، ونجت العائلة من الإصابة، ما دفع نحو 15 عائلة إلى الانتقال إلى الأحياء الدّاخليّة.

"لن نموت من الجوع" بل من خسارة الوطن

منذ انسحاب الجيش اللّبنانيّ في بداية الأسبوع الحاليّ، أقفلت الطّريق المؤدّية إلى القرية، غير أنّ الطّبابة العسكريّة بقيت تدير المستوصف، كما بقي بعض العسكريّين من أبناء البلدة، وكذلك عناصر من قوى الأمن الدّاخليّ في المخفر. ومع ذلك، توقّف تدفّق المساعدات العينيّة.

لكنّ أهالي عين إبل لا يطلبون، كما يقولون، "إعاشات" بقدر ما يطلبون حقّ البقاء. لديهم موادّ غذائيّة تكفي لشهرٍ ونصف، ولا يخشون الجوع بقدر ما يخشون خسارة المكان. وهذا الفارق شديد الدّلالة: حين يصبح البقاء في البلدة مرادفًا للبقاء في الوطن، تتحوّل الحرب من معركة حدود إلى معركة اقتلاع هويّة.

وقد أوضح شهود عيان أنّ بعض العائلات التي تضمّ مرضى بأمراضٍ مزمنة كانت ترفض النّزوح إلى بيروت لعدم امتلاكها بيوتًا أو أقارب هناك، كما أنّها لا تريد اللّجوء إلى مراكز الإيواء. إلّا أنّ الخشية من نفاد الدّواء دفعت إلى طلب مواكبة الصّليب الأحمر الدّوليّ لنقل بعض الحالات إلى العاصمة.

بالتّوازي، تحدّث الأهالي عن اتّصالاتٍ تجرى مع "اليونيفيل" ومع مسؤولين لبنانيّين ودوليّين لتجنيب القرية الاجتياح البرّي. وغالبيّة العائلات، كما يؤكّدون، ما زالت تفضّل البقاء في القرية وترفض التخلّي عن أرضها. هذه الصّورة تعني شيئًا أساسيًّا: أنّ إسرائيل لا تواجه فقط جبهةً عسكريّة، بل تواجه أيضًا مجتمعًا يرفض أن يتحوّل إلى لاجئٍ داخليّ دائم في بلده.

من اللّيطاني إلى الأوّلي

في موازاة ذلك، خصّص الإعلام الإسرائيليّ مساحةً واسعةً لعرض تصوّرات الجيش للمرحلة المقبلة. وتحدّثت تقارير عبريّة عن منطقةٍ أمنيّة بعمق عدّة كيلومترات، وعن استكمال السّيطرة على الخطّين الثّاني والثّالث من القرى، وعن إزالة "التّهديد المباشر" عن المستوطنات الشّماليّة عبر خلق عمقٍ أمنيّ قد يبلغ نحو ثمانية كيلومترات، مع السّيطرة على مناطق حاكمة بالنّيران والمراقبة.

وبحسب هذه المقاربة، لم يعد خطّ اللّيطاني، بالنسبة إلى بعض الأصوات العسكريّة الإسرائيليّة، خطًّا كافيًا أو "ذي صلة"، بل يجري التّفكير بخطٍّ جديدٍ أبعد، يصل في بعض الطّروحات إلى نهر الأوّلي. وهذا التبديل في الخطوط ليس تفصيلًا ميدانيًّا، بل إعلانًا عن طموحٍ لتعديل الوقائع الحدوديّة بالقوّة، وإعادة تعريف الأمن الإسرائيليّ على حساب السّيادة اللّبنانيّة والجغرافيا اللّبنانيّة معًا.

تصعيدٌ جنوبًا تحت عنوان "مراجعة الجداول"

على المستوى الميدانيّ، أفادت القناة 12 الإسرائيليّة بأنّ شمال إسرائيل يواجه إطلاق نارٍ متواصلًا من لبنان، وبأنّ حزب الله أطلق خلال عطلة عيد الفصح وحدها نحو 150 صاروخًا باتّجاه المستوطنات، ما فرض على عددٍ كبيرٍ من السّكّان تمضية فتراتٍ طويلة داخل الملاجئ. وفي هذا الإطار، تحدّثت القناة عن دراسةٍ داخل الجيش لتسريع وتيرة العمليّات في جنوب لبنان، بالتّوازي مع استكمال تمركز القوّات على ما يعرف بـ"خطّ الصّواريخ المضادّة للدبّابات"، الذي يبعد عشرة كيلومترات على الأقلّ عن الحدود.

كما أشارت التّقارير إلى زيارة قائد سلاح الجوّ الإسرائيليّ قيادة المنطقة الشّماليّة لبحث دعم القوّات المتقدّمة، مع قرارٍ بتعزيز منظومة "القبّة الحديديّة" قرب هذه القوّات، خصوصًا أنّ جانبًا من عمليّات الإطلاق يستهدف الوحدات المنتشرة في جنوب لبنان.

وفي المقابل، يقرّ الإسرائيليّون بأنّ جنودهم يواجهون تهديدًا متزايدًا من مسيّراتٍ صغيرة مفخّخة تعمل عبر أليافٍ بصريّة، بما يجعل التّشويش عليها أكثر صعوبة. وهذا بدوره يكشف أنّ المعركة لا تتّجه إلى حسمٍ قريب، بل إلى مزيدٍ من الاستنزاف المتبادل في بيئةٍ ميدانيّة معقّدة.

ما تريده إسرائيل فعلًا

خلاصة المشهد أنّ إسرائيل لا تبدو في وارد وقف الحرب على لبنان بالمعنى السّياسيّ، حتّى لو انفتح الباب أمام تفاهماتٍ أوسع في الإقليم. ما تريده، على الأرجح، هو انتزاع لبنان من أيّ سلّة تفاوضيّة، وإخضاعه لمسارٍ منفصل قوامه التّهديد، والتّفريغ السّكّانيّ، والضّغط على الدّولة، وتفكيك البيئة الحدوديّة، ومحاولة فرض "منطقة أمنيّة" لا تحمل اسم الاحتلال القديم، لكنّها تنتج مفاعيله نفسها.

إنّها، ببساطة، حربٌ على الجغرافيا والدّيموغرافيا والكيان، لا على حزب الله وحده. ولذلك، فإنّ ما يجري في الجنوب ليس مجرّد معركة حدود، بل محاولة لإعادة كتابة لبنان من حافّته الجنوبيّة، بالنّار، وبالفراغ، وبالخرائط التي تريدها إسرائيل لا الخرائط التي يعترف بها القانون والتّاريخ.

تعليقات: