
كل نازح متهم بأنه مقاتل مندس في البيئات الآمنة حتى يثبت العكس (Getty)
البلد يعيش على خيط طائفي رفيع ومشدود إلى الآخر، تحتل فيه قضية النازحين الفارين من شرارة الحرب صدارة المشهد. ويكفي تتبع وسائل التواصل الاجتماعي ومطولات الصحف والمؤثرين والمحرضين من جانبي المتصارعين، لمعرفة مدى حدّة الانقسام العامودي الذي يعيشه لبنان منذ بداية الشهر الجاري.
صحيح أن النزوح، يثير مخاوف جماعات لبنانية عدّة جراء الاستهدافات الإسرائيلية، إلا أن طرفي الانقسام اللبناني يتاجران بقضية النازحين لغايات سياسية. فترى في هذا الطرف من يخّوف النازحين من الآخر الذي يريد قتل كل الشيعة، بغية شدّ عصب جماعته، وترى الطرف المقابل الذي يستغل الاستهدافات الإسرائيلية ويصوّب على خصمه السياسي، مستغلاً النازحين للتضييق عليهم ومحاصرتهم كبيئة "موبوءة" باستجلاب القتل والدمار إلى مناطقهم "الآمنة".
كل نازح صاروخ محتمل
مع دخول الحرب أسبوعها الرابع باتت أزمة النزوح خطيرة للغاية، فليس تفصيلاً أن يختار مئات النازحين البقاء في الشارع على النزوح إلى مراكز إيواء بعيدة عن "بيئتهم الحاضنة". وفي ظل الحساسيات المفرطة والكره المتبادل للعصبيات المستنفرة، لم يعد النزوح مجرّد انتقال من مكان إلى آخر هرباً من نار الحرب، بل صار انتقالًا داخل شبكة معقّدة من القلق وسوء الظن والحسابات الأمنية.
في بلد يعيش نزوحًا يتجاوز المليون شخص، تتوزّع مسارات الناس بين من استأجر منزلًا مؤقتًا، ومن لجأ إلى منزل يملكه في منطقة أخرى، ومن احتمى بمنازل أقربائه أو بمراكز الإيواء. وبينهم جميعاً من لا يزال يبحث عن سقف يأويه. وبين هذه الخيارات كلّها، تحوّل البحث عن منزل إلى اختبار يومي مزدوج: اختبار القدرة على الدفع، واختبار القدرة على المرور من غربال الشكّ من "وصمة" النزوح التي تستجلب الاستهدافات الإسرائيلية. إذ بات كل نازح متهم بـ"الاندساس" (مقاتلون وقادة تلاحقهم المسيّرات الإسرائيلية) في البيئات الآمنة حتى يثبت العكس.
خطر كامن يستدعي القلق
في الأثناء دخل سوق الإيجارات مرحلة أكثر قسوة وتعقيدًا من أي يوم مضى. لم يعد السؤال الأول الذي يطرحه المالك عن مساحة الشقة أو بدل الإيجار، ولا حتى عن عدد أفراد العائلة، بل صار السؤال المباشر: "شيعي؟". ولم يعد الأمر يقتصر على ارتفاع بدلات الإيجار أو الشروط القاسية، بل تجاوز ذلك إلى طلبات إخلاء طالت مستأجرين في مناطق كانت تُصنَّف حتى وقت قريب "آمنة"، قبل أن تمتدّ إليها الاستهدافات الإسرائيلية. فصار بعض السكان يخشون من "هوية" المستأجر بقدر ما يخشون من الصاروخ نفسه.
في مدينة صوفر مثلًا، كان جميل قد استأجر منزلًا قبل توسّع دائرة الاستهدافات. لكن مع بدء الغارات التي طالت أبنية سكنية في أكثر من منطقة، طلبت منه مالكة الشقة تسليم المفاتيح ومغادرتها، من دون مبرّرات واضحة سوى القلق المتزايد من احتمال انتقال الخطر إلى الحي. حالة جميل ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات الحالات التي ظهرت في الأيام الأخيرة، حيث تحوّل عقد الإيجار إلى اتفاق هشّ يمكن أن يسقط عند أول إشارة خوف.
في موازاة ذلك، باتت بعض الأسئلة تتكرّر في سوق الإيجارات قبل أي تفصيل آخر. يروي نازحون أن سماسرة صاروا يسألون مباشرة: "شيعي؟ في محجّبات؟". سؤال يرتبط بتقدير مسبق لمستوى "الخطر المحتمل". فوجود نساء محجّبات داخل العائلة يُفسَّر لدى بعض المالكين والسماسرة على أنه مؤشر إلى التزام ديني أو سياسي معيّن، وبالتالي احتمال أكبر للاستهداف.
ليغادر الشيعة المكان!
هذا التحوّل في "ملاحقة النازحين" يأتي في سياق الحرب، وتوسّع الاستهدافات الإسرائيلية لتشمل أحياء مدنية مكتظّة مثل عائشة بكار، البسطة، برج حمود، والرملة البيضاء، وبعبدا، والحازمية، عرمون، بشامون تحت ذريعة ملاحقة عناصر محدّدين، وارتفع منسوب القلق داخل الأحياء السكنية. صار وصول أي وافد جديد إلى البناء يُقرأ أحيانًا كاحتمال خطر، لا كحالة نزوح تستوجب التضامن.
يبدو "الخوف" من النازحين مفهومًا إلى حدّ ما. فالقصف لم يعد محصورًا بجغرافيا محدّدة، ولا ببيئات معروفة سلفًا بأنها مستهدفة. بل توسّعت الدائرة، ومعها توسّع القلق. وبدأت تظهر إجراءات وقرارات و"مواقف" وُصفت في بعض المناطق بأنها أكثر صرامة بعد اتساع رقعة الاستهدافات. ففي الحازمية مثلًا، وبعد الغارة التي طالت المنطقة، أعلن رئيس البلدية، جان الأسمر أن إجراءات إضافية ستُتخذ على مستوى التدقيق بالنازحين. بالتوازي، انتشرت تصريحات ومواقف متشدّدة على وسائل التواصل وبين بعض السكان، وصلت في بعض الحالات إلى عبارات صادمة من نوع: "ليغادر الشيعة كلهم"، وهو خطاب يعكس حجم الخوف بقدر ما يكشف خطورة الانزلاق نحو تعميم جماعي خطير.
المشهد نفسه تكرّر، بطريقة مختلفة، في ساحل علما بعد سقوط صاروخ اعتراضي في المنطقة، وما تبعه من انتشار فيديوهات توثّق توتّرًا في الشارع وألفاظًا استفزازية من نوع: "يا مارك، شفلي هيدا من وين". واتخذت بلدية جونية إجراءات جديدة بإقامة حاجز للشرطة البلدية، حيث يقف رجال بلباس أسود ويطلبون من المارة هوياتهم. هذه اللحظات المصوّرة عكست هشاشة المزاج العام تحت ضغط الحرب، وكيف يمكن للخوف أن يتحوّل سريعًا إلى لغة فرز بين الناس بدل أن يكون دافعًا للتضامن.
محاولات خجولة لتهدئة النفوس
في مقابل هذه المشاهد المتوترة، برزت أيضًا أصوات معاكسة تحاول كسر منطق الشك. فقد ظهرت سيدة في أحد الفيديوهات نفسها تقول: "أنا مسيحية، ومش هيك تربّينا. ما يحصل هو لإحداث فتنة، ومن الضروري أن نكون يدًا واحدة ضد الحرب الأهلية التي تقتلنا". كلام كهذا يعكس وجهًا آخر من المجتمع، وجهًا يدرك أن أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب اليوم ليس فقط القصف، بل قدرتها على إدخال الناس في مواجهة بعضهم البعض. لكن هذه الأصوات "العاقلة" باتت خجولة ولا تؤثر في سياق الانقسام المجتمعي الحاد.
الخيام | khiyam.com
تعليقات: