
يُقتل الصحفي لتبقى الحقيقة بلا شاهد ويقتل المسعف لأن المراد هو الموت وليس الحياة
هل أصبح استهداف الإعلاميين والمسعفين هدفًا مشروعًا؟
أم أننا أمام جريمةٍ تُرتكب علنًا… ولا يُقابلها سوى استنكارٍ لرفع العتب؟
لماذا قُتلت فاطمة فتوني وعلي شعيب .... لماذا قتل حسن درويش وعادل قدوح … وغيرهم ممن لم يحملوا سلاحًا، بل حملوا كاميرا أو حقيبة إسعاف؟
هل بات كل من يقول: “أنا شاهد”… أو “أنا منقذ”… هدفًا للاغتيال؟
القانون الدولي لم يترك هذا الأمر للاجتهاد. فقد كرّست اتفاقيات جنيف لعام 1949 مبدأ حماية المدنيين، ومن بينهم الإعلاميون، ومنحت الطواقم الطبية والمسعفين حماية خاصة، لأنهم لا يشاركون في القتال، بل يعملون على نقل الحقيقة أو إنقاذ الحياة. كما نصّ البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، ولا سيما المادة 79، على اعتبار الصحفيين مدنيين يجب حمايتهم. وعليه، فإن استهداف هذه الفئات حين يكون متعمّدًا، لا يُصنَّف كخطأ أو ضرر جانبي… بل يُعدّ جريمة حرب، وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
لكن السؤال الأخطر ليس في النصوص… بل في ما بعدها. فالدول، بموجب اتفاقيات جنيف، ملزمة ليس فقط بالامتناع عن الانتهاك، بل بضمان احترام هذه القواعد. أي أن الاكتفاء بالاستنكار لا يُعدّ حيادًا، بل تقاعسًا عن واجب قانوني واضح.
حين يُقال إن تكرار الاعتداءات لا يستدعي تكرار الشكوى، فنحن لا نكون أمام واقعية سياسية، بل أمام تخلٍّ صريح عن وظيفة الدولة. فالجريمة حين تتكرر، لا تُخفَّف… بل تصبح أكثر استحقاقًا للملاحقة.
قانونيًا، المسارات واضحة:
الشكوى أمام مجلس الأمن،
الدعاوى أمام محكمة العدل الدولية،
والملاحقات عبر المحكمة الجنائية الدولية،
إضافة إلى مبدأ الاختصاص العالمي.
لكن هذه الأدوات تبقى معلّقة… لا لغيابها، بل لغياب الإرادة في استخدامها.
وحين يُستهدف من ينقل الحقيقة ومن ينقذ الحياة، لا نكون أمام خرقٍ للقانون فقط… بل أمام إعلانٍ صريح بأن لا قانون يُراد له أن يُطبَّق.
يُقتل الصحفي لتبقى الحقيقة بلا شاهد ويقتل المسعف لأن المراد هو الموت وليس الحياة.
نعزّي أهالي الشهداء علي شعيب وفاطمة فتوني، ومن قبلهم محمد شري وغيرهم… كما نعزّي الجسم الإعلامي والطبي باستشهاد هؤلاء الذين اختاروا أن يؤدّوا دورهم تحت كل المخاطر، في سبيل موقف الحق… الحقيقة… والإنقاذ.
ونحن لا نرى في دمهم نهاية… بل بداية معنى.
نؤمن أن هذه الدماء الزكية ستزهر نصرًا وعدلًا واقتصاصًا من كل معتدٍ، ومن كل من تقاعس حين كان عليه أن يتحرّك.
ويبقى السؤال:
من يحمي الحقيقة… حين يصبح حاملوها هم الهدف؟
الخيام | khiyam.com
تعليقات: