الشاعرة هدى صادق: دماء الشهداء تروى الأرض زهرا في بث مباشر لا يتوقف


الخوف لا يسكن فوهة البندقية فقط ولا يرتجف عند حافة المواجهة بل يختبئ في تلك المسافة الصامتة بين الحقيقة ومن يجرؤ على قولها هناك حيث يقف الصحافي أعزل إلا من صوته حاملاً كاميرته كمرآة لا تعرف المجاملة وميكروفونه كنافذة تُفتح رغم كل الجدران

اغتيال الصحافيين ليس جريمة ضد أجسادهم وحدها بل هو محاولة فاشلة لاغتيال المعنى نفسه محاولة لدفن الضوء تحت ركام الخوف فالعدو لا يخشى الرصاص بقدر ما يخشى أن يُرى أن يُسمّى أن يُكشف عارياً أمام العالم يخاف من عين لا تنام من عدسة لا ترتعش من كلمة إذا خرجت لا تعود

إنهم يدركون أن الحقيقة حين تُنقل كما هي بلا زيف ولا رتوش تتحول إلى قوة لا تُقهر لذا يسعون إلى إسكات الصوت لا لأن الصوت ضعيف بل لأنه صادق والصوت الصادق أكثر فتكاً من أي سلاح لأنه يوقظ الضمير والضمير حين يستيقظ يهدم عروش الكذب

كل صحافي يُغتال يظنون أنهم أطفؤوا شمعة لكنهم في الحقيقة يشعلون ألف سؤال وفي كل كاميرا تُكسر تولد عيون أكثر لأن الحقيقة لا تموت بموت ناقلها بل تتكاثر تنتشر كالنور في الشقوق كالماء في التراب تجد طريقها رغم كل الحواجز

الخوف الحقيقي إذن ليس من الموت بل من الحياة حين تُروى كما هي من لحظة تتجرد فيها الوقائع من الأقنعة ويقف العالم وجهاً لوجه أمام ما يحاولون طمسه هناك فقط يُهزم العدو لا بالرصاص بل بالكلمة التي نجت بالصورة التي وصلت وبالحقيقة التي رفضت أن تُدفن

أما في الجهة الأخرى فإن دماءُ الصحافيينَ الشهداءِ تروي الأرضَ زهرًا وتكتبُ بالحقِّ حكايةً لا تموت

ذاك المايكروفون الذى أخافهم يبقي حتى بعد موت صاحبه ينقل الحدث

وتلك الكاميرا تبقي تبث الخبر مباشرا حتى وان كسر زجاجها

وسقطت من أيد ترفع راية النصر

بقلمى إبنة الخيام هدى صادق

تعليقات: