العرقوب بين ذاكرة التضحيات وضرورة حماية الحاضر


من العرقوب، من هذه الأرض التي لم تكن يوماً على هامش الوطن، بل في قلب معاناته وكرامته، نكتب اليوم موقفاً مسؤولاً ينبع من تاريخٍ طويل من التضحيات، ومن حرصٍ أكبر على ما تبقّى من أهلنا وأرضنا.

لقد كان العرقوب، (شبعا، الهبارية، كفرشوبا، كفرحمام، راشيا الفخار والفرديس والماري) وسائر القرى في قضاء حاصبيا، في طليعة من احتضن القضية الفلسطينية، ودافع عن حدود لبنان، وقدم الشهداء والأسرى، ولم يساوم يوماً على سيادة الوطن أو كرامته ولا نقبل المزايدة من أحد. ونحن من أبناء هذه الأرض، نعرف جيداً معنى المواجهة، وقد دفعنا أثمانها من أعمارنا وحريتنا، حين تهجرنا منذ السبعينات وحتى اليوم عشرات المرات أو استشهد رفاق وأهل لنا أو كنا في سجون العدو الإسرائيلي نعاني، دفاعاً عن أرضنا وشعبنا.

لكن، وبعد تحرير الجنوب عام 2000، تغيّرت المعادلات. حين لم تعد المقاومة مشروعاً وطنياً جامعاً، بل دخلت في حسابات إقليمية، وربطت مصير لبنان بصراعات لا تخدم مصلحته، فكانت النتيجة حروباً متكررة، ودماراً يطال بيوتنا وأرزاقنا، دون أفقٍ واضح أو جدوى حقيقية.

إن موقفنا الثابت من العدو الإسرائيلي لا لبس فيه: هو عدو غاشم، وسيبقى كذلك. لكن هذا لا يعني أن يُترك أهلنا وقُرانا وقوداً لحروب الآخرين، أو أوراقاً في مفاوضات الدول الكبرى.

من هنا، نحيّي موقف اتحاد بلديات العرقوب والبلديات المعنية، في سعيهم لتحييد قرانا عن دائرة الاشتباك، حفاظاً على أرواح الناس، وعلى ما تبقّى من مقومات الصمود في هذه المنطقة المنكوبة. هذا الموقف ليس تخلياً عن القضية، بل هو تعبير عن وعيٍ عميق بأن حماية الإنسان هي أولوية الأولويات، وأن الأرض لا تُحمى بالتهوّر، بل بالحكمة والمسؤولية.

كما نثمّن الإجراءات التي اتُخذت لضبط الأمن وتنظيم المداخل، بالتعاون مع الجيش اللبناني والقوى الأمنية، لأن الاستقرار الداخلي هو خط الدفاع الأول في وجه كل الأخطار.

إننا اليوم أمام خيار واضح:

إما أن نحمي أهلنا ونصون بلداتنا، أو نُساق إلى مزيد من الدمار والتهجير.

ولا شك أن أبناء العرقوب، بتاريخهم ووعيهم، سيختارون ما يحفظ كرامتهم وحياتهم.

ندعو جميع أهلنا في العرقوب إلى الالتفاف حول هذا الموقف، والابتعاد عن المزايدات والانفعالات، والتصرف بروح المسؤولية الوطنية، لأن المرحلة لا تحتمل المغامرات.

العرقوب الذي صمد بالأمس، قادر أن يصمد اليوم، ولكن هذه المرة بالحكمة، لا فقط بالمواجهة.

حمى الله العرقوب والجنوب وكل لبنان... وكان الله في عون أهلنا النازحين وأعادهم الى قراهم معززين مكرمين بإذنه تعالى.

رياض عيسى

تعليقات: