
المشهد في الجنوب يثير قلقاً متزايداً ، ويتجاوز المواجهة العسكرية إلى مسار موازٍ يعيد تشكيل المجال السكاني، عبر دفع السكان إلى النزوح وتعليق عودتهم تحت عنوان "الضمانات الأمنية."
بهذا المعنى، لم يعد مفهوم «المنطقة العازلة» الذي طُرح حتى نهر الليطاني كافيًا لتوصيف ما يجري. فالمناطق العازلة، في أصلها، تفترض فصلًا مؤقتًا بين قوتين متنازعتين مع بقاء الحياة المدنية ممكنة. أما ما يظهر اليوم، فيشير إلى اتجاه مختلف، حيث يُقترن الإخلاء بتدمير البنى التحتية وتعطيل شروط العيش، ما يجعل العودة لاحقًا غير ميسّرة.
هذا التحول ينذر بأن النزوح لم يعد حالة مؤقتة، بل قد يطول بفعل تراكم إجراءات تجعل الحياة غير ممكنة.
وما يزيد خطورة هذا المسار، هو التفاوت الصارخ داخل الجنوب نفسه. فبينما تُفرغ قرى بكاملها من سكانها تحت النار، تبدو قرى أخرى وكأنها خارج دائرة الاستهداف، تعيش حياة أقرب إلى الاستقرار.
هذا التفاوت لا يمكن التعامل معه كأمر عابر، بل يجب قراءته كمؤشر على خلل عميق في الواقع الميداني.
ليس لأن هناك قرى «محظوظة» وأخرى «منكوبة»، بل لأن الجنوب، في هذه الحالة، يتحول تدريجيًا إلى جغرافيا موزّعة الأدوار والمخاطر، لا إلى مساحة وطنية واحدة.
الحديث عن مناطق «محايدة» داخل هذا الواقع قد يكون مضلّلًا. ففي سياق يُعاد فيه تشكيل المكان تحت الضغط العسكري، لا توجد مساحات خارج المعادلة، بل مساحات تؤدي أدوارًا مختلفة داخلها. بعضها يُدفع إلى الفراغ، وبعضها يُترك خارج الضغط المباشر، لكن الجميع يبقى ضمن المشهد نفسه.
وهنا يجب أن يُطرح المعيار بوضوح، بعيدًا عن أي اعتبارات طائفية أو سياسية: المشكلة ليست من يسكن هذه الأرض… بل ما الذي يُسمح أن يُفعل فوقها.
فأي بقعة لبنانية، مهما كانت، يُسمح فيها بوجود عسكري للعدو، تتحول حكماً إلى نقطة اشتباك، لا إلى مساحة مدنية محايدة. وعند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن قرية أو بيئة، بل عن هدف عسكري داخل أرض لبنانية.
حيث يوجد العدو… تسقط صفة الحياد عن المكان.
غير أن الخطر الأبرز لا يكمن في الوقائع الميدانية وحدها، بل في ما قد يترتب عليها بعد توقف القتال. فالتجارب تشير إلى أن منع العودة لا يحتاج إلى إعلان رسمي، بل يمكن أن يتحقق عبر مسار تدريجي: تدمير، تضييق، غياب شروط الأمان، وربط العودة باعتبارات غير محددة زمنياً. في هذه الحالة، تصبح الأرض غير مأهولة فعليًا، حتى دون فرض ذلك قانونًا.
من هنا، يصبح من الضروري أن ترتبط نتائج الميدان بقدرة عودة أهل الجنوب إلى ديارهم. فوقف إطلاق النار، إذا لم يترافق مع عودة فعلية، يتحول إلى تثبيت هادئ لنتائج الحرب، لا إلى إنهاء لها.
وعليه، فإن المسألة لا تتعلق فقط بحدود المعركة، بل بتعريف الجنوب ذاته:
هل يبقى فضاءً قابلاً للحياة، أم يتحول تدريجيًا إلى مساحة يُعلّق فيها الوجود المدني تحت اعتبارات أمنية مفتوحة؟
أخيرا، هذا المقال لا يستهدف أي بيئة ولا يحمّل أي طرف لبناني مسؤولية ما يجري،
بل هو محاولة لقراءة ما قد يُفرض على الجنوب بعد توقف القتال، انطلاقًا من سؤال بسيط: هل ستُترجم تضحيات الناس بعودتهم إلى بيوتهم؟
حين يُطرح التفاوت أو يُناقش مفهوم الحياد، فذلك لا يعني تصنيفًا ولا اتهامًا، بل تأكيدًا على معيار واحد: حماية الأرض وأهلها من أن تتحول إلى مساحة مفتوحة للعدوان، أو إلى واقع يُفرض بصمت.
الجنوب ليس قرى متفرقة… بل مساحة واحدة.
وما يصيب جزءًا منه، يطال الجميع.
فالمعركة لا تنتهي بوقف إطلاق النار…
بل بعودة الناس… أصحاب الأرض… إلى أرضهم.
#مي _حسين _عبدالله
#لبنان
#جنوب_لبنان
#تحليل_سياسي
#عودة_النازحين
الخيام | khiyam.com
تعليقات: