
في اللحظات التي يشتد فيها الضغط، يظهرون كما لو أنهم جزء من المشهد، لا طارئون عليه. لا يخطئون التوقيت، ولا يختلفون كثيرًا في المضمون، حتى وإن اختلفت وجوههم: رجل دين يمنح كلامه هالة من اليقين، قارئة أوراق لا تجرؤ على مغادرة نصّها فترتبك عند أول سؤال خارج السطر، وأخرى تأخذ دور "الناصحة الاجتماعية" فتكرّر أنها تقدّم توقعات لا معلومات، و"خبير" يعلن بثقة أنه الأول والأدق، ثم لا ينتهي كلامه إلا إلى مجرد توقع.
هذا التنوّع في الشكل يخفي وحدة في الوظيفة. فالكلام، على اختلاف مصادره، يُعاد إنتاجه بالصيغة نفسها: خراب شامل، تهجير بلا عودة، ومجتمع على حافة الانفجار. ليس في الأمر حدس متفرّق، بل اتجاه واحد يُدفع إلى الواجهة بإصرار، حتى يبدو كأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة.
هنا، لا يعود الحديث عن أفراد، بل عن دور يُؤدّى. ما يُبثّ لا يقدّم معرفة بقدر ما يزرع حالة: قلق يتراكم، ثقة تتآكل، وتماسك يُستنزف قبل أن يُختبر.
نجاح هذا الخطاب لا يعود إلى صحته، بل إلى قدرته على ملامسة القلق الكامن في الناس، وتقديم تفسير سريع لما يخيفهم.
هكذا تعمل الحروب حين تُدار على مستوى الوعي؛ لا تُكسر البيئات بالقوة فقط، بل بإقناعها أن الكسر واقع لا محالة. وهذه بالضبط النتيجة التي يخدمها هذا الخطاب، سواء صدر عن وعي أو غيره.
في الخلفية، تتقاطع مصالح واضحة. عدوّ يحتاج إلى بيئة مهزوزة أكثر مما يحتاج إلى مواجهة مفتوحة، فيجد في هذا الضخّ النفسي ما يختصر عليه الطريق. قوى داخلية تستثمر الخوف لتوجيه المزاج العام وإعادة توزيع الاتهام والولاء. وإعلام يعرف أن الخوف يُستهلك أكثر من الحقيقة، فيعيد تدويره حتى يستقرّ كقناعة. لا يجتمع هؤلاء في مكان واحد، لكنهم يلتقون في أثر واحد: مجتمع يعيش النتيجة قبل أن تقع.
ما يُقدَّم على أنه معلومة ليس إلا معلومات مبعثرة جُمعت معًا وأُعيد ترتيبها، ثم عُرضت للناس كأنها حقيقة شبه مؤكدة. وما ينتقل فعليًا ليس خبرًا، بل إحساسًا مُعدًّا سلفًا: أن النهاية معروفة، وأن لا جدوى من مقاومة ما سيأتي.
ومع التكرار، يتحول هذا الصوت الخارجي إلى صوت داخلي، ويبدأ الانهيار من حيث لا يُرى. عندها، لا يعود السؤال عن صحة الكلام، بل عن اعتياده؛ فيتحوّل ما كان مستبعدًا إلى ممكن، ثم إلى متوقّع.
لهذا، لكل من يشاهد هذه الفيديوهات ويستمع إلى هؤلاء المنجّمين :
- لا تُواجِه هذه الظاهرة بالإنكار، بل بالوعي الهادئ الذي يميّز بين ما يحدث وما يُراد له أن يُصدَّق.
- ضع مسافة بينك وبين كل خطاب يتحدث بلغة اليقين بلا دليل. فليس كل ما يُقال معرفة، ولا كل من يتحدث عن الغد يملك منه شيئًا.
في زمن كهذا، لا يكون أخطر ما يُستهدف هو الأرض، بل القدرة على البقاء ثابتين فوقها.
مي حسين عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: