
هكذا هي الغربة: تسلب من الاسم رنينه، ومن النسب يقينه، وتترك الإنسان معلّقًا بين ماضٍ يبهت وحاضرٍ لا يعترف إلا بما يُسجَّل ويُرقَّم
في يوم العيد الذي يعيد الإنسان، ولو لحظة، إلى دفء البيوت ورائحة خبز التنور وصوت الضحكات التي سبقت الغربة، أرجو أن يحمل لكم سلامًا يخفّف وطأة الأحداث والمسافات، ويعيد شيئًا من صلة الرحم التي لا تقطعها الحدود والغربة. فكل عام وأنتم بخير، أينما حملتكم الطرق ورمتكم الأقدار.
وبما أن العيد، عادة، يوقظ فينا الذاكرة ويذكّرنا بالبيوت والأسماء التي نحملها، وجدت نفسي أتذكّر أسماء العائلات، تلك الألقاب التي يرفعها البعض سيفًا يلمع، أو يحملها آخرون كقيدٍ لا يُنقشَع. فكل واحد حرٌّ باسم عائلته، أكان جميلًا أو قبيحًا، مسالمًا أو شرسا، يدافع عنه، يلمّعه، أو ينكره أحيانًا. هذا ليس تهجّمًا. فالاسم ليس اختيارًا، لكنه يلازمنا ويصبح هوية، عباءة، وأحيانًا درعًا.
يُقال إن الدنيا مرّت بمرحلة ما قبل أسماء العائلات؛ مرحلة كان الناس فيها يتجوّلون بـ"فلان" بلا "الفلاني". تخيّل المشهد: في المدرسة أو القرية، تنادي "عقيل" حاف، فيلتفت سبعة. تصرخ "مارون" فتأتيك دزينة. يا لها من فوضى. ومع تكاثر البشر، ازداد عدد "العقيلات" و"المارونات". صار من المستحيل معرفة من المقصود. فاضطرّ الإنسان إلى ابتكار اسم العائلة! ومن يومها صار "عقيل" واحدًا و"مارون" واحدًا، لكن مع إضافة لمنع الالتباس.
طبعًا، هذا كان في الزمن البريء، قبل أن تظهر علينا موجة "التبعية الثقافية" و"التغريب"، وقبل أن يصبح اختيار الاسم مشروعًا للتمييز. لم يكن أحد يتفلسف فيسمّي ابنه "ماريو" أو "جيسيكا" أو "بيرل" أو "فالنتينو". ولم تكن "الإبراهيمية" قد دخلت على الخط بعد لتفتح بابًا جديدًا من الإلهام، فيقرر البعض أن اسمه "سمير" يجب أن يصبح "بنيامين"، و"يوسف" يتحوّل إلى "إيتمار"، و"نواف" إلى "أرييل"، و"بن سلمان" إلى "بن غفير"!
وهكذا اذا ظهرت عملية إعطاء الأوصاف والألقاب، التي تحوّلت لاحقًا إلى أسماء عائلات. هي أشبه بشيفرات نحملها ونرددها دون تفكير، بينما قد تكون مزحة أُطلقت في لحظة تسلية! فقد يكون اسم "الحرّ" أُطلق على سليل عبيد؛ و"الشريف" مُنح لصًّا؛ و"فارس" لجبان رعديد. الأسماء لا تضمن شيئًا. أكثرها مشتق من مهن وأماكن وصفات. فاسم العائلة قد يكون مرتبطًا بالتضاريس، مكان سكن فيه أحد الأسلاف قرب جسر أو على جبل (الجبيلي، الجسر، الساحلي)؛ أو مدينة انتقل منها (بيروتي، طرابلسي، حجازي، تونسي، جزائري، شامي)؛ أو مهنة مارسها (خبّاز، فرّان، حدّاد، سكاف، عمّار)؛ أو مرايا لصفاته الجسدية (القصير، الطويل، الأطرش، الأخرس، أبو كرش)؛ أو أكلة أحبها أو صنعها (كبة، عرنوس، كشك، سنيورة)؛ أو عادة مارسها أو نهى عنها (حشّاش، أفيوني، نعسان، معتر، بهلول)؛ أو متعلقة بالطقس (رعد، مطر، لمع، غيث)؛ أو منحدرة من عالم الألوان (الأحمر، الأخضر، الأبيض، الأسمر، الأصفر)؛ أو مستقاة من عالم الطيور (نسر، صقر، شاهين، عصفور، جلبوط، صوص)؛ أو مرتبطة بمملكة الحيوان (الكلبي، الأسد، النمر، الذئب)؛ أو أدوات فرز اجتماعي (الباشا، الخوري، الإمام، الفقيه)، إلخ.
المهم، أن المهاجر يأتي محمّلًا باسم عائلةٍ له تاريخٌ من الطنّة والرنّة. كان يُفتح له في مكان ولادته باب الوظيفة، أو يُغلق له ملف تحقيق. لقبٌ يُقال عنه في المجالس: "آل فلان؟ لا يُسأل عنهم". في بلادنا، لا يُقاس الإنسان دائمًا بما يفعل، بل أحيانًا كثيرة بعائلته. يكفي أن يكون من "بيت له صولات وجولات"، حتى يُعامل كأنه وريث المجد، ولو كان المجد مجرد حكاية وهمية أو منقرضة. لكن حين يصل إلى هنا، ينطفئ وهج اللقب كما ينطفئ النور بعد عاصفة ثلجية. هنا لا يُسأل عن النسب ولا يصفّق لاسم اللقب ولا يكترث أحد إن كان الجدّ تاجرًا أو شيخًا أو من حاشية السلطان! الناس بضمانهم الاجتماعي، لا بشجرة العائلة. هناك كان يُستقبل كابن الأكابر. هنا يُعرف كرقم ملف أو كعامل محتمل، أو مهاجر مؤتمل، وربما كمشتبه به إن غلبت على لسانه لكنة أو ارتدى عمّة!
الاسم الذي فتح لحامله في بلاده أبواب الوزارات، قد يقفل في وجهه هنا باب قنّ الدجاجات! فهل يستطيع أن يعيد تعريف نفسه إذا سُلب منه لقبٌ كان يراه أصلَه وعماد صورته ومفتاح مكانته؟ وكيف يعيد ترتيب نفسه وقد تناثرت صداقاته وتباعدت قراباته وتوارت ذكرياته وحكاياته! حقًا، إنها الغربة: مقطّعة الأوصال، وهادمة السند والعمد! فمن آل فلان إلى رقم الضمان؛ ومن سلالة للتفاخر إلى هوية تُختصر في خانة على ورق، هكذا هي الغربة: تسلب من الاسم رنينه، ومن النسب يقينه، وتترك الإنسان معلّقًا بين ماضٍ يبهت وحاضرٍ لا يعترف إلا بما يُسجَّل ويُرقَّم. وصدق من قال: الغربة بتقطع الأوصال وبتضيّع النَّسَب.
المصدر: : sadaonline.ca
الخيام | khiyam.com
تعليقات: