كامل جابر: من التحييد إلى الاستهداف.. ماذا يجري في القرى المسيحية بجنوب لبنان؟

منذ يومين، قتلت إسرائيل ثلاثة شبان من بلدة عين إبل قرب مدينة بنت جبيل عاصمة القضاء (ا ف ب)
منذ يومين، قتلت إسرائيل ثلاثة شبان من بلدة عين إبل قرب مدينة بنت جبيل عاصمة القضاء (ا ف ب)


عكس الحروب السابقة قتل عدد من الشبان المسيحيين في قرى جنوبية خلال الأيام الماضية

ملخص

منذ يومين، قتلت إسرائيل ثلاثة شبان من بلدة عين إبل قرب مدينة بنت جبيل عاصمة القضاء، هم جورج خريش وإيلي عطالله دحروج وشادي عمار. وأفادت المعلومات من البلدة الحدودية بأن الثلاثة كانوا يعملون على تركيب شبكة إنترنت على سطح أحد المباني هناك، حينما استهدفتهم مسيرة إسرائيلية، مما أدى إلى مقتلهم على الفور. ويؤكد المتابعون أن الحادثة لا يمكن على الإطلاق تصنيفها في خانة الخطأ غير المقصود، ويعلم الجميع مدى دقة المعلومات التي يستند إليها الجيش الإسرائيلي من خلال التكنولوجيا، لا سيما تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، في تعقب واستهداف عناصر ومقاتلي "حزب الله" وغيرهم من قوى لبنانية فلسطينية في معظم الأراضي اللبنانية.

منذ أن بدأ الجيش الإسرائيلي في مطلع مارس (آذار) الجاري إجراءاته العسكرية لخلق منطقة "معزولة السكان" تمتد من الحدود اللبنانية في أقصى الجنوب إلى مجرى نهر الليطاني بعمق لا يقل عن 15 كيلومتراً كحد وسط، بدا واضحاً أن تهجير هذه المنطقة من أهلها لن يقتصر، كما حصل في حروب سابقة، فقط على تهجير القرى الشيعية التي تشكل بيئة "حزب الله"، وهي أكثر البلدات والقرى التي تكون ما يعرف بجنوب نهر الليطاني، لا سيما في حرب يوليو (تموز) 2006، إذ أظهرت الاستهدافات الأمنية الأخيرة لعدد من السكان المسيحيين في القرى المسيحية، وتحديداً "المارونية"، دعوة إسرائيلية من خلال النار والبارود لخروجهم من المنطقة، فتتحول ساعتئذ إلى منطقة معزولة من سكانها بصورة كاملة وتامة.

"استهداف مسيحيي الحدود"

منذ يومين، قتلت إسرائيل ثلاثة شبان من بلدة عين إبل قرب مدينة بنت جبيل عاصمة القضاء، هم جورج خريش وإيلي عطالله دحروج وشادي عمار. وأفادت المعلومات من البلدة الحدودية بأن الثلاثة كانوا يعملون على تركيب شبكة إنترنت على سطح أحد المباني هناك، حينما استهدفتهم مسيرة إسرائيلية، مما أدى إلى مقتلهم على الفور. ويؤكد المتابعون أن الحادثة لا يمكن على الإطلاق تصنيفها في خانة الخطأ غير المقصود، ويعلم الجميع مدى دقة المعلومات التي يستند إليها الجيش الإسرائيلي من خلال التكنولوجيا، لا سيما تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، في تعقب واستهداف عناصر ومقاتلي "حزب الله" وغيرهم من قوى لبنانية فلسطينية في معظم الأراضي اللبنانية.

هذه الحادثة لم تكن الأولى في بلدة حدودية جنوبية مسيحية، بل سبقها الإثنين الماضي استهداف الجيش الإسرائيلي كاهن رعية مار جرجس في القليعة (البلدة المارونية جارة مرجعيون) الأب بيار الراعي بقذيفة مدفعية أطلقتها نحوه، بينما كان برفقة عدد من أبناء البلدة، وهم يحاولون إسعاف أحد أبناء القليعة كان أصيب بشظايا قذيفة إسرائيلية، تردد أنها أطلقت باتجاه مقاتلين من "حزب الله" كانا في الجوار بين هذه البلدة وجارتها الخيام.

فيما حملت أحزاب معارضة لـ"حزب الله"، وعلى رأسها "القوات اللبنانية" و"الكتائب اللبنانية" الحزب بصورة مباشرة المسؤولية عن مقتل الأب الراعي، على اعتبار أن مقاتليه كانوا في المنطقة وقد استهدفتهم إسرائيل.

يقول رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر تعليقاً على ما يحصل "في حرب الـ66 يوماً الماضية 2024 سبق وأن طلبت إلينا إسرائيل إخلاء بلدتنا ورفضنا هذا الأمر وقلنا إننا باقون هنا، ونحن جماعة مسالمة في الأساس لا نحمل السلاح ولسنا ضد أحد، لذلك سنبقى في أرضنا متمسكين بشعار الأب بيار الراعي الذي قدم روحه على مذبح البقاء في أرضنا: باقون، باقون، باقون. وسنبقى نرددها ولو من طلب إلينا مغادرة بلدتنا فلن نترك بيوتنا ولن ندع أحداً يلزمنا بذلك، فنحن لا نحارب أحداً ولا نقف بوجه أحد، المهم أن نترك بحالنا وببيوتنا". وأكد أن "أحداً من أبناء البلدة لم يغادرها بسبب الحرب، نحن هنا 850 عائلة في القليعة، ومن خرج فربما لزيارة طبيب أو لقضاء حاجة ما، أو إلى العاصمة بيروت، ثم يعود. وبالنسبة إلى ما نحتاج إليه من مؤن ومواد غذائية نعتمد على ما كنا نختزنه في مؤسساتنا التجارية والاقتصادية، وثمة طرقات لم تزل مفتوحة ونتمنى أن تبقى كذلك حتى نؤمن حاجاتنا".

وعن المزارعين ممن يشكلون نسبة كبيرة من أبناء القليعة قال "دمرت بيوت المزارعين تماماً، من زرع أو من كان بدأ بالتجهيز للزراعة ممن تكلفوا مئات ألوف الدولارات للمباشرة بالموسم الصيفي وتجهيز بساتين الزيتون وغيرها، كله ضرب ولا يجرؤ أحد من أبناء البلدة على التوجه إلى حقولهم في السهول القريبة، لا سيما سهل مرجعيون الخيام، بسبب الحرب، بل إن مزروعاتهم وأشجارهم تعرضت للتلف والخسائر لا تقدر، وعلى رغم كل ذلك نحاول البقاء في بيوتنا ولا خيارات أخرى متاحة أمامنا، ولن نترك أرضنا ولا أرزاقنا".

وخلال الأحد الماضي الثامن من مارس الجاري قتلت مسيرة إسرائيلية أحد سكان بلدة علما الشعب الحدودية، ذات الغالبية المسيحية، سامي غفري بعدما رفض مغادرة قريته التي تلقى سكانها إنذاراً بالإخلاء، مما اضطر العائلات التي كانت لم تزل تسكن في القرية إلى مغادرتها بمواكبة فرقة من القوات الأممية "اليونيفيل" العاملة في جنوب لبنان.

قرى خارج الصراع

منذ حرب إسناد غزة التي دخلها "حزب الله" في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، جدد سكان القرى المسيحية الحدودية، وتحديداً في علما الشعب في القطاع الغربي، ودبل وعين إبل والقوزح ويارون ورميش في القطاع الوسط، والقليعة ومرجعيون في القطاع الشرقي، المطالبة بتحييدهم عن الصراع الدائر بين الحزب والإسرائيليين، معلنين عدم الخروج من قراهم وداعين الجيش اللبناني إلى تولي حمايتهم ومنع استخدام أراضيهم ممراً في الصراع الدائر.

فيما لم يحيد التوغل الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية في حرب الـ66 يوماً بين الـ23 من سبتمبر (أيلول) ونوفمبر 2024 هذه البلدات الحدودية وأراضيها، وأصابها ما أصابها، وبخاصة علما الشعب والقوزح من دمار وتجريف لمزروعاتهم وبساتينهم وأحراجهم جراء القصف والتوغل المحدود والعبور من خلال قراهم إلى مناطق متقدمة أو مجاورة (رميش - عيتا الشعب).

ومع عودة "حزب الله" إلى تجديد المواجهة مع الإسرائيليين منذ مطلع مارس (آذار) الجاري، تجددت مطالبة فاعليات القرى المسيحية الحدودية تحييدهم من الصراع المتجدد، وأعلنوا رفضهم مغادرة قراهم بعد التحذير الإسرائيلي على لسان الناطق باسم الجيش الذي دعا سكان القرى الحدودية إلى مغادرتها وسمى في خلالها قرى مسيحية، لكن الحوادث الأخير والتي أدت إلى مقتل الكاهن بيار الراعي وثلاثة شبان من رميش وأحد سكان علما الشعب، يضاف إليهم المسعف في الصليب الأحمر اللبناني يوسف ريمون عساف الذي سقط في غارة إسرائيلية بينما كان يقوم بإجلاء أحد المواطنين في قرية مجدل زون (صور)، باتت كلها رسائل إسرائيلية واضحة إلى السكان المسيحيين في القرى الحدودية جنوب الليطاني بوجوب مغادرة بيوتهم.

دعم معنوي و"باباوي"

وشهدت القليعة حملة تضامن من خلال بيانات ومواقف داعمة وزيارات بدءاً من بابا روما. فقد نعى البابا لاوون الرابع عشر الأربعاء الماضي، الأب بيار الراعي، وقال "لقد كان الأب بيار راعياً حقيقياً، بقي دائماً إلى جانب شعبه... فبمجرد أن سمع بإصابة بعض أبناء رعيته جراء قصف، ركض لمساعدتهم من دون تردد. ليجعل الرب من دمه الذي سفك بذور سلام للبنان الحبيب".

البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي اعتبر بدوره أن ما حصل يشكل جرحاً عميقاً في قلب الكنيسة، وأضاف أن "هذه الحادثة تكشف مجدداً المأساة التي يدفع ثمنها الأبرياء في دوامة العنف والحروب التي طالما حذرنا منها".

وفي خطوة صنفت بسياق دعم ورفع معنويات سكان بلدة القليعة جارة مرجعيون، شارك قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل (الأربعاء) في مراسم تشييع كاهن الرعية الأب بيار الراعي.

كذلك قام السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا، بجولة تفقدية شملت عدداً من البلدات المسيحية في قضاءي مرجعيون وحاصبيا، "في رسالة دعم معنوي للأهالي وتشجيعهم على الصمود في أرضهم".

وفي بلدة القليعة عبر السفير البابوي عن تأثره بصمود الأهالي، لافتاً إلى أن "الناس هنا يتمتعون بشجاعة كبيرة".

تهجير المسيحيين

يرى المطران إلياس كفوري (راعي أبرشية صيدا وصور وتوابعهما للطائفة الأرثوذكسية) أن "استمرار إسرائيل في قطع أوصال القرى عن بعضها يهدف إلى عزل منطقة جنوب الليطاني عن مختلف المناطق اللبنانية، وقد باتت هذه المنطقة شبه خالية من أبنائها إلا في بعض القرى المسيحية التي رفض سكانها الخروج منها، لذلك بتنا نشاهد حوادث استهداف سكان هذه البلدات، وتأتي حادثة اغتيال الكاهن الأب بيار الراعي بينما كان يقوم بمهام إنسانية لتثبت أن إسرائيل لن تكتفي بتهجير السكان الشيعة وحسب، بل تسعى إلى إفراغ المنطقة برمتها، ومنها القرى المسيحية التي يرفض أهلها مغادرتها".

وانتقد كفوري "هذا الصمت العالمي ومن الأمم المتحدة حيال ما تقوم به إسرائيل من احتلالات وقتل وتدمير وتهجير واستباحة قرانا... ونؤكد تمسكنا ببقاء المسيحيين في قراهم الحدودية حتى لا تنفذ إسرائيل مآربها في جعل هذه المنطقة الحدودية معزولة تماماً من الحياة ومن سكانها".

رئيس مركز "الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة" العميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني هشام جابر رأى من جانبه أن "إسرائيل لن تكتفي بتهجير السكان الشيعة من مناطقهم وبلدتهم وقراهم، بل ستهجر المسيحيين بعدما أفرغت معظم القرى الشيعية من أهلها، وبدأت بحوادث هنا وهناك، في علما الشعب ومن ثم القليعة وأخيراً عين إبل كي تخيف المسيحيين في هذه القرى وتدفعهم إلى مغادرتها".

بعد تعاون "استراتيجي"

كثيراً ما اعتبر أبناء وسكان القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، وهم من الغالبية المارونية، أنفسهم خارج الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي بدأ منذ عام احتلال فلسطين 1948 وكانت المنطقة الجنوبية القريبة من الحدود مسرحاً لحيز كبير منه، لا سيما بعد حرب يونيو (حزيران) عام 1967 وتوقيع و"اتفاقية القاهرة" في نوفمبر (تشرين الثاني) 1969 التي سمحت بموافقة الدولة اللبنانية بالعمل الفدائي الفلسطيني المسلح ضد إسرائيل في أراضي الجنوب بين قضاءي مرجعيون وحاصبيا، مما خلق نفوراً مسيحياً من الوجود الفلسطيني عند الحدود.

الموقف عينه تجسد لاحقاً من الصراع الإسرائيلي مع قوى وأحزاب اليسار اللبناني، وصولاً إلى حروبه مع "حزب الله" بدءً من عام 1982، بل إن القيمين على هذه القرى المسيحية ذهبوا في عديد من مراحل الصراع هذا إلى التحالف مع الإسرائيليين ومعهم شكلوا جيشاً مدعوماً بالمال والعتاد والسلاح من إسرائيل لحماية أنفسهم من المد الفلسطيني تحت تسمية "جيش لبنان الجنوبي"، كما يعتبرون، وخاضوا إلى جانب الإسرائيليين حروبهم في مواجهة الفلسطينيين واليساريين وأخيراً "حزب الله"، حتى كان الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 حين خرج الإسرائيليون وتركوا حلفاءهم المسيحيين في القرى الحدودية، ومعهم هربت عائلات قياديي وضباط الجيش الجنوبي إلى الداخل الإسرائيلي، ولم تزل عشرات العائلات منهم مقيمة هناك منذ 26 عاماً.

في المقابل يرى قاطنو القرى المسيحية في الجنوب، أن خياراتهم قبل الحرب الأهلية (1975 – 1990)، خلالها، وحتى بعدها لم تكن كثيرة، بخاصة أن الفلسطينيين في لبنان وبقيادة ياسر عرفات شكلوا تهديداً مباشراً لوجودهم، وبعدها "حزب الله" والمجموعات الأخرى، وبذلك وجدوا في الانضمام إلى "جيش لبنان الجنوبي" المدعوم من إسرائيلي خياراً أوحد للبقاء في مناطقهم وعدم الخروج منها، بخاصة في ظل غياب أي وجود عسكري وأمني للدولة اللبنانية في الجنوب طوال عقود من الصراع.

إسرائيل و"جيش لبنان الجنوبي"

بين عامي 1948 و1968، كانت المنطقة الحدودية الجنوبية هادئة إجمالاً ما عدا بعض عمليات القضم التي مارستها إسرائيل على الحدود المشتركة، من دون تمييز بين أراضٍ تابعة للمسيحيين أو المسلمين، غير أنه لم تقع حوادث عنف تذكر.

بعد مناوشات عسكرية بين الإسرائيليين والمقاتلين الفلسطينيين قبل الحرب الأهلية بسنوات قليلة، نفذ الجيش الإسرائيلي اجتياحاً محدوداً خلال سبتمبر (أيلول) 1972 إلى جنوب لبنان بقوات كبيرة (رداً على قتل الرياضيين الإسرائيليين خلال دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ فيما عرف بـ"عملية ميونيخ")، وقد بقيت القوات الإسرائيلية 40 ساعة في جنوب لبنان، ثم انسحبت بعدما قتلت نحو 140 شخصاً، بينهم 80 مدنياً. خلال أواسط السبعينيات، كانت العلاقات بين الفلسطينيين والسكان المحليين قد تدهورت، وكان السبب الرئيس القصف الإسرائيلي وما تعرض له السكان المدنيون من عقاب.

في عام 1975 ومع اندلاع الحرب الأهلية، وبينما كانت القرى الشيعية تنوء بمن تدفق إليها من مهجرين، برزت ظاهرة أخرى كان لها أبعد الأثر في رسم مستقبل المنطقة، وهي تدفق مئات من الجنود اللبنانيين المسرحين الذين أخذوا يعودون إلى قراهم المارونية الحدودية بعد تفسخ الجيش اللبناني طائفياً، وهو أمر بدأ يحدث في أوائل عام 1976. ومن ضمن هذه القرى علما الشعب ودبل وعين إبل والقوزح ويارون ورميش والقليعة ومرجعيون. هي قرى زراعية في معظمها، فقيرة في الغالب، كانت تتميز بالأعداد الكبيرة من شبانها ممن كانوا يخدمون في الجيش اللبناني.

منذ أواسط السبعينيات سعت إسرائيل لتطبيق سياسة "الجدار الطيب"، وكانت تستهدف في الطليعة القرى المارونية، فوزعت الغذاء والمؤن، وقدمت الخدمات الطبية الطارئة للمهجرين، واستقبلت بعض المرضى اللبنانيين في مستشفياتها، بعد انهيار الخدمات الطبية اللبنانية. وسرعان ما أعطت بعض الأفراد من هذه المنطقة الإذن في العمل داخل إسرائيل. وبذلك كثف الإسرائيليون اتصالاتهم بالقرى المارونية الحدودية، فانسلخت هذه القرى، شيئاً فشيئاً عن محيطها، لتنعزل بعد فترة تماماً عن محيطها.

بعدها عينن الإسرائيليون الرائد سعد حداد، وهو ضابط في الجيش اللبناني من مرجعيون، بمهمة تنسيق الجهود العسكرية والميليشيات المحلية التي كانت لم تزل مشتتة. وفي أكتوبر 1976 انتزع رجال حداد، بدعم من إسرائيل، ثكنة مرجعيون من قوات "أحمد الخطيب" المنشقة عن الجيش اللبناني.

ظهر بعدها ما عرف بـ"الحزام الأمني" عقب اجتياح مارس 1978، عندما تدفقت القوات الإسرائيلية إلى الأراضي اللبنانية، وكان هدفها المعلن احتلال حزام عرضه 10 كيلومترات إلى الشمال من الحدود لمنع الهجمات الفلسطينية على إسرائيل. لكن عوضاً من ذلك، استمرت القوات تتقدم حتى وصلت إلى نهر الليطاني، فاحتلت أكثر من عشر مساحة أراضي لبنان. وبسبب ضغوط دولية عالية اتخذ قراراً مجلس الأمن 425 و426، اللذان يدعوان إلى انسحاب إسرائيلي فوري من الأراضي اللبنانية كافة، وإلى قيام قوة سلام خاصة تابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل). انسحبت إسرائيل جزئياً، وعلى مرحلتين، لكنها عشية انسحابها الأخير، في يونيو 1978، سلمت حزام الكيلومترات العشرة الباقية إلى "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة سعد حداد.

ماذا نعرف عن قرى جنوب لبنان المسيحية؟

علما الشعب

تقع قرية علما الشعب في قضاء صور على بعد 110 كيلومترات من العاصمة بيروت بارتفاع 400 متر في قمتها عن سطح البحر، فيما تبلغ مساحتها نحو 19.54 كيلومتر مربع. وقد هاجر معظم سكانها منذ أيام الحرب الأهلية ولم يعد كثر منهم أبداً، بينما أصبحت منازلهم مهجورة وتحولت إلى أنقاض. يبلغ عدد أهالي علما الشعب المسجلين قرابة ثلاثة آلاف نسمة مع أقل من 100 منزل.

أبناء بلدة علما الشعب هم في غالبيتهم الساحقة من الطائفة المسيحية المارونية، مع وجود أعداد قليلة جداً من المسلمين الشيعة والسنة. تعد القرية الحدودية مركزاً للموارنة في الجنوب، حيث يحيون طقوسهم وتقاليدهم الميلادية والكنسية المارونية في كنيسة القرية.

دبل

قرية دبل، تقع بدورها في جنوب الجنوب، وتحديداً في قضاء بنت جبيل التابع لمحافظة النبطية، على تلة متوسطة، وترتفع عن سطح البحر نحو 600 متر، تبعد عن العاصمة بيروت قرابة 132 كيلومتراً، مساحتها نحو 8.48 كيلومتر مربع، تحوطها بلدتا حانين وعين إبل من الشرق، ومن الجهة الشمالية رشاف ومن الجهة الجنوبية قريتا رميش وعيتا الشعب.

يعمل معظم سكان دبل بالزراعة وبخاصة الزيتون والتبغ وتربية المواشي والدواجن، كذلك ينضم قسم كبير من شبابها إلى مؤسسات الدولة من جيش ودرك ومدرسين. وانتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة العمل مع قوات الطوارئ الدولية، ولكن بأعداد محدودة.

ويبلغ عدد سكان دبل ما يقارب خمسة آلاف نسمة يعيش معظمهم في بيروت والمدن اللبنانية الأخرى، والقسم الآخر في المهجر. أما القسم المتبقي فلا يزيد عدده شتاءً على الـ2000 نسمة، يرتفع هذا العدد في الصيف إلى ما يقارب ثلاثة آلاف نسمة. يشكل المسيحيون الموارنة أكثر من 92 في المئة، والبقية من الطوائف المسيحة الأخرى إلى نسبة ضئيلة جداً من المسلمين.

رميش

رميش بلدة حدودية في قضاء بنت جبيل، تبعد 135 كيلومتراً عن بيروت. هي ذات غالبية مارونية. بلغ عدد المسجلين على لوائح الشطب عام 2016 لانتخابات البلدية 5250 شخصاً، مما يدل على أن عدد السكان الإجمالي يناهز الـ10 آلاف نسمة. شهدت موجات هجرة عديدة في تاريخها، ويقدر عدد أبناء رميش المنتشرين في دول الاغتراب بأكثر من خمسة آلاف فرد. والعلاقات لم تنقطع بين المغتربين والمقيمين، باستثناء فترات الحروب الصعبة وإقفال الحدود.

وبلغ عدد الوحدات السكنية بحسب إحصاءات البلدية 1400 وحدة عام 2017. وتعتمد نسبة كبيرة من العائلات المقيمة في رميش على الزراعة، إذ يعمل الجزء الأكبر في زراعة التبغ مع وجود الأشجار المثمرة كالزيتون والتين والعنب والرمان والتوت، إضافة إلى زراعات موسمية من البقول والخضراوات.

القوزح

القوزح هي بلدة حدودية تبعد نحو 129 كيلومتراً عن بيروت، مساحتها صغيرة نسبياً تبلغ نحو 5.41 كيلومتر مربع، تحوطها قرى، دبل، بيت ليف، عيتا الشعب، رامية، رميش وصربين.

هي إحدى القرى المسيحية المارونية في قضاء بنت جبيل بمحافظة النبطية يتجاوز عدد الموارنة من أبنائها نسبة 92 في المئة، والطوائف المسيحية الأخرى 6 في المئة، إلى اثنين في المئة من المسلمين، ومنهم 790 ناخباً.

تبعد بضع مئات الأمتار عن الحدود الإسرائيلية، وقد أصبحت الآن ركاماً. تقع القرية، التي سكنتها أجيال متتالية من المسيحيين، على ارتفاع يقارب 750 متراً عن سطح البحر ما يجعلها نقطة استراتيجية مطلة. في الفترة الماضية، شهدت البلدة الصغيرة اشتباكات بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي "حزب الله"، مما أدى إلى تدميرها.

خلافاً للقوزح، لم تتعرض القرى المسيحية الأخرى في المنطقة لدمار شامل، إذ شهدت مثلاً قرية دبل المجاورة، على سبيل المثال، تدمير ستة منازل فقط من أصل 500.

عين إبل

تبعد عن بيروت نحو 140 كيلومتراً وعن البحر نحو 25 كيلومتراً بخط مستقيم. وتنتشر على تلة ترتفع حتى 850 متراً. هي قرية حدودية عريقة في قضاء بنت جبيل بجنوب لبنان. يقطنها شتاءً نحو 2000 نسمة، ويرتفع العدد إلى خمسة آلاف صيفاً، مع جالية كبيرة في بيروت.

أبناء بلدة عين إبل هم أتباع الكنيسة الأنطاكية السريانية المارونية، تعد من البلدات المسيحية البارزة في جنوب لبنان، وقد عاش فيها الموارنة منذ القدم، وتحديداً منذ عهد الأمير فخر الدين. ويعتمد أهالي البلدة بصورة أساس على زراعة الزيتون، إذ تضم البلدة نحو 60 ألف شجرة تشكل مصدر دخل رئيس.

القليعة

القليعة، تقع في قضاء مرجعيون وتجاور عاصمة القضاء جديدة مرجعيون من ناحيتها الجنوبية. تعلو 700 متر عن سطح البحر وتبعد 10 كيلومترات عن الحدود الجنوبية و100 كيلومتر عــن بــيــروت. سميت القليعة لأنها مؤسسة على أنقاض قلعة قديمة.

يبلغ عدد سكانها نحو ثمانية آلاف نسمة معظمهم موارنة. تتميز بطابعها السكني المسيحي وتبلغ نسبة الموارنة فيها نحو 92.5 في المئة من سكانها إلى روم أرثوذكس نحو 3 في المئة. وتعد من البلدات الحدودية المهمة. يعمل سكانها في الزراعة والتجارة العامة وتنتشر فيها مجموعة من المؤسسات الكبيرة، يضاف إلى ذلك الوظائف العامة في القوى الأمنية والجيش اللبناني وفي التدريس.

هي بلدة لبنانية تقع في قضاء مرجعيون، وتتميز بموقعها الجغرافي على تلة تشرف على سهل مرجعيون وجبل الشيخ. تعد البلدة ذات تنوع طائفي، ويقطنها خليط من السكان، حيث تضم طوائف مسيحية (بشكل رئيس الروم الأرثوذكس 53 في المئة وروم كاثوليك 25.5 في المئة والموارنة 13 في المئة) إلى جانب عائلات من طوائف أخرى.

دير ميماس

دير ميماس هي قرية لبنانية تقع أيضاً في قضاء مرجعيون، ويبلغ عدد سكانها المسجلين نحو1090 نسمة يغلب عليهم الطابع المسيحي، ولها تاريخ في الاغتراب، بخاصة في الولايات المتحدة، ولاية ميشيغان.

تقع بلدة دير ميماس على مسافة 90 كيلومتراً من بيروت وترتفع عن سطح البحر 650 متراً في قممها.

لا تزال هذه القرية منتجاً رئيساً للزيتون وزيت الزيتون. فهي موطن لنحو 100 ألف شجرة زيتون، فيما من المعروف أن زيت الزيتون المنتج هناك هو أحد أفضل الزيوت في العالم.

عدد أهالي بلدة دير ميماس المسجلين قرابة سبعة آلاف نسمة ولديهم 5 كنائس وديران. وقد عانت الاحتلال الإسرائيلي وتداعياته في خلال العقدين الأخيرين من القرن 20 معاناة كبرى، فهاجر أبناؤها ونزحوا باتجاه بيروت وجبل لبنان. وبعد خروج القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان عام 2000 بدأ بعض النازحين يعود إليها، ولكن ببطء شديد.

كاهن أمام كنيسة مدمرة في جنوب لبنان (ا ف ب)
كاهن أمام كنيسة مدمرة في جنوب لبنان (ا ف ب)


قتل ثلاثة شبان من بلدة عين إبل قبل أيام بقصف إسرائيلي (ا ف ب)
قتل ثلاثة شبان من بلدة عين إبل قبل أيام بقصف إسرائيلي (ا ف ب)


بلدة رميش جنوب لبنان (ا ف ب)
بلدة رميش جنوب لبنان (ا ف ب)


مقتل كاهن بلدة القليعة قبل أيام (ا ف ب)
مقتل كاهن بلدة القليعة قبل أيام (ا ف ب)


تعليقات: