
آلاف مؤلفة لا يملكون خطة ليومهم أو للساعات المقبلة (مصطفى جمال الدين)
هي ساعات قليلة، استغرقت فيها الضاحية الجنوبيّة وقتًا لاستيعاب "صاعقة الإخلاء الشّامل" التي أنزلها المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي.
حتى اللحظة الأخيرة، لم يتسنّ لأهالي الضاحية أن يصدقوا أن إسرائيل تطلب منهم الخروج من كل المنطقة تمهيدًا لاستهدافها بالكامل. لا تحذيرات لمبانٍ مُحددة باللون الأحمر كالعادة على خرائط رمادية اللون بعد اليوم. كُل الضاحية باتت مُستهدفة، هذه رسالة إسرائيل التي لم يتقبلها بعد أهالي منطقة تضمّ أكثر من 800 ألف شخصٍ من لبنانيين ولاجئين فلسطينيين.
تجرّ سيدة في العقد السادس من عمرها حقيبة سفرٍ صغيرة. تمشي على أوتوستراد هادي نصرلله، تلتفت يمينًا ثم شمالًا بحثًا عن أي وسيلة نقل سريعة، لا تجدها، فتكمل سيرها. تقول لـ"المدن" أقطن في حي السلّم، نمت البارحة على أحد أرصفة منطقة الطيونة، ومنذ السابعة صباحًا عُدت إلى منزلي وحملت بعض الثياب في هذه الحقيبة، لكن لا أعرف إلى أين وُجهتي. تكفكف دموعها بيدها وتتابع سيرها بخطوات أثقلها عبء النّزوح، لأنها تريد الابتعاد عن المنطقة بعدما أغار الطيران الإسرائيلي فجأة اليوم الجمعة على أحد مباني منطقة الجاموس ليعلن بعدها عن بدء تنفيذ موجة جديد من الغارات على الضاحية.
جميع المحال مقفلة. وأتوستراد "السيد هادي" الذي كان يعجّ بالسيارات والمارّة صار خاليًا. بعض الشبان يتنقلون على دراجاتهم النارية، وذلك يعود لرغبتهم في الخروج سريعًا من المنطقة في حال تعرضت للقصف الفجائي.
"نُزوح فُجائيّ"
جالت "المدن" في شوارع منطقة الشياح، وتحديدًا في الشارع الذي أغارت إسرائيل على عدة مبانٍ فيه. لم تعد ملامح هذا الشارع كما كانت عليه صباح يوم الاستهداف. تغيّرت معالمه. فالآلة الحربيّة الإسرائيلية سوّت ثلاثة مبانٍ بالأرض، وتركت المباني المقابلة كالجرحى في حال الخطر. فتح عصف الغارة أبواب كل المحال التجارية المُواجهة لهذه المباني، وتحديدًا تعاونية "العاملية" المعروفة في المنطقة، وبقربها أكثر من خمسة محلات تجارية لم يبق منها أي شيء.
يقول صاحب أحد المتاجر المتضررة لـ"المدن" اتصل بي أصدقائي البارحة، خرجت سريعًا من المحل وانتظرت في الطيونة، علمت في ساعات مُتأخرة أن المتجر تضرر بشكل كبير، بل لم يبق من البضائع أي شيء. يقترب من المحل أكثر، يحاول اجتياز الحديد المُنتشر على الأرض جراء القصف الإسرائيليّ. هي محاولة خجولة لسحب أي شيء من محله، بلا أي نتيجة.
مليون لبناني، ومعهم لاجئين من الجنسيتين الفلسطينيّة والسوريّة، غادروا المدينة القابعة في جنوب العاصمة، آلاف مؤلفة لا يملكون خطةً ليومهم، أو للساعات المقبلة.
دمار وتشتت
عشرات الأهالي زاروا المنطقة اليوم، تفقدوا منازلهم وأرزاقهم. وقفوا أمام الدمار بعجزِ وبحزن صامت. متأملين المشهد وهم يتململون ثم يغادرون. لكن ما إن تقترب من محيط منطقة الطيونة، حتى يختلف المشهد بشكل كامل. مئات العائلات افترشت الأرض. تحولت الأرصفة إلى منازل عارية مؤقتة. نصب البعض منهم الخيم البلاستيكية التي اشتروها قبل الحرب بأيامٍ. داخل الخيم ينام الأطفال بالثياب التي خرجوا فيها من منازلهم. لا أغراض تكفيهم ولا أطعمة متوفرة بين أيديهم. تقول إحدى السيدات لـ"المدن" لم يكن أمامنا الكثير من الوقت. تساعد الأهالي ليلًا لتجهيز الإفطار. لم يكن معنا أي لوازم لتجهيز وجبة الإفطار، بل كنا نهتم في تأمين الأطفال داخل الخيم فقط، أما نحن فافترشنا الرصيف وألقينا برؤوسنا المثقلة عليه، لا نعلم متى سنعود وإن كان المنزل سيبقى صامدًا.
يقولون: "لا نريد العودة إلى المدارس أو مراكز الايواء، هنا بإمكاننا أن نلقي بأطراف عيوننا على بيوتنا في الضاحية، علّنا نحرسها بنظراتنا".
الخيام | khiyam.com
تعليقات: