كامل جابر: أين جنوب لبنان وبقاعه من الحرب على إيران؟

تأتي هذه المخاوف في سياق ارتباط حزب الله سياسياً واستراتيجياً وتمويلاً وتسليحاً بإيران (أ ف ب)
تأتي هذه المخاوف في سياق ارتباط حزب الله سياسياً واستراتيجياً وتمويلاً وتسليحاً بإيران (أ ف ب)


مخاوف من فتح حزب الله جبهة إسناد جديدة ومحللون: لن يفعل ذلك فيكشف عن أسلحته لإسرائيل

ملخص

كان لبدء الحرب على إيران تداعيات من القلق والمخاوف عند الجنوبيين الذين عانوا كثيراً القصف والنزوح واستمرار تشتت سكان أكثر من 26 بلدة وقرية جنوبية توزعوا على مناطق واسعة بين جنوب لبنان ومدنه وقراه ومناطق أخرى، بعدما دمرت إسرائيل بيوتهم وأحياءهم وقراهم ومزروعاتهم وحيواتهم الاقتصادية والاجتماعية، ولم تسمح لهم حتى اليوم بالعودة وإعادة بناء ما تهدم.

قبل نحو ساعة من افتتاح إسرائيل ومعها الولايات المتحدة حربها على إيران، كانت عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية تجتاح سماء جنوب لبنان وبقاعه (شرق) مطلقة القنابل التدميرية الثقيلة على عدد من الأودية والتلال وتخوم مناطق سكنية تحت تبرير بثته وسائل إعلام إسرائيلية جاء فيه أن "جيش الدفاع يهاجم في هذه الأثناء بنى تحتية إرهابية تابعة لوحدة قوة الرضوان التابعة لـ'حزب الله' الإرهابي في جنوب لبنان".

في هذه الأثناء شاهد سكان جنوب لبنان وأبناؤهم التلامذة والطلاب ممن توجهوا صباحاً إلى مدارسهم وجامعاتهم الطائرات الحربية تحلق على علو متوسط وتغير على مناطق السريرة، والقطراني، ومرتفعات سجد، والريحان في منطقة جزين. واستبقت القوات الإسرائيلية اعتداءاتها على مناطق جنوبية باستهداف جرافة فجراً كانت تعمل على إزالة الركام في بلدة مركبا في قضاء مرجعيون، وهي تتبع مؤسسة "مجلس الجنوب" الذي يعمل بإمرة مجلس الوزراء اللبناني.

هذه الحرب المتكررة يومياً اعتاد عليها سكان الجنوب، وهي أصلاً لم تتوقف منذ إعلان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 برعاية أميركية وفرنسية، بوتيرة تصعيدية أحياناً ومتقطعة في أحيان كثيرة، وهي لا توفر مناطق جنوب نهر الليطاني الخاضعة لبنود القرار الأممي 1701 الصادر في أعقاب حرب يوليو (تموز) 2006 والمعدل بعد حرب عام 2024، الذي يقضي بوقف الحرب الدائرة هناك وتسليم سلاح "حزب الله" والانسحاب الإسرائيلي من المناطق الجنوبية المحتلة، ولا توفر هذه الوتيرة كذلك مناطق شمال الليطاني وصولاً إلى البقاع والعاصمة بيروت.

مخاوف الحرب

لكن كان لبدء الحرب المتوقعة على إيران تداعيات من القلق والمخاوف عند الجنوبيين الذين عانوا كثيراً القصف والنزوح واستمرار تشتت سكان أكثر من 26 بلدة وقرية جنوبية توزعوا على مناطق واسعة بين جنوب لبنان ومدنه وقراه ومناطق أخرى، بعدما دمرت إسرائيل بيوتهم وأحياءهم وقراهم ومزروعاتهم وحيواتهم الاقتصادية والاجتماعية، ولم تسمح لهم حتى اليوم بالعودة وإعادة بناء ما تهدم.

وتأتي هذه المخاوف في سياق الحرب وارتباط "حزب الله" سياسياً واستراتيجياً وتمويلاً وتسليحاً بإيران، ومن إمكان دخوله في مساندتها على نحو ما جرى في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بعد دخول الحزب في ما سمي بمعركة "إسناد غزة" التي عانى ومعه سكان لبنان من جنوبه إلى بقاعه وعاصمته ومدنه تداعيات هذه الحرب وما سببته من خسائر فادحة لجميع اللبنانيين، وبخاصة الجنوبيون.

يشير وزير خارجية لبنان السابق عدنان منصور (2011 - 2014) إلى أن "إسرائيل ما زالت تستهدف جنوب لبنان بأكمله وصولاً إلى بقاعه وشماله، بوجود حرب أميركية - إسرائيلية على إيران أو من دونها، بحرب مستمرة منفصلة عما يجري الآن في إيران. والهدف الإسرائيلي واضح بالنسبة إلى جنوب لبنان وأراضي الدول العربية الأخرى، وهو التوسع والسيطرة على الأرض بمعزل عن نتائج الحرب الأميركية – الإسرائيلية - الإيرانية، فأطماع إسرائيل واسعة بلبنان ولا أحد يوقفها وهي مدعومة من أقوى قوة في العالم، الولايات المتحدة، التي تتيح لها أن تفعل ما تشاء وما تريد، لذلك لا نسمع انتقادات تدينها تجاه اعتداءاتها المتكررة على لبنان أو منعها من ممارسة الاعتداءات الدائمة واليومية، ورأينا كيف أن الاتفاق الذي وقع معها في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 لم تكترث له على رغم تأليف لجنة خماسية لمراقبة وقف إطلاق النار هي الـ’ميكانيزم‘، ولم يزل الصراع معها مستمراً".

وبرأي الوزير السابق فإن "لبنان لن يشارك في الحرب الجديدة وهو يدرك ما هي إمكانات المعركة مع إسرائيل وحجمها. لا بل ما تقوم به إسرائيل هو عدوان شرس لا تكترث فيه للقوانين الدولية ولا لأية اعتبارات أخرى، لهذا السبب لبنان لن يقدم أو يؤخر في هذه المعركة مع إيران، ربما لو كانت مشاركة 'حزب الله' في هذه المعركة تمنع إسرائيل من مواصلة العدوان على إيران لقلنا إن ذلك جيد، لكن لا، لبنان إمكاناته تبقى محدودة جداً في مقاومة ترسانة عسكرية هائلة من الطائرات والقنابل الثقيلة والمدفعية والصواريخ".

ودعا الوزير منصور إلى "وجوب تغليب الحكمة عند اللبنانيين، إذ إن لبنان غير مستعد لفتح جبهة جديدة مع إسرائيل أو يسعى إلى الرد عليها، وهو جل ما تتمناه إسرائيل كي تمارس أشرس عدوان على لبنان وتحقق غاياتها في جنوبه، لذلك يجب أن تتبدى الحكمة والموضوعية في النظر إلى الحرب الدائرة مع إيران، وأن لبنان، و'حزب الله' تحديداً، لن يدخل هذه الحرب".

ماذا تحتاج إيران؟

يرى رئيس مركز "الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة" العميد الركن المتقاعد هشام جابر، أن "'حزب الله' إن لم يتدخل عسكرياً في هذه الحرب لمساندة إيران، يبقى جنوب لبنان على ما هو عليه، ضربات إسرائيلية هنا أو هناك، تتوسع أحياناً إلى شمال نهر الليطاني، لكن إذا تدخل الحزب في معركة المساندة أتوقع أن تشتد الضربات على لبنان ويكون عندها الحزب قد كشف أسلحته المخبأة وحقق أهدافاً جديدة لإسرائيل، ويمكن أن تشن الأخيرة في هذه الحال ضربة قاصمة بضوء أخضر أميركي".

ويستبعد العميد جابر أن يتدخل "حزب الله" في هذه الحرب حالياً، إلا إذا طاولت أياماً عدة واستدعى الأمر التدخل لمصلحة إيران. و"السؤال هنا: هل إيران في حاجة إلى مساندة الحزب من لبنان؟ ما أعرفه أن إيران كانت حتى الآن تطلب من الحزب ألا يتورط بحرب جديدة مع إسرائيل في حال وقوع ضربة محدودة عليها. وهنا يأتي سؤال آخر: هل ما حصل في إيران يعتبر ضربة محدودة؟ توقعت أن تحصل ضربة في العطلة الأسبوعية وها هي حصلت، لكن توقعت كذلك أن تكون محدودة ويمكن أن تمتصها إيران بضربة محدودة مماثلة".

ويشير جابر إلى أن "ما لاحظناه اليوم هو أن الأمور أفلتت نوعاً ما بسبب الدخول الإسرائيلي على الخط ومبادرتها إلى ضرب إيران. كنت أتوقع أن تلجم الولايات المتحدة الإسرائيليين وتمنعهم من التدخل، لكن الإسرائيليين فاجأوا الجميع وورطوا أميركا بالمعركة، وهذا إن دل على شيء فعلى أن الإسرائيليين وتحديداً نتنياهو أقوى من الرئيس ترمب على المستوى الأميركي. لا نعلم واقعاً إلى أين يمكن أن تؤول هذه الحرب، إيران ردت بضرب القواعد في الخليج فإن لم يسقط ضحايا من الأميركيين يمكن لملمة هذه الحرب، وإن كان هناك ضحايا فالرئيس ترمب لن يستطيع إيقاف هذه الحرب سريعاً".

ويقدر العميد جابر "مخاوف الجنوبيين من هذه الحرب، وبخاصة لأنهم يعيشون أجواء الحرب وجربوها كثيراً، وهم بالكاد يحتملون حرباً جديدة واسعة بعد حرب الـ66 يوماً المدمرة التي أدت إلى نزوح مئات الألوف منهم وتدمير عشرات القرى الحدودية وتهجير سكانها حتى اليوم على رغم قرار وقف إطلاق النار الصادر منذ عام وأشهر عدة، فهم ما زالوا يتعرضون لحرب محدودة تتصاعد أحياناً، والأمر اليوم يحتاج إلى تروٍّ وهدوء وضبط أعصاب، إن لم تتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية أكثر مما هي عليه حالياً. وثمة أهداف معينة تسعى وراءها إسرائيل بين جنوب الليطاني وشماله، ورأينا أنها تنفذ مهام الوحدة 8200 التي تضع مجموعة من الأهداف المعتمدة على التكنولوجيا المتطورة جداً، وفق بنك أهداف محدد سلفاً".

مخطط توسعي

يقول العميد المتقاعد في الجيش اللبناني منير شحادة (المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى الـ"يونيفيل")، "قبل أن نتطلع إلى الوضع في جنوب لبنان يجب أن نسأل عن الهدف من تحريض إسرائيل واللوبي الصهيوني العالمي وأميركا لشن حرب على إيران، اعتبارات أخرى لهذا السبب لبنان لن يقدم أو يؤخر في هذه المعركة مع إيران، ربما لو كانت مشاركة حزب ا والمستمر منذ مدة طويلة. وبعدما شاهدنا أن فضائح إبستين هي من مكبلات الرئيس الأميركي الذي لم يعد يستطيع معها أن يرفض الضغط الصهيوني العالمي والإسرائيلي لشن هذه الحرب، وهذا ما حصل اليوم، وجعل أميركا تنتظم بشكل مباشر فيها، لكن ما الهدف من التحريض الإسرائيلي وماذا تريد من أميركا بشن هذه الحرب؟ تريد أولاً إسقاط النظام الإيراني كي تكون إسرائيل بحسب رأيها قد قطعت رأس الأفعى لمحور المقاومة وتخلصت منه بالكامل مع المرشد الأعلى (خامنئي)".

وثانياً، بحسب العميد شحادة "عندما تنشب هذه الحرب كما حصل اليوم سيتوجه اهتمام العالم كله نحو هذه المواجهة التي ستغدو إقليمية، وقد لاحظنا أن إيران ردت على جميع الدول المنتشرة في محيطها، ولا أحد يعلم إلى أين تصل هذه الحرب، خصوصاً إذا استعملت إيران غداً ورقة مضيق هرمز وارتفع سعر النفط إلى نحو 300 دولار للبرميل الواحد، عندها سيتوجه العالم بأسره نحو هذه الحرب، وستتفرغ إسرائيل لغزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وجنوب سوريا وتتوسع في جميع الجهات، وفي ظل هذه الحرب سيستغل نتنياهو انشغال العالم بهذه الحرب الإقليمية لتنفيذ ما يسعى إليه في المنطقة من دون رادع يردعه".

وأوضح العميد شحادة أن إسرائيل أرسلت حالياً الفرقة 91 إلى الحدود مع لبنان تحسباً لرد "حزب الله" في حال حصل هذا الرد، لكنه لا يرى من خلال ذلك تصعيداً إسرائيلياً باتجاه لبنان. ويبقى السؤال هنا: ماذا سيحصل؟ هل ستقوم إسرائيل بشن حرب على لبنان مستغلة الحرب الإقليمية في إيران ومحيطها؟

أما رداً على سؤال كثر من اللبنانيين: هل سيقوم "حزب الله" بفتح حرب إسناد لإيران؟ فيرى العميد شحادة "أن الحزب لن يفتح حرب إسناد لإيران كما يحكى، ولكن القصة بيد نتنياهو شخصياً إذا ما شن حرباً شاملة على لبنان مستغلاً اهتمام العالم بحرب إيران الإقليمية، كما على غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا، عندها سيكون للحزب رد يتناسب والوضع القائم ولن يقف مكتوف الأيدي. أما أن يبادر ليساند إيران، فإنها ليست في حاجة إلى هذه المساندة، والحزب لن يبدأ بأي حرب إسناد مراعياً الوضع اللبناني الداخلي والتعقيدات الداخلية واحتمال عدم نزوح مليوني لبناني من جديد واستهداف إسرائيل النازحين أنى حلوا لتأليب الرأي العام، وللبنى التحتية في لبنان، كل هذه الأمور يأخذها الحزب في الاعتبار".

بيان الحزب

من جهته أعلن "حزب الله" أمس السبت، "تضامنه الكامل مع إيران"، داعياً "دول وشعوب المنطقة إلى الوقوف في وجه المخطط العدواني على الجمهورية الإسلامية التي تتعرض لضربات إسرائيلية وأميركية، فيما ترد طهران بقصف إسرائيل وقواعد أميركية في دول خليجية".

وإذ أعلن الحزب في بيانه "عن تضامنه الكامل مع إيران، قيادة وشعباً"، فإنه يدعو "دول وشعوب المنطقة إلى الوقوف في وجه هذا المخطط العدواني وإدراك خطورته، وأن عواقبه الوخيمة ستطاول الجميع من دون استثناء في حال ترك بلا مواجهة حازمة".

ودان البيان "العدوان الأميركي - الإسرائيلي الغادر الذي استهدف إيران بعد أشهر من التهديدات الإسرائيلية والأميركية التي هدفت إلى إخضاع إيران ودفعها إل الاستسلام وسلبها حقها الطبيعي والمشروع في امتلاك القدرة النووية السلمية وتطوير قدراتها الصاروخية الدفاعية أسوة بسائر دول العالم".

واعتبر البيان أن هذا "العدوان الجديد يشكل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة، وهو استمرار لنهج الغطرسة والاستكبار الذي تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة".

ورأى أن ما يجري اليوم وبعد "فشل حرب الـ12 يوماً التي شنتها إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي بمشاركة أميركية مباشرة، هو تأكيد أن المشكلة لم تكن يوماً في البرنامج النووي، بل في رفض وجود دولة قوية في المنطقة تعتمد على نفسها، وتتمسك بسيادتها وقرارها الوطني المستقل".

وشدد الحزب في بيانه على "أننا واثقون بأن العدو الأميركي والإسرائيلي سيتلقى صفعة كبيرة ولن يحصد سوى الفشل من عدوانه".

ولم يشر بيان الحزب، في تعليق هو الأول على الحرب، إلى إمكان انتظامه في المواجهات وسط دعوات رئاسية وحكومية إلى "تجنيب لبنان كوارث وأهوال الصراعات الخارجية وعدم القبول بإدخال البلاد في مغامرات تهدد أمنها ووحدتها".

يستبعد محللون أن يتدخل حزب الله في هذه الحرب الدائرة حالياً (أ ف ب)
يستبعد محللون أن يتدخل حزب الله في هذه الحرب الدائرة حالياً (أ ف ب)


مخاوف الجنوبيين تتزايد من الحرب، بخاصة أنهم جربوها كثيراً (أ ف ب)​​​​​​​
مخاوف الجنوبيين تتزايد من الحرب، بخاصة أنهم جربوها كثيراً (أ ف ب)​​​​​​​


تعليقات: