راشد شاتيلا: الجنوب.. نشيدُ الأرض حين تكتب الكرامة بدمها ويولد لبنان من الرماد

راشد شاتيلا: نحتاج إلى إعمارٍ يليق بالتضحيات
راشد شاتيلا: نحتاج إلى إعمارٍ يليق بالتضحيات


لبنان ليس مجرد وطنٍ على خارطة، بل فكرةٌ أكبر من الجغرافيا، وأعمق من السياسة، وأبقى من كل الأزمات. هو وطنٌ صاغته الحضارات، واحتضنته السماء ببحرٍ يعانق جبلاً، وبأرضٍ تثمر رغم الجراح ، وبشعبٍ يتقن فنّ النهوض كما لو أنه وُلد من رحم التحدي.

وفي قلب هذا الوطن، يقف الجنوب لا كحدودٍ، بل كعنوان. الجنوب ليس طرفاً في الحكاية، بل أصلها حين يشتدّ الامتحان. هو الأرض التي تعلّمت أن تُزهر بعد النار، وأن تُنبت الحياة فوق الرماد. هناك، حيث تمتدّ القرى كأغنياتٍ قديمة تحفظها الذاكرة، وحيث الزيتون شاهدٌ على صبر السنين، تُكتب فصول من كرامةٍ لا تنحني.

الجنوب ليس مشهداً عابراً من وجع؛ هو مدرسة في الثبات. في طرقاته المتعبة خطوات رجالٍ رفضوا الانكسار، وفي نوافذه المفتوحة دعوات أمهاتٍ يعرفن أن الوطن أمانة. كل بيتٍ فيه قصة، وكل حجرٍ يحمل أثراً، وكل حقلٍ يعرف أن جذوره أعمق من أي ريح.

إعادة إعمار الجنوب ليست مشروع إعادة بناء فحسب؛ إنها إعادة تثبيت المعنى. ليست مهمة هندسية، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية. فحين يُعاد ترميم منزلٍ هناك، لا يُعاد سقفٌ فحسب، بل تُعاد الطمأنينة إلى قلب عائلة، ويُعاد الأمل إلى طفل، ويُعاد الإيمان إلى وطن.

نحتاج إلى إعمارٍ يليق بالتضحيات، إعمارٍ لا يقوم على الترقيع بل على رؤية بعيدة المدى. بنى تحتية حديثة، طرقات آمنة، شبكات مياه وكهرباء مستقرة، مدارس تفتح أبواب المستقبل، مستشفيات تحفظ كرامة الإنسان. نريد جنوباً لا يعيش على هامش الدولة، بل في صلبها. جنوباً يتحول إلى نموذجٍ للتنمية المتوازنة، حيث تلتقي الزراعة المتطورة بالصناعات الصغيرة، وحيث تُستثمر التكنولوجيا الحديثة لخدمة الأرض والناس.

لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية: أن يحوّل الألم إلى نقطة انطلاق. أن يجعل من الجنوب ورشة وطنية جامعة، تشارك فيها الدولة بصدق، والمجتمع المدني بوعي، والمغتربون بوفاء، والشباب بحماسة وإبداع. فالمغترب الذي نجح في العالم قادر أن يزرع جزءاً من نجاحه في قريته. والشاب الذي يحلم بمستقبل كريم يستحق أن يجده في أرضه، لا في منفى بعيد.

أما الشهداء… فهم الكلمة الأصدق في هذه الحكاية.

تحية لروح كل شهيدٍ ارتقى، فصار اسمه نجمةً في سماء الوطن.

تحية لأمهاتهم اللواتي حوّلن الفقد إلى صبر، ولآبائهم الذين حملوا الألم بكرامة، ولعائلاتهم التي بقيت ثابتة كالأرض نفسها.

رحم الله شهداء الجنوب، وجعل ذكراهم عهداً علينا بأن يكون لبنان أقوى، وأعدل، وأسمى من كل خلاف.

فالدم الذي رُوي به التراب ليس مجرد ذكرى، بل مسؤولية في أعناق الأحياء.

لبنان لا يُقاس بأزماته، بل بقدرته على تجاوزها.

والجنوب لا يُعرّف بجرحه، بل بصلابته.

وحين تتكاتف الأيدي لإعادة البناء، يصبح الإعمار فعلاً من أفعال الإيمان، ويصبح الوطن فكرةً متجددة لا تنطفئ.

وإذا أردنا أن نذكر اسماً يختصر معنى الجنوب، فإن الخيام تقف شامخةً في الذاكرة. هذه البلدة التي حملت في تاريخها صفحاتٍ من الألم والصبر، لم تكن يوماً مجرد عنوان لمعاناة، بل رمزاً لإرادة الحياة. في سهلها الممتدّ تتعانق البيوت مع الحقول، وفي سمائها ترتفع الحكايات التي تناقلها أهلها جيلاً بعد جيل. الخيام ليست فقط أرضاً عانت، بل أرضاً أنجبت رجالاً ونساءً كتبوا بالصبر معنى البقاء. أهلها يشبهون ترابها: هادئون في ظاهرهم، عميقون في جذورهم، ثابتون مهما اشتدت الرياح. من معاناتها خرجت قصص عزّة، ومن صبرها وُلدت دروس في الكرامة. واليوم، كما في الأمس، تبقى الخيام عنواناً لوطنٍ يرفض أن يُكسر.

لبنان وطن الرسالة،

والجنوب قلبه الذي يخفق بالكرامة.

ومن هذا القلب، يولد الضوء… كل مرة.

راشد شاتيلا - سياسي لبناني

تعليقات: