هدى صادق: حتى الأرض في الجنوب تصوم


في جنوبِ لبنان

الصيامُ مختلف

قد يفطرُ البعضُ في الجنّة

على تمرٍ من نورٍ وجرعةِ سلام

وقد يفطرُ آخرون على حافةِ الغياب

يقتسمون الخبزَ مع الغبار

ويبلّلون شفاههم بندى الصبر

هناك لا يُقاسُ الجوعُ بعددِ الساعات

بل بعددِ الأسماءِ التي صعدتْ خفيفةً

كحمامٍ أفلتَ من بينِ الركام

في الجنوب حين يؤذّنُ المغرب

لا ينحني الوقتُ فقط تنحني القلوبُ فوق صورٍ معلّقة

تتلمّسُ وجوهاً غابت وبقيت أكثر حضوراً من الضوء

الأمُّ تفطرُ على دمعةٍ مالحة

وتقول الحمدُ لله كأنها تُربّتُ على كتفِ السماء

والأرضُ هناك صائمةٌ أيضاً تمسكُ عطشها كي لا تئنّ

وتخبّئ في ترابها أسرارَ الذين مرّوا خفافاً كدعاء

في جنوبِ لبنان

الصيامُ صلاةٌ أخرى صبرٌ مشتبكٌ مع الرجاء

وصوتُ مؤذّن يشقُّ الغروبَ

ليقول للذين غابوا لسنا وحدنا

أنتم إفطارُ قلوبِنا

كلّ مساء

وفي الأزقّةِ الضيّقة

يمشي المساءُ متكئاً على جدارٍ مثقوب

تلمعُ فيه آثارُ الأمس كوشمٍ لا يزول

الأطفالُ هنا يكبرون دفعةً واحدة

يتعلّمون العدَّ بعددِ النوافذِ التي لم تعد نوافذ

ويرسمون شمساً كبيرة كي يعوّضوا نقصَ الضوء

البيوتُ تحفظُ أصواتَ أصحابها

الكراسي ما زالت تنتظرُ أجساداً تعرفُ شكلها

والأكوابُ الموضوعةُ على الرفّ تحفظُ حرارةَ كفٍّ لن تعود

وفي لحظةِ الإفطار تختلطُ رائحةُ الحساء برائحةِ الترابِ المبلّل بالحنين

ويصيرُ الدعاءُ أكثرَ وضوحاً من أيِّ كلام

يا جنوبُ

يا شرفةً مفتوحةً على الوجعِ والكرامة

كيف استطعتَ أن تجعلَ من الجوعِ

سُلّماً إلى السماء

كيف جعلتَ من الانتظارِ

عبادةً أخرى

ومن الحنينِ

وطناً يسكنُ في الصدر

في جنوبِ لبنان

لا ينتهي الصيامُ عند الأذان

بل يبدأُ إفطارٌ آخر

إفطارُ الروحِ على اليقين

وإفطارُ القلبِ على أنَّ الذين سبقونا إلى الضوء تركوا لنا

ما يكفي من النور لنواصل

إبنة الخيام هدى صادق

تعليقات: