
شهد لبنان مؤخرًا حدثين متزامنين لافتين على المستوى السياسي والعسكري، شكّلا مادة نقاش واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. تمثّل الحدث الأول في عودة قائد الجيش من زيارة خارجية شملت واشنطن، في وقت كان يُتداول فيه حديث عن احتمال تنظيم استقبال شعبي واسع له على طريق المطار، قبل أن تتم العودة بهدوء ودون أي مشهد جماهيري لافت.
في المقابل، تزامن ذلك مع زيارة غير متوقعة لرئيس الحكومة إلى جنوب لبنان، وتحديدًا إلى بلدة عيتا الشعب، وهي منطقة تحمل رمزية ميدانية ووطنية خاصة في الوعي الجنوبي واللبناني عمومًا. وقد تحولت الأنظار سريعًا إلى هذه الزيارة، خصوصًا في ظل توقيتها المفاجئ وطبيعة الموقع الذي جرت فيه.
هذا التزامن بين عودة خارجية ذات بعد عسكري سيادي، وبين تحرك حكومي ميداني مفاجئ في منطقة حساسة، دفع جزءًا من الرأي العام إلى طرح أسئلة حول ما إذا كان ما حصل مجرد تقاطع طبيعي بين مسارات سياسية مختلفة، أم أنه يعكس — كما يرى بعض المراقبين — طبيعة إدارة المشهد العام في لحظات حساسة حيث يصبح للتوقيت بحد ذاته دلالة سياسية.
في لبنان، لا تُقرأ الأحداث السياسية والعسكرية بمعزل عن الذاكرة الجماعية. فبلد عاش حروبًا، واغتيالات، وتسويات مفاجئة، وتحولات حادة في موازين القوى، لم يعد يسأل فقط: ماذا حدث؟ بل أصبح يسأل : لماذا حدث الآن؟ ولماذا بهذا الشكل تحديدًا؟
هذه الحساسية تجاه تزامن الاحداث ليست بالضرورة تعبيرًا عن نزعة إلى نظرية المؤامرة، بقدر ما هي نتيجة تجربة تاريخية طويلة علّمت اللبناني أن القرارات الكبرى لا تُعلن دائمًا بصيغتها الكاملة، وأن كثيرًا من التحولات تبدأ بإشارات صغيرة قبل أن تتحول إلى مسارات واضحة.
إضافة إلى ذلك، يعيش المجتمع اللبناني منذ سنوات في حالة قلق وجودي مستمر، ما يجعله أكثر استعدادًا للبحث عن المعنى خلف الأحداث، وأكثر حساسية تجاه أي تغيير مفاجئ في صورة المشهد العام أو في توزيع الضوء الإعلامي والسياسي بين حدث وآخر.
ماذا تقول زيارة رئيس الحكومة إلى الجنوب؟ وكيف يمكن قراءتها؟
زيارة رئيس الحكومة إلى جنوب لبنان، وتحديدًا إلى منطقة تحمل رمزية ميدانية ووطنية عالية مثل عيتا الشعب، لا يمكن قراءتها كتحرك بروتوكولي عادي. فالجنوب اللبناني ليس فقط جغرافيا، بل مساحة رمزية تتداخل فيها مفاهيم السيادة، المقاومة، حضور الدولة، وحدود التوازن بين القرار الداخلي والضغط الخارجي.
من زاوية أولى، يمكن قراءة الزيارة كرسالة تثبيت لدور الدولة في مناطق لطالما ارتبطت بالمعادلات الأمنية والعسكرية الحساسة، ورسالة بأن حضور الدولة السياسي والمؤسساتي يبقى عنصرًا أساسيًا في أي مرحلة دقيقة يمر بها البلد.
ومن زاوية ثانية، يمكن قراءة الزيارة كرسالة طمأنة داخلية، في لحظة يشعر فيها اللبنانيون بقلق متزايد من التحولات الإقليمية ومن احتمال انعكاسها على الداخل اللبناني.
أما القراءة الثالثة، وهي الأكثر حساسية سياسيًا، فتربط توقيت الزيارة بالسياق العام للمرحلة، حيث يرى بعض المراقبين أن تكثيف الحضور السياسي الرسمي في مناطق ذات رمزية ميدانية عالية قد يعكس رغبة في تثبيت صورة الدولة كمظلّة جامعة فوق كل التوازنات الداخلية، خصوصًا في لحظات ترتفع فيها الرمزية الشعبية حول مؤسسات أو شخصيات سيادية معينة.
كيف تُترجم التوازنات الدولية أحيانًا داخل المشهد المحلي دون إعلان مباشر؟
في الدول التي تقع عند تقاطع المصالح الإقليمية والدولية، لا تظهر التوازنات الخارجية دائمًا عبر بيانات سياسية واضحة أو تفاهمات معلنة. ففي كثير من الأحيان، تتسلل هذه التوازنات إلى الداخل عبر شكل إدارة المشهد العام أكثر مما تتسلل عبر النصوص الرسمية.
يظهر ذلك أحيانًا في توقيت التحركات السياسية، وفي مستوى الحضور الإعلامي لبعض الأحداث دون غيرها، وفي طبيعة الإيقاع العام الذي تسير عليه المرحلة.
في الحالة اللبنانية تحديدًا، تزداد حساسية هذا النمط من الترجمة غير المباشرة، نظرًا لطبيعة التركيبة الداخلية وتعقيد شبكة العلاقات الخارجية في آن واحد. فلبنان تاريخيًا كان ساحة تتقاطع فيها حسابات متعددة، ما يجعل أي تغير في صورة مؤسسة سيادية أو أي صعود سريع في رمزية أي شخصية داخلية يُقرأ خارجياً ضمن سياق أوسع من مجرد حدث محلي.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال المطروح في النقاش العام اللبناني أعمق من مجرد قراءة حدثين متزامنين، ليتصل بسؤال أوسع حول ما إذا كانت المرحلة تحمل مؤشرات على إعادة ضبط تدريجي للأدوار بين المؤسسات السيادية والدولة في إدارة ملفات حساسة، خصوصًا في الجنوب، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية في آن واحد.
في المقابل، يبقى من الضروري التمييز بين قراءة الإشارات كجزء من تحليل سياسي واقعي، وبين تحويل كل تزامن أو كل تغير في المشهد العام إلى نتيجة حتمية لمسار خارجي واحد.
وفي هذا السياق، قد لا يكون ما شهده المشهد اللبناني في تلك الفترة تعبيرًا عن مسار سياسي جديد مكتمل المعالم، ولا مجرد تزامن عابر بين أحداث منفصلة، بل أقرب إلى لحظة إعادة ترتيب هادئة للإيقاع العام بين الدولة، المؤسسات السيادية، والمشهد الإقليمي المحيط. لحظة لا تُعلن عن نفسها بقرارات كبيرة، لكنها تظهر عبر التوقيت، وتوزيع الأدوار، وشكل الحضور في المساحات الأكثر حساسية.
ويمكن هنا التمييز بين إعادة ترتيب تبقى ضمن التطور الطبيعي للنظام السياسي، وأخرى قد تثير القلق داخل المجتمعات المركبة. ففي دولة مثل لبنان، تكون إعادة الترتيب مطمئنة عندما تتم تدريجيًا، وضمن توافق داخلي، وتحافظ على التوازن بين مؤسسات الدولة والقوى الفاعلة في المجتمع. لكنها قد تصبح مقلقة عندما تأتي بسرعة غير معتادة، أو في ظل ضغط خارجي واضح، أو عندما تمسّ بشكل مباشر أو غير مباشر تعريف الشرعية الوطنية أو رمزية الأمن والتمثيل داخل الدولة.
وفي هذا الإطار، يصبح أي تزامن بين أحداث سياسية أو ميدانية حساسة خاضعًا لقراءات متعددة، خاصة في مجتمع يحمل ذاكرة طويلة مع تأثيرات الخارج على توازناته الداخلية.
وإذا كان من المبكر الحديث عن تحولات مكتملة المعالم، فإن مثل هذه اللحظات غالبًا ما تشكّل بدايات هادئة لمراحل إعادة تموضع أوسع، تتضح ملامحها تدريجيًا مع تطور المشهدين الداخلي والإقليمي في آن واحد. وهي ملامح لا تُقاس بحدث واحد، بل بتراكم إشارات صغيرة تُعيد رسم توازنات المرحلة على المدى المتوسط.
وهنا تحديدًا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
هل يوجد في عالم السياسة صدفة في التوقيت؟
قد يحدث التزامن أحيانًا بلا تخطيط… لكن في عالم تحكمه التوازنات، نادرًا ما يمر التوقيت بلا دلالة. فالأحداث لا تُقرأ فقط بما هي عليه، بل باللحظة التي تظهر فيها، وبالسياق الذي يحيط بها.
وفي بلد مثل لبنان، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع الإقليمية والدولية، يبقى التحدي الحقيقي ليس في الجزم بأن كل شيء محسوب… ولا في اعتباره مجرد صدفة، بل في القدرة على قراءة المشهد بوعي، دون تبسيط، ودون مبالغة.
*****
#قراءة_في_الحدث
#الوعي_السياسي
#توازنات_إقليمية
#قراءة_سياسية
#الجنوب_اللبناني
#مي_حسين_عبدالله
الخيام | khiyam.com
تعليقات: