راشد شاتيلا: الخيام.. حين يصبح الصمود لغة القلب فيها

راشد شاتيلا: جمال الخيام لا يُختصر في صورة، بل في هذا التوازن النادر بين القسوة والحنان
راشد شاتيلا: جمال الخيام لا يُختصر في صورة، بل في هذا التوازن النادر بين القسوة والحنان


الخيام ليست مكانًا يُزار، بل حالة تُشبه الدعاء الصامت. هي البلدة التي تعلّمت أن تمشي على جراحها دون أن تتركها تنزف في العلن، وأن تحفظ كرامتها كما تحفظ البيوت مفاتيحها القديمة. في الخيام، للصبر ملامح، وللثبات نبرة دافئة لا تحتاج إلى تفسير.

هنا، لا يُقاس الصمود بحجم الضجيج، بل بعمق السكينة. صمود الخيام هو ذاك الوقوف الهادئ الذي يشبه الجبال حين تصمت، لكنه لا يغيب. هو صمود الأرض التي تعرف أسماء أهلها، والبيوت التي تُغلق أبوابها على الخوف وتفتح نوافذها على الأمل. كل حجر فيها يحمل أثر انتظار طويل، وكل طريق يعرف معنى العودة.

الخيام بلدة تعرف كيف تحتضن الألم دون أن تسمح له أن يُفسد روحها. تعلّمت أن تُرمّم نفسها بنفسها، وأن تعيد ترتيب الأيام قطعةً قطعة، كما تُرتّب الأم قلب طفلها بعد الخوف. في تفاصيلها الصغيرة في تحية الصباح، وفي ضحكة عابرة، وفي صمت المساء يعيش صمود ناعم، إنساني، عميق.

تحية لأهل الخيام، لمن جعلوا من الثبات أسلوب حياة، ومن البساطة كرامة، ومن الحضور الهادئ قوة لا تحتاج إلى إعلان. تحية لمن حملوا البلدة في قلوبهم في أصعب الأيام، وحافظوا على روحها نقية، مؤمنين بأن الأمل ليس ترفًا عابرًا بل ضرورة تُبقي المكان حيًا.

وفي الخيام، للشهداء مقام خاص. هم ليسوا غيابًا، بل حضورًا أعمق من المكان. أسماؤهم لا تُقال بصوت مرتفع، بل تُحفظ في القلب باحترام وامتنان. تركوا أثرهم كما يترك الضوء أثره في الظلام : لا يُرى دائمًا، لكنه يُغيّر كل شيء. ذكراهم ليست حزنًا، بل عهدًا بالصبر والكرامة.

جمال الخيام لا يُختصر في صورة، بل في هذا التوازن النادر بين القسوة والحنان. في طرقاتها العظمة، وفي وجوه أهلها صدق يُشبه السلام الداخلي. كأن البلدة تعلّمت أن تُحوّل الخسارة إلى عمق، والتجربة إلى حكمة، والانتظار إلى يقين هادئ.

الخيام تعرف كيف تبقى، لا لأنها لم تتألم، بل لأنها لم تسمح للألم أن يُغيّر جوهرها. تبقى بأهلها الذين أحبّوها بصمت، وبشهدائها الذين صاروا جزءًا من ضوئها، وبذاكرتها التي لا تكره، بل تتذكّر بكرامة.

من الخيام نتعلّم أن الصبر ليس ضعفًا، بل نورٌ يسكن القلب ويهدي الطريق. هي مثال على أن الثبات الصادق يصنع الطمأنينة، وأن القلوب التي تصبر بكرامة تظلّ مضيئة مهما اشتدّ الظلام.

الخيام، في النهاية، ليست فقط بلدة صامدة، بل درسٌ إنساني في كيف يمكن للإنسان أن يكون قويًا دون قسوة، وحاضرًا دون ضجيج. هي وعدٌ بأن الصبر، حين يكون صادقًا، يصنع جمالًا لا يزول.

راشد خضر كمال شاتيلا

سياسي لبناني مختص في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات

تعليقات: