لبنان تحت القصف: وجعُ النزوح.. وتحدياتُ الدواء والُغذاء

هنا تتحول الحرب من خبرٍ إلى يوميات: حين يتأخر الغذاء وقت الحاجة، ويغيب الدواء عندما يصبح العلاج عاجلًا. (المدن)
هنا تتحول الحرب من خبرٍ إلى يوميات: حين يتأخر الغذاء وقت الحاجة، ويغيب الدواء عندما يصبح العلاج عاجلًا. (المدن)


نشر المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، تقريرًا جديدًا بعنوان "لبنان تحت القصف: نزوحٌ يفرض نفسه… والدواء والغذاء على حافة الندرة"، جاء فيه:

بين قصفٍ يقترب من الأحياء، وتهديداتٍ تُقفل هامش الاختيار، يرصد “المؤشر العربي 2025” كيف تحوّلت الحرب على لبنان إلى تجربة معيشية: نزوحٌ داخل البلد وخروجٌ منه، وترحيبٌ في مناطق الاستقبال، مقابل تآكلٍ في القدرة على تأمين الأساسيات.

على مدى أسابيع طويلة وثقيلة، عاش اللبنانيون في مناطق الاستهداف تحت إيقاع حربٍ لا تُقاس فقط بما تسقطه من قذائف، بل بما تفعله في تفاصيل الحياة.

في الحرب، لا ينهار المكان دفعة واحدة… ينهار بالتفاصيل.

بيتٌ يصير احتمالًا، وحيٌّ يتحوّل إلى دائرة خطر، وطريقٌ يُعاد رسمه كل يوم.

عندها يكتشف الناس فجأة أن أكثر الأسئلة بداهةً يمكن أن تتحول إلى أسئلة مصيرية:

هل نبقى؟ أم نغادر؟ وإلى أين؟

في إطار “المؤشر العربي 2025”، طُرحت مجموعة أسئلة لالتقاط بعض جوانب أثر الحرب الإسرائيلية على لبنان كما عاشها الناس، لا كما تُروى في البيانات.

ولأنّ الأسئلة اقتربت من يوميات الناس، وتركّزت على النزوح، التجربة في مناطق الاستقبال، والقدرة على تأمين الضروريات، جاءت الإجابات واضحة وقاسية، كصورة مكثّفة عن بلدٍ يعيش تحت القصف:

نزوحٌ واسع في مناطق الاستهداف، وترحيبٌ في مناطق الاستقبال… لكن مقابل اختبارٍ يومي للحدّ الأدنى من الحياة، من الغذاء إلى الرعاية الصحية والدواء.

يُذكَر أنّ الاستطلاع نُفّذ ميدانيًا في مارس/ آذار 2025، أي بعد فترة على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لا يزال هشًا إلى حدّ بعيد.

خروجٌ من لبنان.. قبل النزوح داخله

لا تنتهي الحرب عند حدود القصف، بل تمتد إلى قراراتٍ عائلية قاسية، إذا فُتِح المجال لها: من يبقى، ومن يخرج، وإلى أين؟

وعندما يُترجم الخطر إلى قرارٍ عائلي، تظهر النتيجة التالية:

10% من المستجيبين قالوا إن أحد أفراد أسرهم غادر لبنان بسبب الحرب.

هل غادر أحد أفراد أسرتك لبنان نتيجة الحرب؟

هل غادر أحد أفراد أسرتك لبنان نتيجة الحرب؟

هذا الرقم وحده يكفي للدلالة إلى أن الحرب، حين تطول أو تتصاعد، لا تبقى "داخل الحدود"؛ فهي تدفع بعض الأسر إلى خيارٍ حاسم: الخروج، ولو مؤقتًا، بحثًا عن أمانٍ لا يملكون ترف انتظاره.

نزوحٌ واسع في مناطق الاستهداف

في الحرب على لبنان، لا تُختزل الكلفة بالدمار وحده. الكلفة الحقيقية تبدأ حين يصبح الانتقال هو القاعدة، لا الاستثناء.

وإذا كانت نسبة الذين غادروا البلد قليلة نسبيًا، فإنّ نسبة الذين نزحوا في الداخل، بين المناطق، أكبر بكثير.

في النتائج التي عرضها المؤشر العربي في تقريره، يتبيّن أنّ 76% من المستجيبين من المناطق التي استُهدفت في الحرب (جنوب لبنان، الضاحية الجنوبية، وغيرها) أنّهم اضطرّوا إلى النزوح خلال فترة الحرب.

هل اضطررت إلى النزوح خلال فترة الحرب على لبنان؟

هل اضطررت إلى النزوح خلال فترة الحرب على لبنان؟

هنا نقطة أساسية: الحديث عن نزوحٍ ليس كحالة فردية، بل كواقعٍ غلب على الحياة في "مساحات محددة" داخل لبنان، بحيث يصبح الانتقال جزءًا من يوميات الحرب، لا تفصيلًا على هامشها.

لماذا نزح الناس؟

لا يتوقف المؤشر عند تسجيل "حجم النزوح" من بوابة سؤال "هل نزحتم؟"، بل يحاول أن يتعمّق في القراءة، فيسأل عن السبب المباشر للنزوح.

هنا أيضًا، جاءت الإجابات بمثابة خريطة مختصرة للضغط الذي يسبق القرار:

54% نزحوا لأن بعض المنازل المحيطة بهم تعرّض للقصف والتدمير.

19% نزحوا لأن أجزاءً من مكان سكنهم قُصفت ودُمّرت.

16% قالوا إن نزوحهم كان سببه تهديدات الجيش الإسرائيلي.

هذه الأرقام تشرح لحظة التحول: حين يصبح القصف في محيط البيت كافيًا لتفكيك فكرة "نُكمل يومًا آخر"، أو حين تتحول التهديدات إلى عاملٍ يُسقط خيار البقاء من الأساس.

مناطق النزوح "مرحِّبة".. رغم ضغط الحرب

وسط هذا المشهد القاسي، تكشف النتائج مؤشرًا اجتماعيًا لافتًا:

88% من المستجيبين عبّروا عن شعورهم بأن المنطقة التي نزحوا إليها كانت مرحبة بهم.

في بلدٍ مُنهك اقتصاديًا وخدماتيًا، تحمل هذه النسبة معنى إضافيًا: أن المجتمع، في لحظات الانكشاف، يتحول إلى شبكة أمانٍ مؤقتة حين تتراجع شبكات الدولة أو تعجز عن مواكبة الحاجة.

خلال فترة النزوح، إلى أيّ مدى شعرت أن المنطقة التي عشت فيها كانت مُرحّبة بك؟

خلال فترة النزوح، إلى أيّ مدى شعرت أن المنطقة التي عشت فيها كانت مُرحّبة بك؟

الأساسيات حين تُختبر: الغذاء والدواء

لا تُقاس الحرب فقط بحركة النزوح، بل بما يليها: كيف يؤمّن الناس أبسط الضروريات؟

هنا تسجل النتائج ما يشبه "تآكل الحد الأدنى"، إن صحّ التعبير:

عبّر نحو نصف المستجيبين أو أكثر من المناطق التي تعرضت للحرب بأن المواد الغذائية الأساسية لم تكن متوافرة حين احتاجوا إليها.

وقال 41% إنهم لم يحصلوا على الرعاية الصحية أو الأدوية عندما احتاجوا إليها.

عبر نحو نصف المستجيبين أو أكثر من المناطق التي تعرضت للحرب بأن المواد الغذائية الأساسية لم تكن متوافرة حين احتاجوا إليها. وقال 41% إنهم لم يحصلوا على الرعاية الصحية أو الأدوية عندما احتاجوا إليها. المؤشر العربي في نقاط 2025

نسبة المستجيبين اللبنانيين في المناطق التي استهدفت في الحرب الذين أفادوا أن الخدمات المختلفة كانت متوافرة لديهم في أغلب الأحيان أو بعض الأحيان أو نادرًا

هنا تتحوّل الحرب من خبرٍ إلى يوميات: حين يتأخر الغذاء وقت الحاجة، ويغيب الدواء عندما يصبح العلاج عاجلًا، لا يعود القصف وحده مصدر الخطر، بل تعطّل الخدمات وسلاسل الإمداد.. وضغطُ الاحتمال.

في الخلاصة

في حرب لبنان، لا يكشف النزوح وحده حجم الكلفة، بل ما يتبعه. فالمناطق قد تكون مُرحِّبة، لكن الترحيب لا يكفي عندما تُختبر الخدمات ويُقاس اليوم بالغذاء الممكن والدواء المتاح.

هكذا، بين تضامنٍ اجتماعي واضح وانكشافٍ معيشي قاسٍ، يرسم "المؤشر العربي 2025" معنى الحرب بوصفها ضغطًا طويلًا على حياة الناس لا لحظةً عابرة.

في الحلقة المقبلة من هذه السلسلة، إطلالة على صورة لبنان خارج مشهد الحرب كما يعكسها المؤشر: الاقتصاد، السياسة، الثقة بالمؤسسات، والهجرة والمشاركة.

أرقام سريعة

10%: غادر أحد أفراد الأسرة لبنان نتيجة الحرب.

76%: نزحوا في المناطق التي استُهدفت في الحرب.

أسباب النزوح: 54% قصف منازل محيطة/ 19% قصف أجزاء من السكن/ 16% تهديدات.

88%: شعروا بأن مناطق النزوح كانت مرحبة.

41%: لم يحصلوا على الرعاية الصحية أو الأدوية عند الحاجة (ونحو نصف أو أكثر: الغذاء الأساسي لم يكن متوافرًا عند الحاجة).

تعليقات: