يوميات مواطن في «جمهورية الليلكي»

لا ينضب الرصاص لا في الأفراح ولا في الأتراح (هيثم الموسوي)
لا ينضب الرصاص لا في الأفراح ولا في الأتراح (هيثم الموسوي)


على مدى يومين متواصلين، لم ينم سكان منطقة الليلكي والأحياء المجاورة. الرصاص الذي أُطلق في استقبال جثمان الشاب ع.ز. بعدما قُتل في اشتباك مع الجيش خلال محاولته الهروب إلى سوريا، كما الرصاص الذي أُطلق خلال تشييعه في اليوم التالي، أبقى أهالي المنطقة أسرى ممرّات منازلهم يحاولون قدر الإمكان التخفيف من الخوف الذي سيطر على أولادهم. هي ليست المرة الأولى، وفق ما تؤكده شهادة أحد المقيمين في الحي:

مرحى يا إخوتي في الجمهورية اللبنانية، أكتب لكم هذه الليلة متخذاً كلّ الاحتياطات اللازمة لقضاء الليلة في ممرّ البيت بعدما وقع إشكال مسلّح ظهراً، نتوقع أن تستمرّ ارتداداته حتى ساعات الليل، مع ما يعنيه الأمر من رعب للأطفال وخروجهم من أسرّتهم مذعورين يدورون ولا يعرفون أين الملجأ. يا إخوتي في الوطن كاتب هذه السّطور مواطن في جمهورية الليلكي المستقلة، يحكي لكم عن حاله الليلة بين رصاص وخوّات، لاعناً الأقدار التي وضعته في هذه البؤرة من الكرة الأرضية دون غيرها.

لا ينضب الرصاص في جمهوريتنا، لا في الأفراح ولا في الأتراح. وهذا الرصاص يُطلق على الناس، سواء كان في الهواء فيُصيب الشرفات والأشخاص على حدّ سواء، أو على «الصايب» بقصد القتل فيُقتل، وكلّ من يُقتل في جمهوريتنا شهيد مظلوم مغدور حتى لو كان بين مهاجمين يتوغلون من حيّ إلى حيّ من دون أن نفهم ماذا سيحدث لو استطاعوا الوصول إلى قلب الأحياء. فالمشكلات تبدأ هنا لأسخف الأسباب، من أفضلية المرور أو العثور على موقف للسّيارة وصولاً إلى الإشكالات بين العائلات.


خيارات جيواستراتيجية

منذ فترة عاشت المنطقة ما يُشبه لعبة pubg، ولكن على مستوى عالٍ من الواقعية بعدما وقعت اشتباكات بين عائلتين في المنطقة على تحديد مناطق نفوذ وسيطرة. طبعاً، يمكنكم أن تقدّروا أن هذه المناوشات على قدر من الأهمية كي لا يتمكن أحد من فرض خيارات جيواستراتيجية على الآخر، وكأننا نعيش على الحدود بين الناتو وروسيا. التوازنات الدقيقة لا يمكن أن تُمسّ، ولو كلّف الأمر فتح اشتباكات إلى أقصى حدّ ممكن.

في الصّيف الماضي وخلال أزمة البنزين قام عامل على محطة بمنع «عسكري» من تخطي طوابير الناس لتعبئة عبوات بلاستيكية، فاشتعلت على أثر فعلته المحطة بالنار والمنطقة بالرصاص، ودوّار الكفاءات بالدواليب المحترقة، ومُنعت الناس حرفياً من العودة إلى بيوتها. زوجة جاري كانت هناك، ومعها أولادها، اتصلت به لتسأله أين يمكنها أن تذهب وكيف تتحرّك بعدما حوصرت بالرصاص والمسلحين في الشارع المؤدي إلى المنزل. أما هو فقد مُنع من التقدّم نحوها وملاقاتها بعدما هدّده مراهق بسلاحه. القتل هنا أهون من شربة الماء، والثأر مقدّس، أمام إحدى صيدليات المنطقة قُتل شاب خارج من السّجن، ولم تشفع له السنوات العشر التي قضاها عقوبةً على القتل، «اقتُصّ» منه وسبح في بركة من دمه غُسلت بالماء بعد ساعات وكأنّ شيئاً لم يكن.

طبعاً لم يتدخل الجيش الذي يتمركز في نقاط قريبة جداً مثل مجمع الحدث في الجامعة اللبنانية أو القوى الأمنية. جلّ ما قاموا به خلال هذا الاشتباك هو الوقوف في الشارع وانتظار مشايخ الصلح على طريقة «أبو ملحم» لإقناع المسلحين بالخروج من الطرقات ومن بعدها الانتشار، أما التعويض على الناس فأمر من سابع المستحيلات. أنت محظوظ بالسّماح لك بالبقاء هنا طالما فمك مغلق، وإن قرّرت التمرّد كحال أحد سكان الحي الذي رفض الانصياع لأوامر «قبضاي» الحي بعدما صادر له موقف سيارته فكان الطرد من منزله: «معك 48 ساعة لتفلّ أو منعرف كيف منخليك تطلع» ولم تنفع كلّ المناشدات إلّا في تمديد مهلة الطرد لتصبح أسبوعاً تمكن فيه من فك أغراض منزله والخروج، محظوظ هو أنّه خرج.


اشتراكات وبلديات

أما اشتراكات الكهرباء في الحيّ فموزّعة بحسب النفوذ على العائلتين اللدودتين، ولا يمكن مهما جرى أن تجرّب نقل اشتراك الكهرباء من مولّد لآخر أو أن تطلب زيادة ساعات التغذية القليلة مقابل أغلى فاتورة اشتراك ممكنة. فلو دقّقت اللوائح الصادرة عن اتحاد بلديات الضاحية ستجد أنّ المبلغ المتوجب دفعه مغاير لما يطلبه صاحب المولّد، وطبعاً لا يمكنك أن تراجع لأن رقم الشكاوى موجود لتتمكن من تسلية نفسك بالانتظار دون أن تتوقع إجابة. ولا تفكّر بتركيب عدادات في الحيّ فهذا أمر ممنوع. وإن أردت المطالبة ولو بالسّؤال، ستُقطع الكهرباء عن بيتك بأمرٍ من صاحب المولّد لتكون عبرة لمن يعتبر.


كلّ من يُقتل في جمهوريتنا شهيد مظلوم ومغدور حتى لو كان قاتلاً

تتبع «جمهورية» الليلكي لبلدية الحدث من جهة الشرق وبلدية المريجة من جهة الغرب، والبلدتان تشتركان في أمر واحد وهو نسيان المنطقة من كلّ إنماء أو تنظيم ولو عبر تغيير «لمبات الشارع»، فلا تتدخل هاتان البلديتان في أيّ من أمور المنطقة رغم أنّ جزءاً لا يُستهان به من سكان الحي يقومون بدفع ما يتوجب عليهم من اشتراكات سنوية ولكن «تُصرف على الجهة الأخرى من العالم» كما يعبّر أحد جيراني، مبرزاً إيصالات دفع تعود لعشر سنوات، بينما يقف على حفرة مفتوحة تتوسّع منذ أكثر من سنتين. يشعر بأنه يدفع خوّة «لا أستفيد من البلدية، لا نرى حجر رصيف هنا أو تنظيماً لاشتراك كهرباء، بينما شوارع الحدث لا تنطفئ الأنوار فيها».


أين المفرّ؟

هذه الأحداث جعلت أسعار البيوت أرخص من مثيلاتها في المنطقة، وكذلك الإيجارات. يتجنّب الكثيرون الدخول إلى الحيّ، ويتحيّن الموجودون فيه الفرص للخروج والنجاة بأنفسهم وأبنائهم، ما يدفعهم لعرض بيوتهم للبيع والهجرة نحو أحياء أخرى أو باتجاه قراهم وفي بالهم فكرة واحدة: لا عودة للعيش بين عشائر تفرض نمط حياة على الناس حتى داخل بيوتها، أو تجعلك تعيش في تهديد مستمر لو خالفت العادات السّائدة. فأبشع الصور التي يمكن أن تراها هي السّلاح في أيدٍ متفلتة من كلّ رادع، وأقسى المشاعر هي اضطرارك أن تسير، كلّما دخلت إلى الحيّ بسيارتك أو راجلاً، بحذر ومن دون أن تتلفت يميناً أو يساراً خشيةً على شيبتك من إهانة لن تقدر على ردّها.

تعليقات: