الكسكس.. سيد الأطباق المغربية

لذته في خفته
لذته في خفته


مراكش:

الكسكس هو سيد الأكلات المغربية، فهو يقترن بالمناسبات، حزينة كانت أو مفرحة. ولعل في إصرار المغاربة على إعداد الكسكس بعد صلاة الجمعة، دليلاً إضافياً على المكانة التي يحظى بها في النفوس، والتي يمكن أن تصل به إلى مستوى «الطبق المقدس».

وككل الأطباق الفاخرة القيمة والملكية الهيبة، يتطلب إعداد الكسكس صبراً وموهبة وقدرة على رفع الطبخ إلى مستوى الفن. وفي المغرب، يقولون إن الطبخ، هو موهبة من عند الله، تماماً كما يقول الفنانون إن الفن موهبة من عند الله، قبل أن يكون تحصيلاً ودراسة في المعاهد المتخصصة. ولهذا السبب، قد نجد طباخة، كيفما هيأت طبقها، يكون جيداً ولذيذاً، كما قد نجد طباخة أخرى، على النقيض من ذلك، قد تقضي يومها كاملاً في الإعداد والطهي من دون أن تنتهي إلى أكلة تثير شهية الضيوف واعترافهم بقيمة طبخها.

ومنذ سنوات، صار الطبخ المغربي، المعروف بقيمة ونكهة أطباقه مفتوحاً على رياح تطوير لا حصر لها، لذلك فقد صار الحديث، المقارن بين مطبخ الأمس ومطبخ اليوم، يثير كثيراً من النقاشات والجدل ما بين مؤيد ومعارض لكل هذا التغيير الذي يطال طرق الإعداد والطهي والتقديم.

وترى دادا عزيزة، وهي طباخة تقليدية التكوين ومشهورة بتدريسها لأصول الطبخ المغربي للسياح في مدرسة للطبخ تابعة لـ «المنزل العربي» بمراكش، إن «نكهة الطهي خلال هذه الأيام لم تعد هي نفسها التي كانت بالأمس»، وتقول إن «المدارس أصبحت تطور طرق الطهي والتقديم وتعليم كل أشكال الطبخ، من المغربي إلى العالمي»، لكنها تبدي اقتناعها بأن «الأصل في الطهي يبقى في اليدين، ليس اليد بالمعنى العادي للكلمة، لكن بمعنى فنية التعامل مع الطبخ وطرق الإعداد للأكل والوجبات، أي اليد التي تعرف كيف تضبط المقادير وتعطي الأكل نكهة خاصة». وتبعاً لهذا التحليل، يبدو أن دادا عزيزة لا ترتاح لعملية التطوير التي طالت بعض الوجبات المغربية الشهيرة، مثل الكسكس، وتقول «من المعروف أن السائح، مثلاً، يأتي إلى المغرب راغباً في تذوق الكسكس المغربي. لكننا للأسف، صرنا نقدم له الكسكس موزعاً بين طبقين: واحد به حبات الكسكس الباردة، وآخر مرافق له به المرق واللحم والخضار، كما نقترح عليه الشوكة والسكين للأكل، وهذا برأيي تجنّ على هذا الطبق. فمن المفروض أن يؤكل الكسكس ساخناً ويقدم بطقوسه المعتادة والمعروفة لدى المغاربة. وأنا أتأسف لأن كثيراً من السياح يأخذون فكرة مغلوطة عن أطباقنا الشهيرة. وهذا التطوير الذي يتم القيام به على مستوى بعض الأطباق المغربية، ليس نابعاً من صميم البيئة والأصالة المغربية. فالطبخ الأصيل له قواعده وطريقة إعداد خاصة به ومتعارف عليها، أما ما نسجله اليوم من تطوير يطال هذه الأطباق فمجرد بدعة. وقبل أيام، فقط، كنت في طريقي إلى ساحة جامع الفنا، وحين مررت من أمام أحد المطاعم شاهدت فوجاً من السياح جالسين وقد قدمت إليهم وجبة كسكس. وقد رددت، وقتها، مع نفسي في ذهول «يا للمصيبة!»، نحن نتعب في «المنزل العربي» لنقدم للسائح كسكساً بكل ما للكلمة من معنى، وهؤلاء يتركون الجزر على حاله من غير تقطيع مع مرق أصفر يبدو ملوناً بالزعفران، فقط. أشفقت على أولئك السياح، فعلاً، إذ وجدتهم يأكلون كسكساً «لا قوام ولا إدام فيه» (لا لون له ولا مذاق). بالنسبة لي، أرى أن المسألة، هنا، هي مسألة ضمير. أنا أحرص على أن أريح ضميري أمام نفسي، وأمام الله، وأمام مشغلي، وأمام السائح، الذي قطع طريقاً طويلة ليزورنا، ثم نجازيه بأن نقدم له أكلاً لا طعم له. إن الله يراقبنا من فوق، ورحم الله من عمل عملاً فأتقنه».

ومن المعروف أن الكسكس ليس طبقاً واحداً، بل هو متنوع بحسب المناطق والرغبات، فهناك، مثلاً، «الكسكس المدفون»، الذي يزين بمسحوق القرفة، و«الكسكس بالقرع والفول واللفت»، و«الكسكس بالقرع والفول واللفت والحليب»، و«الكسكس برؤوس الغنم والقرع والفول واللفت»، و«الكسكس بسبع خضر»، و«الكسكس من سميد الشعير الغليظ».

ويتطلب تحضير الكسكس إعداداً مزدوجاً، فهناك، أولاً، تحضير الكسكس، وثانياً، تحضير مرقه. فبالنسبة لتحضير الكسكس، يوضع نحو كيلوغرام من الكسكس في «قصعة» (طبق خزفي كبير)، ويرش بنحو نصف لتر من الماء المملح ويحرك باليدين لفصل الحبات عن بعضها، وتضاف إليه ملعقتان كبيرتان من الزيت، يدهن به الكسكس، قبل أن يوضع في «الكسكاس» (أعلى القِدر الخاص بطهي الكسكس)، المدهون بقليل من الزيت، الذي يوضع بدوره على «البرمة (الجزء السفلي من القدر)». ثم يقفل القدر بواسطة «قفال (ثوب خاص)»، حتى لا يتسرب البخار من جوانبه. وعندما يصعد البخار بكثافة فوق الكسكس، بشكل يبين مستوى الطهي، يُرفع الكسكاس من على القدر، ثم يوضع في «القصعة» ويرش بنحو ربع لتر من الماء البارد، مع فتله بخفة من أجل فصل الحبات عن بعضها. ثم يعاد وضعه في الكسكاس لإنضاجه للمرة الثانية، لمدة نصف ساعة، تقريباً، قبل أن يرفع من جديد، من على القدر، ليوضع في «القصعة»، ويرش بحوالي ربع لتر من الماء البارد مع فتله بخفة من أجل فصل الحبات عن بعضها، ثم يعاد مرة ثالثة إلى الكسكاس لإنضاجه، وعندما يبرز البخار فوق الكسكس بكثافة يرفع الكسكاس، من جديد، ويوضع في «القصعة» ويدهن بالسمن البلدي، مع الحرص على فصل حبات الكسكس الواحدة عن الأخرى وهو لا يزال ساخناً. وفي الأخير، يوضع في قصعة مستديرة ويجوف وسطه، حيث توضع فيه قطع اللحم، التي تغطى بالخضر، ثم يسقى بالمرق ويقدم ساخناً.

أما طريقة تحضير مرق الكسكس، فتتم بوضع قطع اللحم والبصل المقطع في «البرمة (أسفل القدر)»،ويوضع الزيت والملح والفلفل الأسود والزعفران وملعقة من السمن البلدي والزنجبيل، ويقلى الكل جيداً مع الاستمرار في التحريك، قبل أن يضاف نحو لترين من الماء، ثم يغلق القدر ويترك لينضج لمدة نصف ساعة، ثم يضاف الحمص والجزر والملفوف والطماطم والفول وحزمة من الكزبرة والقرع الأحمر، مع إضافة قليل من الماء الكافي لإتمام الطهي على نار معتدلة حتى ينضج الكل فيرفع قدر الطهي عن النار.

ولعل مما ينقل لقيمة الكسكس والمضمون الإنساني والاجتماعي الذي يختزنه أن المغاربة يحرصون كثيراً على أكله باليد والأصابع، وهم مقتنعون بأن في اليد بركة، وأن في الطبق الذي يتحلق حوله المدعوون والعائلة معنى الصفاء الاجتماعي ودفء العلاقات الإنسانية، التي قد تخنقها برودة الملعقة أو الشوكة والسكين.

تعليقات: