«كمشة لون» ليوسف غزاوي.. الخيام بلغتها


كَمَشَ (أمسك) يوسف غزاوي «اللون»، عطّره بالماء ثم تركه ينساب على مساحاته البيضاء المتواضعة لوحات تراثية تتجلى فيها الخيام بمكونات الذاكرة، من «الدردارة»، إلى نبع «الرقَيْقَة» ومطحنته، إلى نبع «الحمّام» والكروم والأبواب العتيقة والأدراج وحيطان الحجر الصخرة، وقبل هذه بعض وجوه الفلاحين، معتمداً التلوين المائي (اكواريل) في مجملها، محدثاً انقلاباً في أسلوبه الفني التشكيلي من التجريدي إلى الواقعي المقروء.

أراد يوسف غزاوي من معرضه «كمشة لون» أن يكون تحية «إلى كل من يقدّر الفن والجمال في الخيام والجوار وفي الوطن الصغير، وأن يكون تحية لأبناء الخيام ولشهدائها الذين لونوا اقحوان الحقول بدمائهم، ولا سيما شهداء مجزرة الخيام عام 1978».

نفذ غزاوي أكثر أعمال المعرض بين 2013 و2014 وهي لوحات تقدم للمرة الأولى و«تنتمي بمعظمها إلى الأرض والإنسان المصنوع من هذه الأرض والمجبول بترابها، فهناك لوحة تمثل فلاحة خيامية ولوحات تمثل الخيام والدردارة وأمكنة مهددة بالزوال، لعلني بذلك ألقي الضوء عليها بما تمثله من ذاكرة حية للزمن الخياميّ الجميل». وتناولت أكثر من لوحة صخور الجنوب «التي سنبني عليها هذا الوطن»، ووجوه محلية وعالمية «تمثل رموزاً إنسانية أعطت البشرية تجارب وتضحيات أفادت كثيرين، وألهمت الأجيال في ميادين شتى، في الثورة وحب الأوطان والسلام والفن والشعر». ومنها: غاندي ومانديلا ومحمود درويش وفيروز ووديع الصافي وفريد الأطرش.

عن نحوه باتجاه الطبيعة والذاكرة وإنسان القرى وأماكنه يقول غزاوي: «إن تركيزي على الطبيعة والإنسان بأسلوب مقروء، بعد مراحلي التجريدية، لهو ضرورة فرضتها بيئتنا الاجتماعية والفكرية، وما تحويه من مشاكل وتعقيدات شتى. إن إنسان هذا الوطن يختلف من حيث تركيبته الفكرية عن المواطن الأوروبي الذي اعتاد منذ زمن بعيد الأساليب الفنية المتطورة وصولاً إلى مراحل ما بعد الحداثة، فكان حريا بي أن أخاطب ابن هذا الوطن باللغة التي يمكنه أن يتفاعل معها وصولاً إلى متابعة طريق الفن والجمال معا». ويستشهد بقول للناقد الإنكليزي هربرت ريد: «إن الفن هو وسيلة اتصال بين الناس».

سبق ليوسف غزاوي أن أطلّ على الخيام بعدد من لوحاته التجريدية من خلال معرض مشترك أقيم عام 2011 في قاعة «محمد الطويل» تحت عنوان «النتاج الخيامي الثقافي». بيد أنه من خلال معرضه «كمشة لون» يطل للمرة الأولى منفرداً على مسقط رأسه، وكذلك في الجنوب «بعد 11 معرضاً قدمت في باريس وبيروت، وها قد مرت 14 سنة على التحرير من دون أن يتحقق حلمي الذي طالما راودني منذ تخرجي من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية عام 1983 وكنت أتمنى أن أقيم أول معرض فردي لأعمالي في بلدتي الخيام، إلا ان واقع الاحتلال الإسرائيلي لها، حال دون تحقيق هذا الحلم. كان أول معارضي في مدينة باريس في نهاية الثمانينيات، تبعته أربعة معارض أخرى فيها، وكانت الخيام دائماً في البال. لقد حملت بعض أعمالي أسماء بلدتي والجنوب ومعتقل الخيام والدردارة. وأثناء عودتي إلى لبنان لم يختلف الأمر في بيروت عن سابقتها باريس حتى وصل عدد معارضي الفردية إلى 11 معرضاً بعيداً من الخيام في مفهومها الجغرافي».

يستمر معرض «كمشة لون» في الخيام إلى الأسبوع المقبل، وقد جرى افتتاحه بحضور حشد من أبناء الخيام والجوار، وتحدثت فيه رئيسة النادي المحامية وداد يونس التي اعتبرت إن «ما يقدمه الدكتور يوسف غزاوي هو أول معرض تشكيلي كامل لواحد من أبناء الخيام يقدمه فيها، وهو يشكل فخراً واعتزازاً لنا. المتعارف عليه أن الفن التشكيلي نقل للواقع أو أنه خلق جديد له من خلال رؤية الفنان، إننا نرى في لوحات يوسف غزاوي خلقاً جديداً من وجهة نظره للواقع الذي رآه، إنما من خلال إحساسه الخاص، وجل ما نتمناه أن يترك معرض الفنان غزاوي انطباعه الجميل على مشاهداتكم».

من المقرر أن ينتقل هذا المعرض إلى بيت المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في مدينة النبطية.

تعليقات: