بطـولات المسعفين خـلال الحـرب: كشافـة الرسـالـة الإسلاميـة نموذجـاً

سيارة اسعاف تابعة لكشافة الرسالة أصيبت في الحرب
سيارة اسعاف تابعة لكشافة الرسالة أصيبت في الحرب


تبلغ من العمر سنتين. لا تضحك، لا تنبس بكلمة، لا تصرخ، لا شيء. الفتاة صامتة، الفتاة طفلة سقطت شهيدة في مجزرة صريفا في اليوم الثامن للحرب الاسرائيلية على لبنان.

لا يفارق مشهد انتزاع الطفلة من تحت الأنقاض ذاكرة المسعف نادر حمدان الذي شهد وعددا كبيرا من زملائه على استشهاد الرجال، والنساء، والشيوخ والأطفال خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.

حمدان هو واحد من ألف ومئة مسعف من مسعفي «جمعية كشافة الرسالة الاسلامية» التي كانت واحدة من الجهات التي بذلت الكثير في تلبية نداء الواجب في إغاثة أهالي الجنوب.

يقول حمدان ان العدوان الأخير هو الأقسى الذي يشهده لبنان منذ اجتياح العام .1982

خلال الحرب، تمركز وزملاءه من مسعفي الجمعية في منطقة القاسمية في مدينة صور الجنوبية. كانت سيارات الإسعاف والطواقم التمريضية جاهزة لتشكل خلية نحل، نقلت شهداء، وأسعفت مصابي الغارات والصواريخ.

لا مجال للتردد خلال أداء المهمة. ولا وقت للخوف. وتصبح القاعدة هي «أن تضحي بنفسك من أجل الآخرين»... ولكن، ذلك لا يمنع المسعف من التأثر بمشاهد المجازر والجثث المشوهة والأطفال المصابين. مثل كل إنسان «أركع أمام كل طفل بريء».

في مرات عديدة، كان حمدان يقع في الحيرة: هل يسعف زملاءه المصابين أولا أم المواطنين الذين استهدفهم القصف؟ وفي كل مرة كانت الأولوية للمدنيين، يقول «المسعف يبقى أكثر قدرة على التحمل».

ثلاثة وثلاثون يوما. لعبة حياة أو موت خاضها حمدان على امتداد أيام الحرب، في مواجهة عدو لا يرحم، هدفه النيل من كل شيء حي. منذ اليوم الاول على اندلاع الحرب، وبعدما قصف العدو الاسرائيلي الطرق والجسور، أنشأ عناصر الدفاع المدني عبّارة في منطقة بدياس لتأمين طريق للنازحين من مناطق القصف الى مناطق أكثر أمنا. ومنذ اليوم الأول، انتشرت سيارات الاسعاف على تخوم القرى المستهدفة وفي العمق، وعمل متطوعو الكشافة والدفاع المدني على مساعدة الناس في النزوح وتأمين ملاذ آمن في بيروت ومناطق أخرى، كما عملوا على تأمين مقومات الصمود للذين بقوا في قراهم من مواد غذائية ومتطلبات يومية.

يشرح نائب رئيس الجمعية حسن حمدان عن النشاطات التي قامت بها الجمعية خلال الحرب، مشيداً بدور رجال الكشاف والدفاع المدني، لافتا إلى قيام مقاتلات العدو باستهداف المسعفين بشكل مباشر مما أدى إلى سقوط خمسة شهداء و43 جريحا منهم.

ومع انتهاء الحرب، لم تنته مهمة المسعفين الذين قاموا بحسب حمدان بإنشاء عبارات على جسور الزهراني والقاسمية وطيرفلسيه لتأمين طرق العودة للنازحين، كما ساهموا في فتح العديد من الطرق الفرعية وتأمين طرق آمنة.

حملات توعية

وقد أطلقت الجمعية حملة توعية شاملة من مخاطر القنابل العنقودية التي خلّفها العدو من خلال توزيع المناشير وإقامة المحاضرات، وحملات توعية داخل المدارس وعرض مسرحيات خاصة بالتعاون مع المكتب الوطني لنزع الالغام.

وأشار حمدان الى انه تم تنظيم 13 مخيما طوعيا في المناطق الأكثر دمارا لمساعدة الناس في رفع الأنقاض ونصب الخيام والعديد من حملات النظافة والتوعية الصحية، بالإضافة إلى تنظيم سلسلة من المهرجانات والنشاطات الترفيهية في كل من صور وبنت جبيل والنبطية ومرجعيون في إطار الدعم النفسي للسكان والاطفال.

وشارك في هذه الحملة أكثر من ثلاثة الاف متطوع من داخل الجمعية وخارجها، ساهموا بشكل مباشر في إزالة رواسب الحرب في الجنوب وفي الضاحية وفي البقاع.

وتحدث حمدان عن إطلاق الحملة الوطنية الشاملة للإغاثة بعد وقف العدوان، وأنشئت غرفة عمليات في مجمع نبيه بري لرعاية المعوقين، وتم توزيع عشرات الآلاف من الحصص الغذائية على الأهالي الصامدين والعائدين الى قراهم ومنازلهم، بالإضافة الى توزيع الفرش والاغطية والمناشف ومواد التنظيف.

الدعم النفسي للأطفال

نظمت الجمعية أيضا العديد من الأنشطة التي تهتم بالاطفال، استمرت منذ بداية الحرب وحتى نهايتها، وذلك بحسب مفوض البرامج في الكشافة أحمد رمضان.

ويقول رمضان إن الجمعية بدأت حملتها ببرنامج الدعم النفسي للسكان بعد الحرب، بالشراكة مع جامعة البلمند والجمعية المسيحية الارثوذكسية الدولية، وقد شملت العديد من الأنشطة الترفيهية في المناطق الجنوبية كافة. كما نظمت مهرجانات رياضية وثقافية في كل من بنت جبيل وصور. وتوقف رمضان عند نشاط «معا نبادر معا نشارك»، الذي شارك فيه خمسة آلاف طفل، استطاعوا من خلال النشاط تخطي المرحلة النفسية التي سببتها لهم الحرب.

ولفت رمضان الى المشاعر التي عبّر عنها الاطفال من خلال الالوان التي ظهرت في رسوماتهم والتي تميزت في البداية بالتركيز على السواد والقتل والدمار، بينما استبدلت بعدها بألوان الحياة، وبصور عن العائلة والتفاؤل.

تعليقات: