ملامح العلاج الشعبي في منطقة حوض تافنة

الجدول البياني رقم (1)
الجدول البياني رقم (1)


ملامح العلاج الشعبي في منطقة حوض تافنة

دراسة ميدانية في الغرب الجزائري.

د./ علي عمّــــار

جامعة تلمســـان

الجزائر.

يتضمن التراث الانتروبولوجي رصيدا كبيرا من المصطلحات الدالة على الطبابة الشعبية المتنوعة. ويظهر هذا التعدد والتنوع في المصطلح الدال على ذات المعالج حينا ، وفي التخصصات العلاجية الشعبية حينا آخر. فالشخص المعالج بالأعشاب والنباتات مثلا يطلق عليه اسم (العشاب) او (العطار) ، ومعالج الكسور والفلتات المفصلية اسم (الجبار) ، والمعالج بالآيات القرآنية اسم (الطالب) أو (الفقيه). وهكذا تزداد المصطلحات المستخدمة تعددا و تقدما داخل الثقافة الشعبية الجزائرية. فما بالنا بالثقافات المغايرة الأخرى. فالشواهد الاثنوغرافية تؤكد على أن المعالجين الشعبيين غالبا لا يقتصرون على حرفة العلاج الشعبي فحسب ، وإنما هم يمارسون حرف أخرى ، علاوة على شغلهم أوضاعا اجتماعية مغايرة. ولعل صورة الفلاح في المجتمع الجزائري أدق مثال على ذلك ، حيث نجده يمارس مهنة الفلاحة ونفس الوقت يمارس مهنة الطبابة مثل : الختان (الطهارة) ، وتجبير الكسور والكي والحجامة.

ومن ناحية أخرى لاحظنا من خلال الدراسة الميدانية الاجتماعية الأولية التي قمنا بها في بعض المناطق (حوض تافنة) على أن كثرة التخصصات العلاجية الشعبية في تزايد ، وقد حاولنا حصرها في الممارسات التالية : (1).

- العلاج بالأعشاب والنباتات الطبية.

- العلاج بالكي.

- العلاج بالحجامة.

- العلاج بالوصفات العلاجية الشعبية.

- المعالجة بالتجبير (الجبار).

- معالجة اللوزتان (الجياف).

- العلاج بالقرآن الكريم.

والملاحظ أن بعض هؤلاء المعالجين الشعبيين يقدمون خدماتهم العلاجية مقابل مبلغ

نقدي غالبا ما يكون رمزي أو عيني. في حين يرفض البعض الآخر أخذ الأجرة ، على أن يقدموا خدماتهم للمحتاجين باعتبار أن هذه الخدمة صدقة علم أو محبة له (2). ومن زاوية أخرى لاحظنا تعدد مصادر الخبرة العلاجية لهؤلاء المعالجين الشعبيين ما بين الوراثة والاكتساب ، والممارسة الواقعية (التجريب) واستمداد الخبرة والمعرفة من المصادر المكتوبة مثل الكتب والمخطوطات وغيرها.

ويتفاوت المعالجون الشعبيون فيما بينهم في حجم الشهرة التي حقوقها ويحققونها. فبعضهم تتجاوز شهرته حدود المنطقة المحلية التي يعيش فيها على مستوى المجتمع الواحد وأحيانا تتجاوز الشهرة حدود المجتمع الكبير إلى غيره من المجتمعات المجاورة. كذلك قد يعتمد بعضهم على مساعدين له في الممارسة مثل (المعالج بالحجامة) ، في حين يكتفي البعض بشخصه مثل (المعالج بالأعشاب والوصفات الشعبية).

والواقع أن قضايا الصحة والمرض أضحت تتجاوز النظرة الطبية أو البيولوجية المحدودة ، لتبلغ تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية المتنوعة حول الأسباب والوقاية والنتائج. والمجتمع الجزائري مشبع بتراث علاجي شعبي لا مجال لحصره يغطي معظم مجالات الصحة والمرض ، وقاية وعلاجا.

إن ممارسة العلاج الشعبي يتطلب خبرة ومهارة قد تكون مستمدة عن طريق الوراثة من أحد الأقارب ، أو مكتسبة عن طريق مواصلة القراءة والتحصيل الذاتي. وبعبارة أخرى فإن العلاج الشعبي يتضمن أنماطا عديدة من التخصصات والمعالجات والأساليب والأدوات. ولذلك فقد يشتهر معالج ما في نمط علاجي دون غيره ، وعلى هذا فإن الثقافات المختلفة عادة ما تحوي ما يطلق عليه بالتخصص العلاجي. فهناك معالج متخصص في العلاج بالكي ، وآخر في الحجامة وثالث في تجبير العظام والفلتات المفصلية ، وكلها تخصصات تتطلب الخبرة والتجربة الطويلة. إضافة إلى أن هناك علاجات قائمة على الأساس العقلي والتحصيلي مثل العلاج بالأعشاب والنباتات الطبية ، إلى علاجات أخرى تعتمد على تسخير الكائنات فوق الطبيعية مثل علاج السحر والصرع.

وفي ضوء هذا الزخم المعقد يتزايد عدد المعالجين بالأعشاب ومجبري العظام والفلتات المفصلية ، والمعالجون بالحجامة ، والمعالجون بالكي والمعالجون بالسحر في المجتمع الجزائري.

والواقع أن مفاهيم الصحة والمرض والوقاية والعلاج تعد نتاجا للثقافة السائدة ، ولذلك فهي تفسر على أساس المعتقدات الشعبية حول جسم الإنسان وعلاقته بالعالم الطبيعي الذي يعيشه ويدركه ، والعالم فوق الطبيعة الذي يعجز عن ادراكه ، وما يحويه من الكائنات المتنوعة ، ومنها الملائكة والجن. ولا يخرج تفسير المعالج الشعبي عن هذه التصورات ، وكذلك تفسير الأفراد لأسباب المرض.

ولعلنا نلاحظ في ضوء نظرية العلامات (Signatures) ونظرية التوازن (Equilibre) (3) في الطب الشعبي يفسر المعالجون – والمرضى – المرض ويشخصون أسبابه. ولذلك نجد المعالج بالكي يرد \" لا يفلح الحديد إلا بالحديد \" بحيث يفسر الأمراض التي يعالجها بالكي بأنها ناتجة عن عروق لا يتمكن الطب الحديث من علاجها ولا تجدي الأدوية الحديثة معها نفعا ، وقد يفلح الكي في إماتة العروق فيموت معها المرض. ولذلك يقوم بكيها بالنار سبع مرات أحيانا حتى يتخلص منها المريض نهائيا.

ومن جهة أخرى فإن المعالج بالكي يرى أن النار عادة ما تكون حارة وجافة ، وبالتالي فهي تعالج الجروح والتآليل والأمراض الجلدية والعروق ذات الطبيعة الباردة الرطبة ، وهكذا يحدث التوازن في جسم الإنسان ويتخلص من المرض.

وإذا كان السياق الثقافي يفسر أساب المرض ، فإنه يقدم – من جهة أخرى – الإشارات التي تقي الإنسان من المرض. وفي ضوء هذا السياق يقرر المعالج بالكي مثلا أن معظم الأمراض التي يعالجها إنما هي ناجمة عن الخوف والبرد وتعرض الإنسان لاذى الكائنات فوق الطبيعة ، وعليه تكون الوقاية منها بتجنب الخوف واذى الكائنات فوق الطبيعة والابتعاد عن تيارات الهواء الحارة والباردة التي لا توازن مع حالة الجسم الداخلية.

وبنفس الشاكلة يقدم معالج الصرع النصائح الوقائية التالية لتجنب التعرض لاذى الجن (المس) (4).

- الامتناع عن التطيب والتزين أو استعمال الروائح العطرية.

- عدم استخدام التبخير في المنزل وقت العصر والمغرب ، لأنهما وقت مرور الشياطين حسب التصور السائد.

- استخدام بعض الحمائل السحرية مثل الأحجبة ، والمحافظة عليها وعدم تعريضها للقاذورات ، وخلعها عند الجماع.

- تجنب المرور على المناطق الخربة أو المظلمة ، وإن كان ولا بد ، فعلى الإنسان أن يكثر من الاستعاذة وقراءة القرآن الكريم.

علاقة العلاج الشعبي بالعلاج الرسمي :

معروف أن العلاج الشعبي إنما يغلب عليه الطابع التجريبي عموما كما هو الشأن بالنسبة (للعلاج بالكي) والطابع النفسي كما هو الحال (لعلاج الصرع) ، وأحيانا قد يجمع بين الطابعين. في حين نلاحظ أن الطب الحديث يفتقد وممارسيه إلى الجانب النفسي ـ أي تغلب عليهما العلاقات الرسمية التي تنفر المرض منهما ، وتدفعهما للبحث عن العلاج في النسق الطبي غير الرسمي.

وقد تساءل عن السر في لجوء الأفراد إلى المعالج الشعبي ؟ لقد أظهرت الدراسة الميدانية التي قمنا بها ، أن هناك عدة عوامل تفعل فعلتها في لجوء الأفراد إلى الطبابة الشعبية ومنها السياق الثقافي ، وشهرة المعالج الشعبي ، ونوعية المرض ، ومدى خطورته ، وطريقة آداء الخدمة العلاجية ، تزامنا مع النسق الطبي الرسمي نفسه. وبالتالي يمكننا القول بصفة عامة أن أي تقصير في العلاج الحديث ، أو تقصير في أدائه ، فإنه لا محالة مآله الفشل وفتح مجال لازدهار الطب الشعبي ورسوخه ومصارعته. ويصدق ذلك على المجتمع الجزائري وعلى غيره من المجتمعات الأخرى.

إن طابع الود هو الذي يغلب على طبيعة العلاج الشعبي بالمصاب ، فهو يخاطبه بصراحة وبلغة يفهمها الطرفان ، ويكسب المريض ثقته فيما يقدمه له المعالج الشعبي ، كما يسرد له حكايات وقصص عن مرضى مشهورين عولجوا على يديه ليطمئنه ويستعرض عليه خبرته العلاجية ، كما يؤكد له مقدرته على تشخيص المرض وعلاجه. إذن فالعلاقة المباشرة والحارة إنما تعتمد أيضا على أن المريض نتاج لتفاعلات اجتماعية وثقافية ، في حين تنعدم هذه العلاقة بين الطبيب والمريض ، علاوة على تناول الطبيب للمرض بمعزل عن سياقه الاجتماعي والثقافي ، ويصدق ذلك على المعالج بالكي ومعالج الصرع.

وقد حددت لنا الدراسة الميدانية التي قمنا بها بعض الأسباب التي تؤدي إلى لجوء المرضى إلى الطبابة الشعبية والتي يمكن إيجازها في ما يلي :

- طبوغرافية المجتمع الجزائري حيث تغلب الطبيعة الجبلية والتغطية النباتية بمختلف أشكالها وأنواعها ، الأمر الذي أدى إلى تشتت السكان في تجمعات قليلة ومتناثرة في أعلى الجبال والهضاب والسهول والشعاب عوامل قد لا تساعد في كثير من الحالات عدم وصول الخدمات الصحية إليها ، فتحل محلها الممارسات العلاجية الشعبية حيث تفرض وجودها فتصول وتجول.

- اقتصار النسق الطبي الرسمي على مجرد تقديم الخدمة الصحية دون مراعاة للخلفيات الاجتماعية والثقافية ، ولا مراعاة للاعتبارات الإنسانية في النجدة والرحمة فيفقد الطب الحديث صفته الإنسانية وثقة الأفراد المعالجين فيه.

- بطء الشفاء من المرض المزمن ، واستعصاء بعض الأمراض على العلاج الطبي الحديث مثل الروماتيزم والعقم والصرع والمس ... الخ. أمور تدفع الأفراد إلى اللجوء إلى الطبابة الشعبية الضامن للشفاء السريع مثل العلاج بالكي أو الصرع أو تجبير العظام والفلتات المفصلية.

- قلة النفقات التي يتكلفها العلاج الشعبي غالبا ، بالمقارنة مع التكاليف الباهضة التي يفرضها الطب الحديث. ومما ساعد على ابتعاد الأفراد عن الطب الحديث غلبة الطابع المادي على الخدمات الصحية التي يقدمها ، حيث صار سلعة مرتفعة الثمن يحصل عليها القادرون فقط. أما غير القادرين فقد كفاهم العلاج الشعبي شفاء ، والموت راحة ومستقرا.

الخصائص الاجتماعية والثقافية المميزة للمعالجين الشعبيين

تتعدد الصفات التي يتسم بها الأفراد المعالجين الشعبيين في المجتمع الجزائري ما بين النوع والسن والتعليم والمستوى الطبقي.

وقد تحكم هذه الخصائص بعض الاعتبارات الأخرى التي سبق ذكرها ومنها نوع المرض وخطورته ، ورحلة العلاج منه ، وطبيعة الأداء الطبي الحديث ، ومدى توافر خدماته والحصول عليها ... الخ. وعلى هذا نلاحظ أن متغير النوع ليس فارقا ، فالرجال والنساء يذهبون إلى المعالج بالكي ، كما يذهبون إلى المعالج للصرع أيضا. أما السن فهو متغير بين الأفراد المعالجين بالكي والصرع. فالكبار والصغار يقصدون هذين المعالجين ، إلا أن نسبة كبار السن أعلى من نسبة صغاره. والواقع أن هذه النتيجة تعكس تفاوتا في نقطة البداية العلاجية وسلوك المرض. فالكبار يلجئون مباشرة إلى العلاج الشعبي ، فإذا فشل في العلاج اتجهوا إلى الطبيب الرسمي ، وعلى العكس من ذلك يلجأ صغار السن والشباب عموما إلى الطبيب أولا ، فإذا تباطأ الشفاء عندئذ. ولعل التعليم والسياق الاجتماعي والثقافي للنشأة ، دورا في هذا المسلك.

بينما يعد التعليم متغيرا حاسما هو الآخر، فالمتعلمون يميلون غالبا نحو الطب الحديث ويقصدونه عند وقوع المرض. ولكنهم إذا لم يجدوا تحسنا فوريا ، فإنهم يقررون اللجوء إلى المعالج الشعبي الأكثر شهرة في تخصصه العلاجي التماسا للشفاء. والملاحظ هنا أن التعليم يكسب المتعلم مرونة في التفكير والتصرف حيال المرض ، وبالتالي لا يتحيز لنمط علاجي دون غيره. أما غير المتعلمين فإنهم يقصدون المعالج الشعبي مباشرة ، أو بعد تجريب بعض الوصفات والمحاولات المنزلية. من ناحية أخرى نلاحظ أن بعض الأمراض النفسية والعصبية – التي لا شفاء لها عند الأطباء بصورة نهائية – تحتم على المصابين بها اللجوء إلى المعالج الشعبي (معالج الصرع) (5). لأن هذه الأمراض تعتبر اجتماعية النشأة ، ثقافية العلاج، لذلك يزداد أفرادها متعلمين وغير متعلمين.

وبنفس الشاكلة يعد المستوى الطبقي متغيرا جوهريا بين المعالجين الشعبيين عموما في المجتمع الجزائري. ذلك أن الطب الحديث باهض التكاليف ، ينوء الفقراء عن تحملها ، وبالتالي يجدون ضالتهم في العلاج الشعبي ، بعبارة أخرى أن العلاج بالكي ليس بعزيز عليهم ، والتجبير ميسور الحال ، والتداوي بالأعشاب في متناول الأيدي ، والعلاج بالقرآن الكريم ليس ببعيد فهو متاح لهم ومناسب لقدرتهم المادية.

والحقيقة أن ملامح مستقبل العلاج الشعبي في المجتمع الجزائري تحددها صورة الحاضر وتبرزها معالم الماضي. لذلك فإن تناول مستقبل الطب الشعبي ، يستلزم تحديد واقع الخدمات الصحية الرسمية الراهن وطريقة تقديمها ، ومدى تعميمها على القطاعات والفئات الاجتماعية في المجتمع الجزائري ، ومدى يسر الوصول والحصول عليها ، وحجم تكاليفها المادية وكفاءتها العلاجية.

وفي ضوء الإحاطة السريعة بهذه الموضوعات – ومن واقع الدراسة الميدانية المتاحة عن المجتمع الجزائري – يمكننا القول أن الطب الشعبي ممارسة ظهرت لتبقى ، وأن محاولات التحديث وبرامجه الصحية لم تستطيع في كثير من الحالات إثبات جدارتها في ساحة التنافس علاوة على تجسيد الطب الشعبي للسلوك الاعتقادي والتراث الشعبي الراسخ وبالتالي فلا يزحزحه إلا قوة أعتى منه وأكفأ. إن ميكانيزمات بقاء الطب الشعبي في الجزائر أقوى من ميكانيزمات القضاء عليه.

إن ممارسة العلاج الشعبي تعتبر في حد ذاتها البداية الأولى لتطور الطب الحديث، فالمؤكد أن تاريخ الطب الشعبي هو تاريخ الطب ذاته. فالتاريخ سلسلة طويلة من المحاولات والأخطاء ، بدأت مع فجر الإنسانية ، ولم يكتب فصل الختام فيها بعد (6)، ولذلك فإننا نجد في كثير من الأحيان ، نوعا من التعايش السلمي بين هذين النوعين من الطب : الشعبي والرسمي، وإن كانت المواجهة في السنوات الأخيرة بينهما قد اتخذت طابقا أكثر حدة.

إن تزايد الاهتمام بدراسة الطب الشعبي التقليدي والعشبي والسحري حتى تراكمت الدراسات في تلك المجالات ، وفرضت نفسها على الساحة الطبية ، وعلى القائمين على قضايا الخدمات الصحية الرسمية ، وقد ظهر هذان النقيضان في المجتمعات النامية ، نتيجة للمواجهة الجديدة بين الطب الشعبي والطب الرسمي ، حتى إذا اصطدم الطب الرسمي بالواقع الاجتماعي النامي ، كان عليه أن يعيد حساباته في محاولة التكيف معه بصورة أكثر واقعية (7).

من جهة أخرى فقد أوصت منظمة الصحة العالمية في العديد من ندواتها على أن تأخذ الدول بعين الاعتبار – عند وضع خطط تدريب العاملين في المجال الصحي – الدور المفيد الذي يقوم به ممارسو العلاج الشعبي (8). ومرد ذلك أن العالم الغربي قد انتقل اليوم إلى مرحلة ما بعد التصنيع ، \" فبدأت الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة في مجالات كثيرة ... ومن أوجه العودة إلى الطبيعة أيضا العودة إلى الطب الشعبي أو الطب التقليدي \" (9). وقد لاحظت منظمة الصحة العالمية ملامح هذا التطور بداية من 1977 ، فأصدرت قرارا حثت فيه الحكومات على إعطاء قدر كاف من الأهمية للطب الشعبي ، ثم باشرت جهودها للترويج له على الصعيد العالمي فعقدت المؤتمرات ، كان آخرها 1984 عن \" دور الطب الشعبي في الرعاية الصحية الأولية \". وبهذا الجهد تستطيع المنظمة الإبقاء على الطب الشعبي وإحياءه كتراث إنساني.

وعلى الرغم من اتصال الأفراد الدائم بالطب الحديث ، فإنهم لا يزالون يتعاملون مع العلاج الشعبي. وفي مجتمعنا الجزائري ورغم توافر الخدمات الصحية الرسمية في مختلف مناطق الوطن لجميع فئات المجتمع ، فإن العديد من الممارسات العلاجية الشعبية ما تزال تساير ركب التطور الصحي. فضلا عن أن الجزائريين لا يقتصرون على مصدر واحد للتداوي من المرض، بل يلتمسون شتى السبل المتاحة سواء كانت استشفاء بالأولياء (10)، أو بالطب السحري (11)، أو العلاج بالأعشاب ، أو الوصفات المنزلية وغيرها من الممارسات والطقوس الشعبية.

المعالجون الشعبيون في المجتمع الجزائري وتخصصاتهم

لقد أسفرت الدراسة الاجتماعية الميدانية الأولية للمعالجين الشعبيين عن وجود (21) معالجا من الرجال يتوزعون على ست تخصصات ، و(25) معالجة من النساء يتوزعون على تسع تخصصات. وبالتالي يكون العدد الإجمالي هو (46) معالجا ، وإن كان الواقع يشير إلى وجود أكثر من ذلك بكثير. غير أنه ليس بمقدورنا معرفة أكثر مما استطعنا معرفته.

وفيما يلي إحصاء بياني لتوزيع هذه الممارسات العلاجية الشعبية :

أنظر إلى الجدول البياني رقم (01) لممارسة العلاج الشعبي حسب الجنس وحسب التخصص

والملاحظ من الجدول أن العشاب (العطار) هو التخصص الأكثر انتشارا بين الممارسين المحترفين من الرجال ، بينما يتصدر العلاج بالكي التخصصات العلاجية النسائية. كما لاحظنا تفرد الرجال بتخصصات مثل (الطهار والحجام) وذلك بحكم الجنس والتقاليد ، بينما لاحظنا تفرد النساء المعالجات بتخصصات علاجية نسائية مثل (القابلة) ، وذلك بحكم الجنس والتقاليد وطبيعة المرض والممارسة العلاجية . وقد تشترك مع المعالجين الرجال في بعض التخصصات مثل (التدليك والكي والتجبير).

ومن أهم النتائج التي أوحت لنا بها الدراسة حول هؤلاء المعالجين والمعالجات وملامحهم ما يلي :

1- العلاج بالأعشاب والنباتات الطبية :

تخصص فيه من الرجال (08) معالجين تتراوح أعمارهم ما بين (30-80) سنة معظمهم يتجاوز (50) سنة عموما. أما النساء فهن (06) معالجات تتراوح أعمارهن ما بين (40-80) عاما. الأمر الذي يدل على طول فترة اكتساب المعرفة بالأعشاب وبداية الممارسة العلاجية بعد تقدم السن. ومن جهة أخرى لاحظنا أن الرجال المحدثين على قدر كبير من التعليم الجامعي والعالي ، مما يدل على عقلانية العلاج بالأعشاب و النباتات الطبية ، ورسوخه في ظل التحديث أمام الطب الحديث على عكس التخصصات الأخرى مثل (القابلة والطهار).

أنظر إلى الجدول البياني رقم (02) لممارسة العلاج الشعبي حسب الجنس والسن

أما المستوى التعليمي للمعالجين الشعبيين بالأعشاب و النباتات الطبية فإنه يختلف باختلاف الجنس ، فالرجال أكثر تعليما من النساء إذ لا تتعدى النساء معرفة القراءة والكتابة على العكس من ذلك فقد نال الرجال قسطا عاليا من التعليم الثانوي والجامعي والدراسات العليا. وهذا يدل مرة أخرى أن التحديث هذا يدعم التقليد ويحافظ عليه في حالة العلاج بالأعشاب.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (03) لممارسة العلاج الشعبي بحسب المستوى التعليمي

من جهة أخرى يغلب على الممارسين للعلاج الشعبي طابع الوراثة ، أي وراثة هذه الممارسة العلاجية عن الأبوين والأجداد ، أما الأقلية منهم فقد اكتسبت المعرفة بالقراءة والتحصيل العلمي (التعليم) إلى جانب الوراثة من الأبوين والجدول التالي يوضح هذه الظاهرة.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (04) لممارسة العلاج الشعبي بحسب مصادر الخبرة

2- العلاج بالكي (باختلاف أنواع الكي) (Point de Feu)

فقد بينت الدراسة أن ممارسيه يبلغ عددهم (13) معالجا منهم (09) رجال ، و(04) نساء. والملاحظ أن العلاج بالكي يعتبر تراثا سائدا في المجتمع الريفي عموما ، وبالتالي يزداد عدد ممارسيه ، إلا أن التحديث العلاجي يحد الآن من هذه الممارسة ، والدليل على ذلك أن معظم المعالجين بالكي تتراوح أعمارهم بين (60 و80) ، ولا يوجد بينهم أقل من سن (40) سواء من الرجال أو النساء.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (05) لممارسة العلاج الشعبي بحسب مستويات العمر

ومن أهم النتائج التي بينتها الدراسة أن العلاج بالكي ينحصر في فئة الأميين ، وخاصة من النساء ، كما لا يحظى أحد الممارسين بمستوى تعليمي أعلى من المستوى الابتدائي . وهذا يؤكد على أهمية الشفاهة والتجربة المباشرة في الممارسة العلاجية ، وليس القراءة والتحصيل العلمي ، كما هو الشأن بالنسبة للعلاج بالأعشاب.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (06) لممارسة العلاج الشعبي (العلاج بالكي) حسب المستوى التعليمي

أما عن مصدر الخبرة في العلاج بالكي فهو وراثي في أغلب الحالات ، ومطلق بين النساء المعالجات فهن يرثن خبرتهن من الأم أو الجدة ، والأب أو الجد ، وقليل من الرجال من يكتسب خبرته من مصدر خارجي مثل الأصدقاء ، أو الجيران وليس الأسرة. وسبب ذلك أن الفارق في الممارسة هو المشاهدة والتجربة ، وبالتالي فإن عدد الممارسين قد يقل مع مرور الزمن بوفاة كبار السن من الممارسين للعلاج بالكي.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (07) لممارسة العلاج الشعبي (العلاج بالكي) حسب مصادر الخبرة

3- العلاج بالحجامة : (Ventause)

لقد اتضح من خلال الدراسة الميدانية أن حجم تأثير التحديث ، قد قلص كثيرا من عدد الممارسين المحترفين التقليديين إلى (03) فقط ، رجلان وامرأة ، منهم رجل في (40) من عمره وأما الآخران فيتجاوزان سن (70). وحينئذ فإن التحديث أو ما يطلق عليه بعصرنة الحجامة قد زحف واكتسح الحجامة التقليدية ، وقد يقضي عليها مستقبلا. وللإشارة فإن الممارسين التقليديين الثلاثة غير متعلمين – شأنهم شأن جيلهم كله – فمنهم اثنان اميان (رجل وامرأة). أما الرجل فيقرأ ويكتب. هذا علاوة على أن مصدر الخبرة موروث من داخل العائلة غالبا.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (08) لممارسة العلاج الشعبي (العلاج بالكي) بحسب المواصفات

4- العلاج بالتجبير (الجبّار) (Ostéologie)

ويمارس رجلان وإمرأة واحدة ، حسبما دلت عليه الدراسة الاثنوغرافية. فالرجلان في سن (60) والمرأة في سن (50). وهم غير متعلمين، فالرجلان احدهما أمي والآخر يقرأ ويكتب والمرأة أمية. أما مصدر الخبرة فهو موروث عند المرأة وموروث ومكتسب لدى الرجلين.

وإذا كانت هذه الصورة تكشف عن انحسار ممارسة تجبير العظام ، أمام موجات التحديث ، إلا أن واقع المجتمع الجزائري يؤكد على رسوخ هذه الممارسة الشعبية وصمودها أمام الطب الحديث بل فقد تتغلب عليه في كثير من الحالات (12) وبالتالي فقد تكون عملية المسح غير شاملة للمجبرين.

أنظر إلى الجدول البياني (09) لممارسة العلاج الشعبي (تجبير العظام) بحسب المواصفات

5- الطهارة والقابلة (الختان والتوليد) (Circoncision – Obstétrique)

وهما نمطان من الممارسات العلاجية الشعبية ، أدمجناهما معا في فئة واحدة باعتبار أن الختام يختص بالذكور ، بينما ترتبط القابلة (الولادة) بالإناث ، علاوة على أننا نسوق التخصصات العلاجية التي يحترفها الرجال والنساء معا. والملاحظ أن هذين النمطين يتواريان أمام التحديث نظرا لسيادة الخدمات الصحية وتوافر المراكز الصحية والمصتوصفات والمستشفيات الحديثة وتغطيتها بجميع الفئات والشرائح الاجتماعية في المجتمع الجزائري.

ويمارس الختان (الطهار) رجلان أولهما دون (50) سنة ، وثانيهما فوق (70) سنة وإن كان الملاحظ أن الأول حاصل على المستوى الثانوي ، بينما الثاني يقرأ ويكتب ، وكلاهما ورث المهنة عن طريق العائلة.

أما القابلة (الولادة) فهي الأخرى في طريقها للاندثار أمام وطأة التحديث ولذلك نجد قابلتين فقد احدهما دون (60) وثانيهما فوق (70) ، وكلتاهما أميتان ، وورثنا المهنة عن الأم. وهنا يتضح دور الوراثة في استمرارية هذه الممارسات العلاجية ، إلا أن التعليم وانتشار الخدمات الصحية الحديثة ، والتحضر وانتشار وسائل الإعلام قد عجلت بانزوائها تحت وطأة التحديث ومع ذلك فهي ما تزال موجودة.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (10) لممارسة العلاج الشعبي (الختان والقابلة) حسب المواصفات

6- الفقيه أو الطالب (المعالج بالقرأن الكريم)

وهذه ممارسة قاصرة على الرجال ، وعادة لا يحترفها النساء ، ويتصدى لمعالجة الأمراض النفسية والعصبية وحالات \" المس \". ويوجد (05) فقهاء (طلبة) تتراوح أعمارهم بين (30) و(60) سنة ، كلهم يقرأون ويكتبون ومنهم الحاصل على المستوى الثانوي ، وقد اعتمدوا على الاكتساب في تحصيل الخبرة العلاجية. والملاحظ أن هذا التخصص العلاجي قاصر على الملمين بالقراءة والكتابة والمتعلمين عموما ، لأن الكتب هي مصدر الخبرة والمعرفة به.

ولذلك نجد أن التحديث يدعم هذا النوع من الممارسة العلاجية التقليدية ، على عكس الختان والقابلة أو العلاج بالكي. فالتعليم – أو حتى معرفة القراءة والكتابة – هو مدخل الاحتراف العلاجي ، وبالتالي فالتحديث يدعم التقليد ، علاوة على ازدهار هذه الممارسة في ضوء أسلوب التنشئة الاجتماعية للأطفال وتدخل الخدم والمربيات في هذه العملية ، وكذلك دور السياق الاجتماعي والثقافي للمجتمع الجزائري.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (11) لممارسة العلاج الشعبي (العلاج بالقرآن الكريم) حسب المواصفات

7- المساد (ة) (المعالجة بالتدليك) (Lisseur) (Masseur)

وهذا النوع من الممارسات العلاجية الشعبية يشترك فيه الرجال والنساء. فبالنسبة للممارسة الرجالية ينحصر دور المساد في إعادة الفلتات المفصلية بمختلف أنواعها إلى أمكنتها الأصلية. أما بالنسبة للممارسة النسائية فتنحصر أساسا في معالجة العقم وآلام الظهر والفلتات المفصلية.

والملاحظ أن \" المسادة \" كانت تجمع فيما قبل التحديث بين التمسيد والتوليد ، ثم صارت تقتصر على التمسيد الآن ، وان كان هو الآخر يتعرض للانقراض. من ناحية أخرى نلاحظ أن هذا النوع من الممارسة العلاجية قد وافد المجتمع الجزائري بفعل عملية – الاتصال الثقافي بين المجتمعات العربية وذلك حسبما توصلنا إليه من خلال الدراسة الميدانية. وتغلب العملية الوراثية مكانتها بالنسبة للخبرة بالتمسيد. فهناك (03) سيدات يمارسن التمسيد بالوراثة عن الأم والجدة منهن اثنتان أميتان ، والثالثة حاصلة على المستوى الثانوي ، كما يغلب عليهن كبر السن ، ولا توجد عملية تواصل أو استمرارية للممارسة العلاجية الشعبية مستقبلا بين البنات أو الحفيدات وذلك بفعل التعليم والتحديث بشكل عام.

أنظر إلى الجدول البياني رقم (12) لممارسة العلاج الشعبي (التدليك) حسب المواصفات

مصادر الممارسة العلاجية الشعبية في المجتمع الجزائري

تتعدد المصادر العلاجية الشعبية في البيئة الجزائرية ، وتتنوع ما بين الأعشاب والنباتات الطبية ومياه البحر المالحة والرمال الممتدة ، و الأحجار ذات الاستخدام الطبي ، وقد اعتمد المجتمع الجزائري على هذه المصادر في علاجه ووقايته من الأمراض ، في الوقت الذي انعدمت فيه الخدمات الصحية الحديثة ، فانطلق الإنسان يبحث عن عناصر الطبيعة ليستخدمها في هذه الأهداف. ولذلك فمعظم هذه المصادر ساعدت الإنسان قبل التحديث على التعامل مع صحته ومرضه.

ومن خلال دراستنا الميدانية الاجتماعية الأولية استطعنا أن نصل إلى ما يلي:

1- الأعشاب والنباتات الطبية:

تعتبر مصدر ثري بالفوائد والاستخدمات العلاجية الشعبية ، فطن إليها الإنسان منذ القدم فقد قال أبو قراط : \" ليكن غذاءك دواؤك .. وعالجوا كل مريض بنبات أرضه ، فهي أجلب لشفائه \" . وفي الحديث النبوي الشريف: \" تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد. قالوا : ماهو؟ قال : الهرم \" (13). وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : \" ما ملأ ابن ادم وعاء شرا من بطنه \" (14). وعلى ضوء هذا السياق الثقافي الديني المتنوع ، التمس الفرد الجزائري الممارسة العلاجية وذلك باستخدامه الأعشاب القريبة من يده.

فالبيئة الجزائرية جدّ غنية بالأعشاب والنباتات الطبية مثل الشيح والحنظل والسدر الذي تؤكل ثماره وتفيد في علاج أمراض الصدر والتنفس وتنقية الدم ومسهلة ومعالجة التبول الفراشي. وحين تغلى قلف الأشجار فهي تفيد في تسكين آلام الإنسان وتقوية الجسم عامة وتلطف درجة الحرارة. كما ينتشر نبات العوسج ( الغرقد عندنا) أو الغرداق الشوكي المعمر وهو مقو عام ومدر للبول ومسهل. أما نبات الجعيدة (حشيشة الريح عندنا) نبات معمر، يفيد في علاج التهابات الأمعاء الغليظة و الحمى والبول السكري. ويعتمد عليه أهل البادية كثيرا في علاج الملاريا. والنساء بصفة عامة يعتمدن على نبات كف مريم (شجرة الطلق ، ابو متن الخروة عندنا) في تسهيل عملية الولادة حيث يزيد من حدة الطلق.

كذلك من الأعشاب والنباتات العلاجية المستخدمة في علاج آلام البطن (النعناع والكروية) ، وآلام اللوزتين (قشر الرمان)، (والليمون)، وآلام الأسنان (القرنفل) ، أي (عود النوار عندما). والربو والحمى (الورد الجاف والجعيدة والقرفة) ، والتسمم (الصبّار)، والحساسية (الزعتر) والإمساك وآلام الكبد والرأس (السنا مكي وعين الأرنب ، وحبة حلاوة) ، والحموضة (الحبة السوداء أو حبة البركة) ، وقروح الجلد (زيت الخروع). وسوف تظل هذه الأعشاب والنباتات العلاجية مصدر العلاج الأساسي مهما بلغ التطور الطبي أوجه. ذلك أن أهميتها ما تزال مستخدمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

2- المياه المالحة: (Eau Saumâtre)

المياه المالحة تعتبر ذات أهمية بالغة بالنسبة لجانبها الصحي والوقائي داخل أفراد المجتمع الجزائري ، لاسيما في علاج القروح والجروح والتقرحات الجلدية والصدمات القديمة حيث يوضع العضو المصاب في الماء المالح بعد تسخينه لمدة ثلاثة أيام إلى أسبوع حيث يساعد على التئام الجراح وشفاء موضع الصدمات والتشققات الجلدية . وهذه الممارسة ما تزال فارضة وجودها لغاية الآن رغم التطور الطبي .

3- العلاج بالرمال : ( Sablier)

كثيرا ما يتردد عليها أفراد المجتمع الجزائري في مختلف مناطق الوطن نذكر على سبيل المثال لا الحصر (منطقة تاغيت) الجنوب الجزائري حيث يعتمد عليها الجزائريون في علاج آلام الظهر والمفاصل والروماتيزم بأشكاله المختلفة. وكيفيته تتمثل في دفن المريض جسمه بوضع أفقي أو رأسي في الرمال لمدة ساعة يوميا وعلى مدى أسبوع تقريبا ضمن ما يطلق عليه (حمامات الرمل) (15). ومثل هذه الممارسة العلاجية لا تزال متواصلة إلى يومنا هذا في ظل التحديث الطبي والمادي. باعتبار أنها أمراضا مزمنة عجز الطب الحديث عن علاجها بشكل قطعي وفوري.

مجتمع المعالجين الشعبيين :

عادة ما تكتسب الممارسات العلاجية الشعبية شهرتها باتساع مجتمعها واعتقاده فيها. وعلى هذا الأساس فإن مجتمع هذه الممارسات تتعدد خصائصه وتختلف باختلاف انماطه العلاجية ، ومدى نجاحها في مواجهة الطب الحديث ، وطبيعة المرض ونوعه ، كما تختلف كذلك باختلاف عامل السن والمستوى التعليمي والمهنة والأصول الاجتماعية والثقافية للمرضى. ومن خلال الدراسة الميدانية الاجتماعية الأولية التي قمنا بها استطعنا أن نتوصل إلى النتائج التالية:

1- مجتمع المعالج بالأعشاب : (Hérboriste)

يغلب على المعالجين بالأعشاب والنباتات الطبية ارتفاع المستوى التعليمي (ثانوي – جامعي – عال). وبالتالي فالعلاج بالأعشاب نمط عقلاني يتجه إليه كثير من الفئات الاجتماعية من المتعلمين وذوي الأوضاع الطبقية العالية والمتوسطة. وقد أفادتنا الدراسة الميدانية على تردد الفتيات الجامعيات على العشاب (العطار) واعتمادهن على ما يقدمه لهن من أعشاب ونباتات علاجية في حالات أمراض الجهاز الهضمي والسكر والضغط وتساقط الشعر والأمراض الجلدية وأمراض الرحم وهن يرددن المثل الشعبي القائل \" اللي ماله أول ماليه تالي \" تأكيدا على أهمية ومكانة التراث العلاجي الشعبي وأهمية الأعشاب في العلاج (16).

وكذلك قدمت لنا الدراسة صورة شاملة عن تردد فئات الشباب على العشاب (العطار) في حالتين : أولهما حينما يعجز الطب الحديث عن علاج أمراضهم المزمنة مثل الربو والسكر. وثانيهما حينما يقصدونه لأول مرة حيث يحيلهم على الطب الحديث من أجل التشخيص وإجراء التحاليل و الفحوصات الطبية وعرض نتائجهما عليه ليصف لهم العلاج العشبي. ومن الصور كذلك كثرة تردد فئات كبار السن على المعالج الشعبي وذلك بحكم عراقة العلاج بالأعشاب في البيئة البدوية الجزائرية عموما. وكثرة الدراسات والآراء الطبية والعلمية التي تبثها وسائل الإعلام حول جدوى العلاج بالأعشاب وأهميتها المعاصرة دون إحداث أي ضرر. وهذا يصدق على المسنين من الرجال والنساء. ولا يختلف في ذلك ذوو المهن الراقية عن ذوي المهن الإدارية أو الحرة. ولذلك يعد نمط العلاج بالأعشاب أكثر قبولا وانتشارا بين معظم الطبقات والفئات الاجتماعية الجزائرية. هذا علاوة على وجود نوع من التعايش بينه وبين الطب الحديث.

2- مجتمع العلاج بالكي : (Point de Feu)

نمط علاجي آخر يتناقص مجتمعه في الوقت الحاضر في ظل عوامل التطور الطبي. حتى أضحى يقتصر في أغلب الأحيان على كبار السن من الرجال والنساء. أما الشباب فإنهم يستشيرون المعالج بالكي حول المرض في بعض الأحيان ، فإن نصحهم بالكي ، ترددوا وتركوه ربما بغير رجعة. وأما النساء فإنهن يترددن عن العلاج بالكي في الوجه والأذن والرقبة والثديين خوفا من تشوه مكان الكي ، وحتى لا يحدث أضرار تتسبب في انصراف الأزواج عنهن ورواجهم عليهن مرة أخرى. ولذلك فإن مجتمع النساء يعتبر كبير السن نسبيا ، علاوة على أنهن يعالجن بالكي في مواضيع غير ظاهرة (17). والواقع أن المسنين يعتبرون الكي علاجا لمعظم الأمراض في الوقت الحالي مثل (البوصفار) و(البوجنب) وعرق النسا والتهاب الكبد والاستسقاء والعقم والروماتيزم وغيرها. وهم يمارسونه لغاية الآن ، بالرغم من التحديث الطبي والمادي والتعليمي والاتصالي ، ومرد ذلك يعود إلى سيادة هذا النمط فيما قبل التحديث. واحتراف معظم كبار السن من سكان البادية الجزائرية لممارسته. حتى أن بعضهم يعالج نفسه بنفسه بالكي سواء من الرجال أو النساء. والاعتماد على الكي مستمر في مجتمع البادية الجزائرية. والملاحظ أن أحد المعالجين بالكي يتردد على المصحات الحديثة للعلاج من ضغط الدم. وقد لفت انتباهنا من خلال الدراسة الميدانية أن ممارسة العلاج بالكي تختلف من منطقة إلى أخرى في بعض المناطق في البوادي الجزائرية من حيث معالجة الأمراض اذ في حين نرى بعض المعالجين يمارسونه لأنواع من الأمراض، وبعضهم يمارسونه لأنواع أخرى.

3- مجتمع العلاج بالحجامة : (Ventouse)

نمط علاجي تقليدي يتناقص مجتمعه هو الآخر حاليا إلى حد كبير أمام عصرنة الحجامة وتقدمها ، وانحسر عدد الممارسين في هذا العلاج الشعبي. وأصبحت الممارسة قاصرة على كبار السن من الرجال معظم الحالات ، أما النساء فأقل. وقد دلتنا الدراسة الانثوغرافيا على احتراف عائلات معينة لهذا العلاج. وكثيرا ما تزداد شهرة الرجال عن شهرة النساء. وناذرا ما نجد ممارسة من هذا النوع للشباب سواء من الذكور أو الإناث ، في حين يمارسها المسنين في علاج الروماتيزم والشاعب (الصداع) وآلام الظهر والعيون والأسنان.

4- مجتمع الجبار (المجبّر):

مجتمع كبير ومتنوع الصفات ، غير أنه يتفوق على ثقته بالعلاج الشعبي لكسور العظام والفلتات المفصلية من دور التحديث في نشر وتعميم الخدمات الصحية وتيسيرها وغلائها. والحقيقة أن المتعلمين والأغنياء من الرجال والنساء والشباب يثقون في الجبار (المجبّر) ويقصدونه للعلاج. ولعل السبب في ذلك يعود إلى عوامل منها بساطة أدوات وطرائق التجبير (الماء الساخن والقماش والزيت والتمر الساخن والكمادات الساخنة أو الباردة والكركم والملح وصفار البيض والقصب والكلخ). كذلك يفضل مجتمع الجبار علاجه التقليدي على التحديث حتى لا يحجزوا في المستشفى أياما طوال وتجري لهم عمليات جراحية واسعة ، وهنا تأكيد على تفوق التقليد على التحديث ، كما يِؤكد نوعا من التعايش بين النمطين العلاجين في نفس الوقت.

5- مجتمع الطهّار (الختان) : (Circoncisioneur)

يبدو أن الطهار (الختان) لم يعد له مجتمع في الوقت الحاضر حيث أضحت الأسر تلجأ بأطفالها إلى المصحات والمستشفيات ونوادي الجمعيات والمنظمات و المؤسسات الرسمية في الدولة الجزائرية والأطباء لختانهم. وقد يحدث هذا مع الولادة مباشرة أو بعدها بأشهر. وعلى هذا بدأت الختانة التقليدية تندثر شيئا فشيئا ومعها العادات والممارسات الشعبية المرتبطة بها ، ولم يعد الختّان يمارس الطهارة (الختانة) الأعلى أبنائه وأحفاده (18).

6- مجتمع القابلة (الولادة) : (Sage Femme)

ساعد التحديث الطبي على التضييق في ممارسة هذا النوع من لعلاج التقليدي لاسيما بعد انتشار أقسام التوليد على مستوى المراكز الصحية للأمومة والطفولة بشكل شمل كل فئات المجتمع الجزائري في مختلف مناطق الوطن. ولذلك صارت النساء لاسيما الشابات تفضلن اللجوء إلى الطب الحديث في المتابعة و الولادة ، وبهذا انزوت الممارسة الشعبية للتوليد أمام زحف التوليد الحديث.

7- مجتمع معالج الأطفال:

لا يزال لهذه الممارسة مجتمعها غير أنه محدد بخصائص. فهو من النساء الكبيرات في السن لاسيما في الأسر العريقة اللائي يشاركن بقوة في اتخاذ القرار العلاجي في معالجة الأطفال. وما يلاحظ أن الأطفال ينتمون إلى الفئات الاجتماعية غير المتعلمة ، ومن مختلف المستويات الاجتماعية والمادية الدنيا ، زيادة على الأسر ذات الخلفيات الاجتماعية والثقافية البدوية (في الحضر) ، وحالات أمراض الأطفال يغلب عليها الطابع الإعتقادي (الجنب – ارتخاء العظام – احمرار عين الطفل – الإسهال – الليل) ... الخ.

8- مجتمع المعالج بالقرآن الكريم (الطالب أو الفقيه) :

ممارسة ذات مجتمع عريض يشمل المتعلمين وغير المتعلمين ، الرجال والنساء، كبار الموظفين وصغارهم ، كبار السن وصغارهم ، الأصحاء بدنيا والمرضى عضويا. ولعل مرد هذا الانتشار والتنوع في هذا المجتمع إلى التراث الاعتقادي الغزير حول علاقة الإنسان بالكائنات فوق الطبيعة ، و السياق الثقافي الذي يعزو المرض إلى عوامل فوقية مثل (الاختبار والنقمة والحظ والحسد والعين والسحر وغيره)، زيادة على كثرة الأمراض النفسية والعصبية المصاحبة لتطور المجتمع الجزائري ، والتحضر السريع ، وعجز النسق الطبي الرسمي عن استيعاب العوامل الاجتماعية والثقافية ومراعاة دورها وتجاوز قيود النموذج الإكلينيكي والبيولوجي.

ونظرا لانحسار ممارسة الطالب أو الفقيه في فئة الذكور، فإن النساء يلجأن إليه لعلاج (الزار) المس ، وفيه يتصدى المعالج لعلاج العقم وآلام الظهر. أما الرجال فيلجأون إلى الطالب لعلاج الأمراض النفسية والعصبية وعلى رأسها الصرع ، بينما يتسع مجتمعه من الأطفال لعلاج (العين الحارة) (الحسد). وقد أفادتنا الدراسة الميدانية أن المصابين بهذه الأمراض عموما (الرجال والنساء والأطفال) يقصدون الطالب أولا لالتماس العلاج ، بينما في حالة الأمراض العضوية فإنهم يقصدون الطب الحديث بداية ، فإن عجز في العلاج أو تباطأ في الشفاء سارعوا إلى الطالب (19).

9- مجتمع المساد (ة) المدلك : (Lisseur) (Masseur)

ممارسة علاجية يشترك فيها الذكور والإناث وممارسيها يضطلعون فيها بعلاج أمراض النساء مثل العقم وآلام الظهر باستخدام التدليك اعتمادا على زيت الزيتون على الظهر والبطن والأرجل لمدة ساعة يوميا وعلى مدى ثلاثة أيام. كما تعالج المرأة المسادة المرأة المنفوسة (المكبوسة) ، وهذه عادة ما تجمع بين التدليك والتوليد قبل التحديث.

أما بعد حدوث التطور الصحي فقد انحسرت الممارسة الشعبية للتوليد ، في حين تقلص دور التدليك أو التمسيد. ونظرا لأهمية وقيمة الإنجاب في حياة المجتمع البدوي الجزائري ، فإن مجتمع المساد(ة) ازداد اتساعا حيث أصبح يضم النساء المتعلمات وغير المتعلمات ، الموظفات وربات البيوت ، المتزوجات والعازبات. بينما انحسرت ممارسة المساد عند الذكور في إعادة الفلتات المفصلية التي تحدث في الأيدي والأرجل والمفاصل والسيقان ، مع التأكيد على تزايد هذه الممارسة واتساعها ورسوخها وتنوعها واستمرارها ومواصلة الاعتماد عليها.

وخلاصة الدراسة أن الاتجاه نحو العلاج التقليدي يعتبر انعكاسا للعوامل البنائية المختلفة في المجتمع الجزائري. وقد اتضح لنا من خلال المقابلات الفردية عدم وجود واحد يمكن أن نحمله مسئولية سبب بقاء واستمرار العلاج التقليدي حتى الآن وقد فرضته الضرورة الإنسانية. فالنظر إلى العوامل البنائية التاريخية للمجتمع الجزائري نجد أنها قد تركت مناخا مناسبا لانتشار العديد من المعتقدات حول المرض ومسبباته والتي عجز الطب الحديث عن الإجابة عنها ، في الوقت الذي قدمت فيه الثقافة بالمقابل أساليب علاجية مختلفة لمواجهة المشكلات المرضية التي يقوم بها الأفراد أنفسهم أو بمساعدة المعالجين. وقد بينت لنا الدراسة الميدانية العديد من هذه الأساليب ، منها ما يتم استخدامه دون العودة إلى المعالجين ، ومنها ما يتم استخدامه بواسطة المعالج ، أساليب كانت في مرحلة تاريخية مضت الملاذ الوحيد لمكافحة الأمراض سواء أكان الاتجاه لذلك بوعي أو بدونه. ذلك أن الاعتقاد المسبق بأن للجن والشياطين دورا في توجيه الأفراد نحو العلاج التقليدي. وأهمية التنشئة والقيم الاجتماعية في توجيه الأفراد نحو العلاج التقليدي ، لغرسها فكرة في إصابة الجن والشياطين للإنسان بالشرور المرضية. واعتقاد الأفراد أن الأمراض النفسية أكثر ارتباطا بالعلاج التقليدي أكثر من الأمراض العضوية لعلاقتها حسب المفاهيم الثقافية بالجن والشياطين. كلها عوامل ساهمت في بسط مثل هذه الممارسات والمعتقدات الشعبية فأخلطت ماهو عملي بما هو اعتقادي أسطوري (20).

الهــوامــــش والإحالات

1- د. علي المكاوي ، البيئة وأنماط المرض ، كلية التربية ، جامعة المنصورة ، 1990 ص 20-25.

2- محمد الجوهري ، الدراسة العلمية للمعتقدات الشعبية ، ج/1 ، دار الثقافة ، القاهرة 1983 ، ص 93.

3- محمد رفعت ، الموسوعة الصحية ، العلاج بالأعشاب قديما وحديثا ، دار الحضارة للطباعة والنشر، بيروت ، 1986 ، ص 9.

4- محمد الجوهري ، مصدر سابق ، ص 110.

5- عار بن يوسف ، الخدمات الصحية في الدول النامية ، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية عدد 32 ، القاهرة ، 1978 ، ص 47.

6- د. محمد الجوهري ، علم الفولكلور، ج/2 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1980 ، ص 474.

7- د. علي المكاوي ، الصحة والظروف البشرية ، الكتاب السنوي لعلم الاجتماع ، العدد السابع ، دار المعارف ، القاهرة ، 1984 ، ص 329-330.

8- منظمة الصحة العالمية.

9- د. علي المكاوي ، الجوانب الاجتماعية والثقافية للخدمة الصحية ، دار المعارف الجامعية ، الإسكندرية ، 1988 ، ص 378-379 ، وص 388-399.

10- فضل أبو غانم ، البنية القبلية في اليمن ، بين الاستمرار و التغير، دمشق ، مطبعة

الكاتب العربي ، 1985 ، ص 23.

11- السيد الحسني ، التنمية والتخلف ، دراسة بنائية تاريخية ، القاهرة ، دار المعارف

ط/1 ، 1980 ، ص 24.

12- حسين رشوان ، دور المتغيرات الاجتماعية في الطب والأمراض ، دراسة في علم

الاجتماعي الطبي ، الإسكندرية ، المكتب الجامعي الحديث ، 1983 ، ص 126.

13- رواه البخاري ومسلم.

14- رواه النسائي وأبو داود والترمذي.

15- ممارسة ما يقوم بها بعض أفراد المجتمع البدوي الجزائري ، وقد لاحظنا ذلك في منطقة

(تاغيت) الجنوب الجزائري.

16- براكلسوس الجرماني ، طب الكيمياء والأعشاب ، تحقيق د. خليل الباز، دار الندى

بيروت 1989 ، ص 23.

17- محمد علي محمد ، دراسات في علم الاجتماع الطبي ، الإسكندرية ، دار المعرفـة

الجامعية 1984 ، ص 44.

18- احمد أبو زيد ، البناء الاجتماعي ، ج/2 ، الأنساق ، القاهرة ، الكاتب العربي ، 1967

ص 532 وما بعدها.

19- فوزي عبد الرحمان ، دراسة انتروبولوجيا للممارسة الطبية في الريف المصري ، كلية

البنات ، جامعة عين شمس ، مصر 1984 ، ص 136.

20- مجتمع الدراسة الميدانية.

) حوض تافنة( . يتموقع حوض تافنة شمال غرب وجنوب ولاية تلمسان وهو يشكل حوالي 77% من المساحة الكلية للولاية . يتربع على مساحة تقدر ر : 7245 كلم , وهو يعتبر احد أهم روافد وادي تافنة الذي يشقه طولا بداية من مرتفعات جبال تلمسان جنوبا مرورا بسهلي مغنية والرمشي انطلاقا من سدي ( بني بحدل وسد حمام بوغرارة إلى نهاية مصبه بجزيرة ارشقون على مستوى شواطئ بني صاف في البحر الأبيض المتوسط على مسافة تقدر ب : 180 كلم .

الجدول البياني رقم (2)
الجدول البياني رقم (2)


الجدول البياني رقم (3)
الجدول البياني رقم (3)


الجدول البياني رقم (4)
الجدول البياني رقم (4)


الجدول البياني رقم (5)
الجدول البياني رقم (5)


الجدول البياني رقم (6)
الجدول البياني رقم (6)


الجدول البياني رقم (7)
الجدول البياني رقم (7)


الجدول البياني رقم (8) والجدول البياني رقم (9)
الجدول البياني رقم (8) والجدول البياني رقم (9)


الجدول البياني رقم (10) والجدول البياني رقم (11)
الجدول البياني رقم (10) والجدول البياني رقم (11)


الجدول البياني رقم (12)
الجدول البياني رقم (12)


تعليقات: