«لو بتشوفيهم كيف كانوا عم يبكوا»

 هكذا وجدوها عندما عادوا إليها منذ عام (م.ع.م)
هكذا وجدوها عندما عادوا إليها منذ عام (م.ع.م)


انتظرت زهرة حتى الثامنة من صباح يوم وقف إطلاق النار في 14 آب ,2006 ثم انطلقت، سيرا على قدميها، الى عيتا الشعب من بلدة رميش المجاورة حيث كانت نازحة.

سارت مع مجموعة صغيرة من الرجال والنساء وصولا الى مدخل القرية، ثم انتظرت هناك مرور إحدى السيارات للاطمئنان من سائقها إلى أنه باستطاعتها الدخول.

لكن لم تمر أي سيارة، لا مدنية ولا تابعة للصليب الأحمر أو لقوات الطوارئ.

تابعت المجموعة سيرها، وكانت الأولى التي تدخل إلى عيتا. عندما وصلت إلى معصرة الزيتون بدأت مشاهد الدمار تتوالى.

نظرت زهرة حولها كأنها تعود الى بلدة لا تعرفها: حجارة وأتربة وأغراض منازل متناثرة، تملأ الطرقات والحقول. الشخص الاول الذي شاهدته، كان ابن خالها وهو شاب في الثامنة والعشرين من العمر، لكنها لم تعرفه لأن بشرته أصبحت سمراء ولحيته طويلة وملابسه متسخة بشدة.

نظر اليها عندما رآها وابتسم لها، فسألته: «من أنت؟»، ثم ندهت قبل أن يجيبها: «هيدا إنت؟»، اقتربت منه واحتضنته، (لم تلمس سوى ملابسه) فرد عليها قائلا: «ارفعي صوتك لأني لا أسمعك».

كان قد فقد السمع مؤقتا لشدة سماعه أصوات القذائف التي انهمرت على البلدة. سألته بعدما تحدثت إليه قليلا اذا كان بإمكانها إكمال الطريق الى منزلها، فرد عليها بالايجاب.

كانت المجموعة تضم ما يقارب خمسة وعشرين رجلا وامراة مع أولادهم. أخذت زهرة تردد وهي تسير في الطريق: «ما بقى في ضيعة». وصلت مع أربع نساء الى الجامع التحتاني وأخذت تنده لابن عمها هشام: «يا هشام إذا كنت بين الشباب رد علي». لكن هشام لم يرد، وظهرت مجموعة مقاتلين من بين ركام المنازل بالقرب من الجامع وأخبروها أن هشام استشهد.

كان هشام في الرابعة والعشرين من العمر. تخرّج من الجامعة قبل شهر من استشهاده وهو يحمل شهادة في هندسة الكومبيوتر.

عندما بدأت الحرب، جاء من بيروت الى عيتا للمشاركة فيها. طلب منه أهله العودة لكنه أجابهم: «هذه معركتي». كان يعتبر أنه لم يقدم شيئا لبلدته ويريد الآن المشاركة في الدفاع عنها.

تقول زهرة إن هشام شارك مع اثنين من أشقائه في المعركة بالاضافة إلى زوج شقيقته وشاب من أقربائهم. تنقل عن والدته التي كانت تقيم معهم لدى نزوحهم إلى رميش أنها كانت تقضي الوقت واقفة في باب المنزل تدعو الله لكي يحمي كل الشباب.

فاجأها صغر سن العديد من المقاتلين، فسألت أحدهم وهو يقارب الثامنة عشرة من العمر ضاحكة: «إنت قاتلت اليهود؟» فأجابها أنه كان «يغرهم» مثل الدجاج، والعبارة خاصة بأهالي عيتا وتعني ملاحقة الدجاج لجمعه. أخذ يشرح لها كيف كان الجنود مرعوبين وهم يلاحقونهم من زاوية الى زاوية، ثم أضاف: «لو بتشوفيهم كيف كانوا عم يبكوا».

تروي أنه عندما نزح أهالي عيتا إلى رميش، خبأوا عندهم مقاوما جريحا لمدة عشرة أيام، بعدما نقله أحد رجال القرية في سيارته من أجل معالجته ولم يستطع العودة بسبب قطع الجنود الاسرائيليين للطرقات.

سألها المقاوم وهو يقيم معهم في رميش: «كم شهيدا تعتقدين أنه سقط في عيتا؟» فأجابته: «ما يقارب العشرة شهداء». لكن عدد الشهداء بلغ تسعة.

عندما وصلت زهرة الى الكاراج وجدت والد الشهيد يوسف وهو ابن عمها وأخبرها أن ابنه استشهد أمام عينيه، ثم طلب منها عدم البكاء لأن تلك كانت وصية الشهداء.

عرفت في طريق سيرها أنه تم جمع الشهداء في منزل واحد، فطلبت هي والنساء اللواتي برفقتها رؤيتهم، لكن الشباب أجابوهن: «الشهداء مش هون، بل ببيت تاني».

عرفت حينها أنهم لا يريدون لهن رؤيتهم، ثم أضافوا قائلين للنساء: «يالله إنتوا جايين تعبانين خذوا اشربوا مي» تضحك زهرة وهي توضح: «مياه صحة مش حيالله مياه، جلبوها من الدكاكين، كل محلات عيتا كانت على حسابهم».

طلب الشباب من النساء عدم إكمال السير نحو طرف البلدة حيث يقع منزل زهرة لأنه كان ما يزال هناك أشلاء للجنود الاسرائيليين، ربما يعمل رفاق لهم على سحبها.

توقفت النساء قليلا في الكاراج، ثم أكملت زهرة السير باتجاه منزلها وهي تعتقد أنه دمر كليا، وقد خطر لها وهي في رميش أن أهل القرية أصبحوا مثل الفلسطينيين غادروا منازلهم ولن يعودوا اليها.

شاهدت على الطريق سيارة رانج روفر تحمل جثماني شهيدين ملفوفين بالاغطية، لكنها رأت أحذيتهما. خمنت أن أحدهما قد يكون ابن خالها الذي استشهد، لأنه طويل القامة وممتلئ الجسم.

عرجت قبل وصولها إلى منزلها الى منزل شقيق زوجها المجاور فوجدته حطاما يقف أمامه ثلاثة أشقاء من أهله مع أبناء الجيران.

توجهت إلى أحد أبناء الجيران وهو في السابعة عشرة من العمر قائلة له: «أنت قاتلت الجيش الأسطورة؟». لم تكن قادرة على التصديق أن هؤلاء الفتية شاركوا في المعركة فعلقت: «أولاد زعبوا الاسرائيليين. شي ما بيتصدق».

عندما وصلت الى منزلها كانت الساعة تقارب الحادية عشرة والنصف، فأخبرها أحد شبان الحزب أن الجنود الاسرائيليين كانوا قد تمركزوا في المنزل.عندما حاولت الدخول إلى المنزل عفت رائحة نتنة منه، «كأنه مزبلة».

دخلت في البداية الى المطبخ فوجدت فيه بقايا نسكافيه وشاي ومقلى استخدمه الجنود لقلي البطاطا. صعدت الى السدة فوجدت بقايا طعام تدل على مكوث الجنود فيها، اتجهت نحو الغرف فوجدت الأثاث مكوما على الأرض والحرامات مفروشة على البلاط.

تروي زهرة أن مقاتلي الحزب أقاموا في منزلها في بداية المعركة، بقي معهم زوجها وشقيقته لمدة خمسة عشر يوما، قبل أن ينتقلا الى رميش. لكن ما ان خرج مقاتلو الحزب من المنزل حتى قدم اليه الجنود الاسرائيليون، وعلمت أن الجنود كانوا يقيمون في منزل الجيران قبل مجيئهم الى منزلها. تجد تفسيرا واحدا لعدم تدمير منزلها وهو أنه جرى اختياره بموجب الخرائط العسكرية كأحد المراكز للجنود الاسرائيليين.

قضت فترة بعد الظهر في نقل النفايات وتنظيف المنزل «على الماشي»، بمساعدة زوجها وأولادها.

عند حلول المساء حمل شبان الحزب مولدا كهربائيا إلى المنزل لإنارته كي يرى الاسرائيليون أن عيتا مضاءة في الليلة الأولى لوقف الحرب. كانوا متعبين جدا من رحلة العودة، لكنهم سهروا مع الشباب حتى الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.

صباح اليوم التالي قام رجال الحزب بتعبئة الخزان على سطح المنزل بالمياه عبر مولد الكهرباء، ثم بدأ تشغيل سخان المياه باستخدام المازوت وأخذ الرجال ينادون بعضهم عبر الأجهزة: «يوجد مياه ساخنة للاستحمام في عيتا».

بدأوا يتوافدون من البلدة ومن القرى المجاورة. تنظر زهرة الى أقدامهم خلسة وهم يخلعون أحذيتهم العسكرية وجواربهم، فتظهر أقدامهم بيضاء رطبة بسبب انتعالهم الأحذية والجوارب فترة طويلة.

طلبت منهم إبقاء أحذيتهم لكي تغسلها وتحتفظ بها، لكنهم رفضوا لأن رائحتها كريهة. وضعوها في أكياس النفايات ورموها، ولم يسمحوا لعائلة زهرة برميها بدلا عنهم.

بقي السخان شغالا من الثامنة والنصف صباحا حتى الثانية عشرة ليلا. استحم خلال ذلك اليوم عددا كبيرا من الشباب، ارتدوا ملابس رياضية أخذوها من محلات البلدة وفرشوا سجادتين شتويتين على أرض المنزل للصلاة. كانوا يدخلون الى المحل ينتقون البدلة ويسجلون على دفتر العدد الذي اشتروه لكي يدفعوا ثمنه عندما يعود صاحبه. تقول زهرة إن اثنين من الشباب وجدا بدلتيهما منخورتين بالشظايا فطلبا منها رتقها.

بين الاستحمام وبين الصلاة كان يجري تحضير طعام الغداء. طُهي خروفان مع الارز، وقدم إلى جانبهما اللبن وسلطة بندورة وخيار قطفت من الحقل. يعني وليمة. وكما حصل مع موضوع المياه الساخنة أخذ الشباب ينادون بعضهم: «يوجد طعام هلموا»، فزاد عدد الذين توافدوا لتناول الطعام.

في اليوم التالي جلبت سلفتها خروفا نذرته من أجل ابنها، وجاء الشباب بأربع رؤوس ماعز كانت تسرح في البرية، بعد نزوح أصحابها عن منازلهم، وجرى إعداد الوليمة الثانية.

أشعلت المواقد تحت الطناجر، وأعدت النساء اللحم والارز والكبة النيئة والسلطة، بينما اشترى الشباب القلوبات والخضار من رميش، وتناول الطعام نحو مئتي مقاتل.

تقول زهرة إنها لا تصدق أن ذلك حصل معها، كأن حلماً مر عليها. كانوا يتوافدون بالسيارات والرانجات إلى المنزل، وهي تعمل مع زوجها وأولادها ونساء الجيران في خدمتهم وبمساعدتهم، دون تفكير بالتعب.

أقيمت الولائم على مدى ثلاثة أيام للمقاومين.

تعليقات: